بقلم يوسف القاسمي البقالي, باحث في علوم الأديان وتحليل الظواهر الثقافية المتقاطعة- كندا
على مدى عقود، تعاملت النظريات الكلاسيكية في العلاقات الدولية مع الدين بوصفه عنصرا ثانويا، أو امتداداً للهويات الثقافية أكثر منه قوة فاعلة في صنع القرار. غير أنّ المشهد العالمي اليوم يكشف عودة لافتة للفاعلين الدينيين، ليس كرموز اجتماعية، بل كقوى سياسية ودبلوماسية قادرة على التأثير في الدول، وتوجيه الرأي العام، وتغيير موازين القوى الإقليمية. هذا التحول، الذي تؤكده دراسات صادرة عن مراكز بحثية مثل مركز بيو للأبحاث ومركز بيركلي للدين والسلام والشؤون العالمية في جامعة جورجتاون، يعكس فراغاً أيديولوجياً تركته التيارات السياسية التقليدية، وصعودا جديدا للانتماءات الروحية كإطار تفسيرية ومحرّكات اجتماعية.
الدول الغربية، التي اعتادت مقاربة السياسة الخارجية من منظور القوة العسكرية أو المصالح الاقتصادية، تجد نفسها اليوم أمام واقع جديد: فاعلون دينيون يمتلكون شبكات عابرة للحدود، وقواعد شعبية واسعة، وقدرة على التأثير في السياسات العامة. ويشير معهد هدسون إلى أنّ دولاً في الشرق الأوسط وآسيا وإفريقيا باتت تستخدم شبكات دينية لتعزيز نفوذها الخارجي أو لتثبيت شرعيتها الداخلية. فالسعودية وإيران وتركيا، كلٌّ بطريقته، يوظفون الخطاب الديني في بناء نفوذ إقليمي، بينما تعتمد الهند وإسرائيل على سرديات دينية قومية لإعادة تشكيل هويتهما السياسية.
ولا يقتصر هذا الصعود على الدول وحدها. فالحركات الدينية العابرة للحدود ـ من الكنائس العالمية إلى الشبكات الشيعية، ومن الحركات الإنجيلية إلى الجماعات البوذية والهندوسية ـ أصبحت فاعلا مركزيا في الوساطة، والإغاثة، والتأثير الثقافي. وتوضح دراسات صادرة عن معهد بروكينغز أنّ بعض هذه الحركات تمتلك موارد مالية وتنظيمية تضاهي قدرات دول صغيرة، وأنّ قوتها تكمن في قدرتها على الوصول المباشر إلى المجتمعات، بعيداً عن البيروقراطيات الحكومية.
أما أوروبا، التي طالما تباهت بنموذجها العلماني، فهي الأخرى تشهد عودة الدين إلى قلب النقاش السياسي. ويشير المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إلى أنّ قضايا الهجرة والهوية والاندماج أعادت البعد الديني إلى الواجهة، سواء في النقاشات حول الإسلام في الفضاء العام، أو في متابعة أوضاع الأقليات المسيحية في الشرق الأوسط، أو في تأثير الحركات الإنجيلية الأميركية على السياسات الخارجية لواشنطن.
لكن هذا التحول لا يخلو من مخاطر. فحين يتحول الدين إلى أداة تعبئة سياسية، يمكن أن يفاقم الانقسامات الطائفية، ويغذي النزاعات، ويجعل التسويات الدبلوماسية أكثر صعوبة. ويؤكد مركز أكسفورد لدراسة الدين والحياة العامة أنّ “تقديس” الصراعات يحوّلها من نزاعات سياسية قابلة للتفاوض إلى معارك وجودية لا تقبل الحلول الوسط. وهنا يصبح الخطاب الديني سلاحاً ذا حدين: قادراً على توحيد المجتمعات، لكنه قادر أيضاً على إشعالها.
ومع ذلك، فإن اختزال الدين في دوره الصراعي سيكون قراءة ناقصة. ففي مناطق عديدة، لعبت المؤسسات الدينية دوراً محوريا في المصالحة وبناء السلام. فقد ساهمت الكنائس في إفريقيا الوسطى في الوساطة بين الأطراف المتحاربة، ولعبت المؤسسات الإسلامية المعتدلة في جنوب شرق آسيا دوراً في مواجهة التطرف، بينما واصل الفاتيكان تقليده العريق في الدبلوماسية الإنسانية.
إن عودة الفاعلين الدينيين إلى الساحة الدولية ليست حدثاً عابراً، بل تعبير عن تحولات عميقة في المجتمعات الحديثة، حيث يبحث الأفراد والجماعات عن مرجعيات ثابتة في عالم سريع التغير. والتحدي أمام الدبلوماسية المعاصرة لا يكمن في احتواء الدين أو إقصائه، بل في فهمه والتعامل معه بوصفه جزءا من معادلة القوة. فالقوة اليوم لا تُقاس فقط بالاقتصاد أو السلاح، بل أيضاً بالقدرة على صياغة سرديات، وتحريك قناعات، وبناء معنى مشترك.
📲 Partager sur WhatsApp
عودة البعد الأيديو لوجي بقوة، في زمن صراع سرديات الأقليات التي أمست ممأسسة بخطاب حقوقي.