بقلم زكية لعروسي, باريس( تحاور مع مقال الصحافي حيمري البشير :مجلس الجالية ونبض مغاربة العالم)
قال: أقرأتِ ما كتبه الحيمري؟
قلت: بل قرأتُ فيه صدى صوتي… كأن الرجل لم يكتب، بل استعار حنجرتي المتعبة منذ سنين.
قال: ألهذا الحدّ يشتدّ الصمت؟ قلت: بل لهذا الحدّ يتقَن. الجالية لا تعيش غيابا عاديا، بل أمام صمت مؤَسسي، صمت له مكاتب وهواتف لا تجيب، وله كراس وُضعت لتُرى لا لتَسمع.
وهنا تدخلت “أمي خيرة”، كعادتها، وهي تمسح على الكلام بمنديل الحكمة الشعبية، وقالت:
“آ بنتي، اللّي عندو الزين كيستر وجهو، واللي ما عندو، كيغطيه بالصمت.” فضحكنا قليلا… ثم سكتنا طويلا
قلت: حدّثتُهم عن الثقافة، فقالوا: ليست أولوية.
قلت: حدّثتُهم عن الجريدة، عن الكلمة التي تنقذ ما تبقى من المعنى، فقالوا: الجالية لا تقرأ.
قلت: حدّثتهم عن المراكز الثقافية، عن الذاكرة، عن الجذور… فقالوا: أنت وحدك تفكرين هكذا.
قال: وماذا أجبتِ؟
قلت: تذكرتُ الجاحظ حين قال: “المعاني مطروحة في الطريق”، لكن يبدو أن الطريق عندهم مغلق… أو لعلهم لا يمرّون منه أصلا
قال: أليس في الأمر مبالغة يا زكية؟
قلت: بل في الأمر مفارقة تشبه ما وصفه أفلاطون في كهفه الشهير… نحن نلوّح بالضوء، وهم مشغولون بظلالهم على الجدار.
قال: ومجلس الجالية؟
قلت: ذاك سؤال يشبه طرق باب في بيت بلا جدران… تسمع الصدى، ولا ترى أحدا.
قال: لكنهم هناك… في المكاتب، في التقارير.
قلت: نعم، “كاينين فالصورة وغايبين فالمعنى”، كما تقول أمي خيرة.
ثم سألني:
ألم تحاوري أحدهم؟
قلت: بلى. جلستُ إليه كما يجلس التلميذ أمام أمل أخير. تحدثتُ عن الثقافة، عن الإنسان قبل الملف، عن الجالية كروح لا كرقم… فابتسم، وقال بلطف قاتل: “هذه ليست أولوياتنا.” وهنا، شعرت أنني لا أحاور مسؤولا… بل أحاور جدارا متأنقا.

قال: وماذا عن توجيهات ملكنا وولي أمرنا محمد السادس نصره الله؟
قلت: هنا تكمن الحيرة… فبين ما يوصي به صاحب الجلالة محمد السادس من وصايا عن الجالية , وفعل المسؤولين بحر، لا يعبره إلا من أوتي ضميرا يقظا. ألم يقل الرسول (ص):“رحم الله عمل عملا , فأتقنه”؟ قال: وماذا عن معاناة الجالية هناك؟
قلت: حدّث ولا حرج… بطائق وطنية تطلب كأنها مِنّة، هواتف ترنّ كأنها تستغيث، وإدارات تُحيلك إلى إدارات… حتى تتيه في متاهة لا خيط فيها.
قال: وأنتِ؟
قلت: أنا… مجرد صوت -يحب وطنه وملكه ورمال صحرائه- جرّب أن يصرخ داخل بئر.
تدخلت أمي خيرة مرة أخرى، وقالت:
“اللّي بغا العسل، يصبر لقريص النحل”… ولكن الذي تناسته أمي خيرة أن ” مين يكون ميت النحل مين يجي العسل؟”
قال: وهل من أمل؟
قلت: الأمل ليس في المؤسسات حين تصمت… بل في أن نُحرج هذا الصمت بالكلمة. أن نكتب، لا لنُسمعهم فقط، بل لنُثبت أننا ما زلنا هنا.
ثم ختمتُ قولي، كما لو كنت أكتب على جدار لا يقرأه أحد:
.لسنا نطلب امتيازا… بل حقا خوله لنا ملكنا محمد السادس وحامينا
لسنا نبحث عن صوت يُصفّق لنا… بل أُذن تسمعنا.
لسنا أفرادا متفرقين… نحن أبناء الجالية خيط واحد، إذا انقطع، اهتزّ نسيج الوطن.
فيا من أوكلت إليهم المسؤولية، تذكّروا: ليس كل صمت حكمة… أحيانا، يكون عجزا مُتقنا. وما بين الجدار والصدى… تضيع الحكاية. وربما الوطنية والمواطنة
📲 Partager sur WhatsApp
ديدن المفكر العبقري هو من يترك الحقيقة تنقال على لسانه المشقوق مثل لسان الأفعى. شق له وشق لسان الكون. لذا لما تسمع الأذن الصافية لنداء ذاك اللسان، يجد صاحبها نفسه في قلب ما يشي به النداء بالكلمة وفي الكلمة.
المقال يعبّر بأسلوب أدبي عن انتقاد واضح لصمت المؤسسات، خصوصًا مجلس الجالية، تجاه قضايا المغاربة المقيمين بالخارج. ويرى أن هناك فجوة بين الخطاب الرسمي والواقع، مع ضعف التواصل والاهتمام بالبعد الثقافي والإداري للجالية.
برأيي، المقال مهم في إثارة الانتباه لهذه الإشكالات، لكنه يغلب عليه الطابع الإنشائي والانطباعي أكثر من تقديم معطيات دقيقة أو حلول عملية، ما يجعله مرافعة رمزية قوية، لكنها محدودة من حيث التحليل العملي.
أشكر لك سيدتي حنان حسن الاهتمام….إن الهدف من هذا النص لا يتمثل في تقديم تحليل أكاديمي مكتمل سيدتي الفاضلة أو حلول جاهزة، بل في خلخلة الفكر السائد وفتح مساحات للتساؤل. وهذا النهج ليس جديدا، بل هو امتداد لما كان يقوم به فلاسفة اليونان، مثل سقراط، الذي كان يعتمد على المحاورة، ودفع الناس إلى التفكير بدل الاكتفاء بالتلقي.فالنص هنا هو دعوة للتفكير لا للتلقين، ومحاولة لإخراج القارئ من منطقة الراحة الذهنية، حيث تتحول القضايا المرتبطة بالهجرة والهوية إلى أسئلة مفتوحة، لا إلى أجوبة مغلقة.إن الكتابة التي تنبع من التجربة لا تبحث دائما عن البرهان بقدر ما تبحث عن إثارة الوعي، لأن الوعي هو الخطوة الأولى نحو أي تغيير. ومن هذا المنطلق، فإن اللغة الأدبية والانطباعية ليست ضعفا، بل هي اختيار مقصود، يهدف إلى الوصول إلى أوسع شريحة ممكنة.