في جدوى الملاحق الجامعية وأخلاقيات الإصلاح

بقلم زكية لعروسي, باريس

في خضمِّ عالم يتسارع فيه إيقاع التحولات، وتتعاظم فيه رهانات المعرفة، لم يعد من المقبول أن تدار قضايا التعليم بمنطق التردد أو الحسابات الضيقة، بل أضحت تستدعي جرأة فكرية تزاوج بين الحكمة في التنزيل، والبصيرة في الاستشراف. ومن هذا المنطلق، يندرج قرار إحداث مؤسسات جامعية جديدة بمدينة بركان في سياق إصلاحي أعمق، يتجاوز الجغرافيا إلى إعادة صياغة العلاقة بين الجامعة ومحيطها.

إن هذا التوجه، في جوهره، ليس مجرد توسع عمراني للمؤسسات، بل هو تعبير عن فلسفة تعليمية تعتبر أن المعرفة لا ينبغي أن تظل حبيسة المراكز الكبرى، بل يجب أن تنساب إلى الأطراف، حيث الحاجة أشد، والطموح أكثر إلحاحا. وقد سبق للفيلسوف الفرنسي إدغار موران أن أشار إلى أن «إصلاح التعليم هو قبل كل شيء إصلاح للفكر الذي يفكر به التعليم»، وهو ما يجعل من هذا القرار خطوة في اتجاه إعادة التفكير في توزيع الفرص، لا فقط في مضامين التكوين.

وليس خافيا أن اعتماد نظام “الملاحق الجامعية” (annexes) هو تقليد راسخ في دول متقدمة، وعلى رأسها فرنسا، حيث اضطرت الجامعات، بفعل الضغط الديمغرافي وتزايد الإقبال على التعليم العالي، إلى توسيع امتداداتها الترابية. ولم يكن ذلك خيارا اعتباطيا، بل استجابة عقلانية لحاجتين متلازمتين: تخفيف الاكتظاظ، وضمان القرب المجالي للطالب. وهو ما يتقاطع مع ما ذهب إليه جون ديوي حين اعتبر أن “التعليم ليس إعدادا للحياة، بل هو الحياة نفسها”، أي أنه ينبغي أن يكون مندمجا في محيطه، لا مفصولا عنه.

وعليه، فإن الإشادة بهذا القرار ليست من باب المجاملة، بل من منطلق الاعتراف بجرأة تدبيرية تضع الطالب في قلب المعادلة. فالرؤية التي تؤطر هذا التوجه تعكس وعيا بأن العدالة المجالية ضرورة تربوية وأخلاقية. كما أن دعم هذا المسار هو دعم لفكرة أن الجامعة يمكن أن تكون رافعة تنموية حقيقية، لا مجرد فضاء لتلقين المعارف.

غير أن من تمام الحكمة، كما يقول الفيلسوف أرسطو، «أن نمدح باعتدال، وننقد بإنصاف». فنجاح هذه المبادرات يظل رهينا بشروط موضوعية لا يمكن القفز عليها، وفي مقدمتها ضمان جودة التأطير البيداغوجي، وتوفير الكفاءات العلمية القادرة على حمل مشعل التكوين بنفس المستوى الذي تقدمه المؤسسات الأم. كما أن خطر “التوسع الشكلي” يظل قائما إذا لم يواكب هذا الامتداد برؤية علمية واضحة تضمن الإشعاع لا مجرد التموقع.

أما الصخب الذي يواكب مثل هذه القرارات، فليس دائما بريئا. إذ سرعان ما تتحول بعض المبادرات النبيلة إلى مادة للاستهلاك السياسي، خاصة حين تقترب المواعيد الانتخابية. وهنا تستحضر الذاكرة الشعبية المغربية حكمتها البليغة: «اللّي ما عندو همّ، كيدير من الخوا قبّة»، في إشارة إلى أولئك الذين يصطنعون القضايا لا بحثا عن الحقيقة، بل طلبا للظهور. كما تقول أمي خيرة: «يبيع الما فحومة السقايين»، وهو وصف دقيق لمن يستثمر في ما هو قائم أصلا، دون أن يضيف إليه قيمة تذكر.

إن السؤال الجوهري الذي ينبغي طرحه، بعيدا عن كل انفعال، هو: هل ينظر إلى التعليم كقضية مصيرية تستوجب التراكم والاستمرارية، أم كأداة ظرفية تستدعى عند الحاجة السياسية؟ والجواب، في كثير من الأحيان، لا يحتاج إلى كبير عناء. إن الدفاع عن الجامعة لا يكون برفع الشعارات، ولا برفض كل مبادرة بدعوى الشك، بل يكون بالمساهمة في تجويدها، وتحصينها من الرداءة، ودعم كل خطوة إصلاحية تستند إلى رؤية واضحة. فكما قال باولو فريري: «التعليم إما أن يكون أداة لتحرير الإنسان، أو وسيلة لإعادة إنتاج قيوده».

فإن التحية الصادقة ترفع إلى كل من ساهم في هذا القرار، من رئاسة الجامعة في شخص الدكتور ياسين زغلول, و إلى وزير التعليم العالي والبحث العلمي السيد عز الدين المداوي، على ما أبانوا عنه من إرادة في كسر منطق المركزية، وتوسيع أفق الأمل أمام الطلبة. غير أن هذه الخطوة، على أهميتها، ليست سوى بداية لمسار أطول، عنوانه: جامعة عادلة، منفتحة، وفاعلة في محيطها. وحده الزمن كفيل بأن يمنح هذا القرار معناه الكامل، لكن المؤكد أن الإصلاح الحقيقي لا يخشى النقد، كما لا يلتفت إلى الخواء، بل يمضي بثبات حيث تكون المصلحة العامة.

📲 Partager sur WhatsApp

2 thoughts on “في جدوى الملاحق الجامعية وأخلاقيات الإصلاح

  1. الزمن الراهن لنا يقتضي تفجير صدمة نفسية – اجتماعية قوية لكي يصل نداء اصلاح منظومة التربية و التعليم من خارج العقل الاصلاحي التقني. لقد تم انهاك هذه المنظومة بالإصلاح واصلاح الاصلاح، مثل ما نعيشه مع سردية الانتقال الديموقراطي.

  2. المقال متوازن في مجمله والفكرة جيدة؛ فهو يدعم إحداث الملاحق الجامعية من زاوية العدالة المجالية وتقريب التعليم العالي من الطلبة، وهي فكرة وجيهة خاصة في جهات بعيدة عن المراكز الجامعية الكبرى. كما يحسب له أنه لم يكتفِ بالإشادة، بل نبّه إلى شرط أساسي: الجودة الأكاديمية وتوفير الكفاءات حتى لا يتحول التوسع إلى مجرد حضور شكلي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *