مجلس الجالية ونبض مغاربة العالم؟

بقلم الصحافي والإعلامي حيمري البشير،  كوبنهاكن- الدنمارك

في لحظة تاريخية تتكاثر فيها أسئلة الهجرة، وتتفاقم فيها معاناة الشباب المغربي بين ضيق الأفق واتساع المجهول، يطفو إلى السطح سؤال لا يحتمل مزيدا من التأجيل: ما جدوى وجود مجلس الجالية المغربية بالخارج إذا كان صوته خافتا حين ترتفع صرخات المغاربة في المنافي؟

إن المتتبع لواقع الهجرة اليوم، لا يحتاج إلى كثير عناء ليدرك أن هناك فجوة مقلقة بين ما يفترض أن تقوم به المؤسسات، وما يجري فعليا على الأرض. شباب مغربي، يحمل شهادات جامعية، ويجرّ خلفه سنوات من الانتظار العقيم، يجد نفسه فريسة سهلة لشبكات وساطة تتقن فنّ الوهم، وتبيع سراب “الحلم الأوروبي” مقابل مبالغ باهظة. وجهة الرحلة: رومانيا. وحقيقتها: بوابة مفتوحة على المجهول.

هناك، تتبدد الأحلام سريعا، ويصطدم الوافدون بواقع قاس لا يشبه الوعود. ثم تبدأ رحلة أخرى، أكثر هشاشة وخطورة، نحو الحقول والمزارع في إسبانيا وإيطاليا، حيث العمل الشاق، والهشاشة القانونية، وغياب أبسط شروط الكرامة الإنسانية. شباب يتحول من حامل لشهادة إلى رقم في اقتصاد الظل، بلا حماية، بلا صوت، وبلا أفق.

في خضم هذا المشهد، يبرز الغياب المريب للمؤسسات التي يُفترض أن تكون في الصفوف الأولى للدفاع عن هؤلاء. أين تقارير الرصد؟ أين التتبع الميداني؟ أين الترافع من أجل كرامة مغاربة العالم، خاصة أولئك الذين سقطوا خارج التغطية القانونية؟ أليس من صميم اختصاص مجلس الجالية أن ينصت، يوثّق، ويحذّر، بل ويقترح حلولا -ولو كانت جزئية- تخفف من هذا النزيف الإنساني؟

إن الصمت، في مثل هذه القضايا، ليس حيادا… بل موقف. والتأخر في التفاعل  ليس مجرد تقصير إداري، بل إسهام غير مباشر في تعميق الأزمة. فحين تغيب المعلومة الصادقة، تحضر الإشاعة. وحين تتأخر المؤسسات، تتقدم الشبكات. وحين يترك الشباب لمصيرهم، يصبح الوطن فكرة مؤجلة. ثم ماذا عن الأموال المرصودة؟ أليست من حق الرأي العام أن يتساءل عن مآلاتها؟ وعن أثرها الفعلي في تحسين أوضاع الجالية؟ إن الحكامة هي مسؤولية. والمساءلة شرط أخلاقي لأي عمل عمومي.

ولا تقف المسؤولية عند حدود المجلس وحده، بل تمتد إلى الفاعل السياسي، حكومة ومعارضة. فالصمت الحزبي أمام ملف بهذا الحجم يثير أكثر من علامة استفهام. هل تحوّلت قضايا الهجرة إلى ملف موسمي يستدعى عند الحاجة الخطابية فقط؟ أم أن هناك عجزا بنيويا في إنتاج سياسات عمومية قادرة على ملامسة الواقع؟

إن المغاربة يقولون في أمثالهم: “اللّي خلا دارو قلّ مقدارو”، وكأن في هذا القول مرآةً لحال شباب اضطر إلى مغادرة وطنه لا بحثا عن مغامرة، بل هربا من انسداد الأفق. لكن الأدهى أن يترك بعد ذلك وحيدا، بلا سند، في مواجهة واقع لا يرحم.

إننا اليوم لا نكتب من باب التهويل، بل من موقع الغيرة على وطن لا يستحق أن يصدَر شبابه إلى المجهول. ولا نخاطب المسؤولين بلغة الاتهام، بل بلغة الضمير: إن كنتم تملكون القدرة على الفعل، فافعلوا. وإن عجزتم، فصارحوا. فأسوأ ما يمكن أن يحدث هو أن يستمر هذا الفراغ، حيث لا صوت يعلو فوق صمت المؤسسات.

لقد آن الأوان لإعادة الاعتبار لوظيفة مجلس الجالية، ليس كمؤسسة شكلية، بل كجسر حيّ بين الوطن وأبنائه في الخارج. آن الأوان لأن يتحول من موقع المتفرج إلى فاعل مبادر، يُنصت بصدق، ويتحرك بجرأة، ويضع كرامة المغربي-أينما كان- فوق كل اعتبار. فالتاريخ لا يرحم المؤسسات الصامتة… كما لا ينسى من اختار أن يكون في صف الإنسان.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “مجلس الجالية ونبض مغاربة العالم؟

  1. هذا نداء للقيام بواجب يستحق النشر لتشعر الجالية أن لها مؤسسات فعالة وليست صورية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *