نداء البابا…حيث تصبح الكلمات طيورا ميتة

بقلم زكية لعروسي, باريس

لا شيء يعلن عن نفسه بقوة هذه المرة. لا صواريخ تسمع في روما. لا صراخ. فقط رجل يرتدي الأبيض يقف على شرفة حجرية، وخلفه خمسون ألف شخص، وأمامه عالم يحترق. يقف هناك، في قلب المكان الأكثر هدوءا في أكثر اللحظات جنونا، ويفتح فمه. فيخرج منه كلمات. كلمات عن السلام. عن اختيار السلام. عن نبذ العنف. عن اللامبالاة التي قتلت أكثر من الرصاص. لكن السؤال الذي يلحّ، الذي يخترق كل هذا البياض الناصع، هو: هل يسمعه أحد؟ أم أن الكلمات، حالما تغادر فمه، تتحول إلى طيور عمياء تصطدم بجدران القصور البيضاء والذهبية والسوداء، فتسقط ميتة عند أقدام من لا يريد أن يصغي؟ ليون الرابع عشر، أول بابا أمريكي في التاريخ، رجل من شيكاغو، واقف الآن على الشرفة نفسها التي وقف عليها يوحنا بولس الثاني حين ساعد في إسقاط جدار برلين. لكن جدران اليوم مختلفة. إنها ليست جدارا واحدا يمكن اختراقه بالمثابرة والدبلوماسية الهادئة. إنها جدران داخل الرؤوس. جدران من كبرياء وجدران من خوف وجدران من رغبة في البقاء على القمة مهما كلف الثمن.

يقف البابا هناك، يوم فصح 2026. والدنيا تغلي. إيران تقصف. إسرائيل ترد. أمريكا تختار جانبا، بل تقوده. وأوروبا تتفرج، أو تتظاهر بالتفرج، وهي تعلم جيدا أن اللهب سيمتد عاجلا أم آجلا ثم يقول ليون الرابع عشر: “ليختر أولئك الذين يملكون القدرة على شن الحروب السلام. ليس سلاما مفروضا بالقوة، بل سلاما يصنع بالحوار. ليس برغبة في الهيمنة على الآخر، بل بلقائه.” جميل. نبيل. متوقع. لكن الذي لفت الانتباه، والذي قاله البعض بصوت خافت، والبعض الآخر بصوت مرتفع، هو ما لم يقل. ليون الرابع عشر لم يذكر أي دولة. لم يقل “إيران”. لم يقل “إسرائيل”. لم يقل “أمريكا”. ترك الأمر مفتوحا. كأنه يرمي رسالة في زجاجة إلى بحر هائج، متأكدا أن من يريد أن يقرأها سيفعل، ومن لا يريد سيتظاهر بأنها لم تصل. بعض المحللين قالوا إن هذا “كسر للتقاليد” . لكن الحقيقة الأعمق: هذا اعتراف ضمني بأن الأسماء صارت بلا معنى. أن الحرب لم تعد بين دول بأسمائها، بل بين منطقين: منطق من يظن أنه يملك الحقيقة المطلقة، ومنطق من يظن أن الحقيقة تصنع بالبارود. وفي هذا الصراع، الأسماء مجرد أقنعة.

البابا الآن, يعيد ترتيب الفراغ. ليس لأنه قادر على ملئه، بل لأنه يعلم أن الفراغ هو اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع الآن. الحرب التي اندلعت في 28 فبراير 2026  لم تكن مفاجأة لأحد. كانت تأتي كقدر معلق منذ سنوات. صواريخ إيرانية تطير نحو إسرائيل ودول الخليج. قنابل أمريكية وإسرائيلية تسقط على طهران. وكالعادة، المسيحيون في الشرق الأوسط يدفعون الثمن أولا. في القدس، احتفالات الفصح تتم خلف أبواب مغلقة. في لبنان، القنابل تدوي حول كنائس الجنوب. في سوريا، القداسات تقام داخل الجدران فقط، خوفا من الخارج . والبابا؟ البابا يقول: “فلنصلح من أجل السلام. سأدعو إلى وقفة صلاة في 11 أبريل.” هل هذا كاف؟

في لحظة كهذه، حين يتحول القتل إلى أرقام في نشرات الأخبار، هل للصلاة أن تفعل شيئا؟ دوستويفسكي كان سيضحك. ليس ضحك استهزاء، بل ضحك مرير. لأنه كتب في “الأخوة كارامازوف”: “لو لم يكن الله موجودا، لكان كل شيء مباحا.” والآن، حتى مع وجود الله – أو مع وجود من يتحدث باسمه – يبدو أن كل شيء مباح أيضا ها هو البابا الأمريكي. رجل من شيكاغو. يحمل جنسية الدولة التي تقود الحرب في الشرق الأوسط. يقف الآن على شرفة الفاتيكان، وينادي: “على أولئك الذين يملكون القدرة على شن الحروب أن يختاروا السلام.” هل كان ترامب في باله؟ بالطبع. ترامب الذي قال قبل أشهر إن الله “فخور جدا” بعمله . ترامب الذي يرى نفسه أداة إلهية لـ”استعادة النظام”. ترامب الذي يضع أصبعه على الخريطة ويقول “اضرب هنا”، ثم ينام مرتاح الضمير.

ليون الرابع عشر لم يذكر ترامب بالإسم. لكنه فعل شيئا أذكى وأخطر. تحدث عن “اللامبالاة” . قال: “لقد تعودنا على العنف، واستسلمنا له، وأصبحنا غير مبالين. غير مبالين بموت آلاف الأشخاص. غير مبالين بتداعيات الكراهية والانقسامات التي تزرعها النزاعات.” هذا ليس كلاما عن الحرب فقط. هذا كلام عن ثقافة كاملة. ثقافة تجعلنا نمر بجوار المقابر كما نمر بجوار اللوحات الإعلانية. ثقافة تجعل الموت مجرد إحصائية. ثقافة تجعل الحزن، ذلك الحزن الجميل -الذي غازله أو قد يغازله أحد منا يوما-شيئا قديما عفا عليه الزمن. في هذه الثقافة، البابا غريب. غريب لأنه لا يزال يتحدث عن الروح. غريب لأنه لا يزال يعتقد أن الكلمات يمكن أن تغير شيئا. غريب لأنه لا يزال يصر على أن هناك فرقا بين الصواب والخطأ، حتى عندما يصرخ الجميع بأن “الواقع معقد” و”الأمور ليست أبيض وأسود”.

هنا يأتي السؤال الذي يطاردنا: والبابا؟ أين هو من النسر والغراب؟ لنقلها بصراحة: البابا ليس نسرا ولا غرابا. البابا يحاول أن يكون السماء. السماء التي تبقى مكانا للجميع، بغض النظر عن شكل أجنحتهم. السماء التي لا تسأل عن الهوية قبل أن تسمح بالمرور. السماء التي لا تحتاج إلى شهود، لكن المشكلة: السماء، في زمن الحرب، تبدو عاجزة. السماء لا تستطيع إسقاط الطائرات. السماء لا تستطيع وقف القنابل. السماء لا تستطيع أن تمنع الغربان من النعيق أو النسور من التباهي.

كل ما تستطيع السماء فعله هو أن تبقى موجودة. أن تذكر من ينظر إليها بأن هناك شيئا أكبر من هذا الصراع. أن تكون تذكيرا صامتا بأن كل هذه الضجة ستزول يوما، وستبقى هي. في 11 أبريل، سيقف البابا مرة أخرى. هذه المرة ليس على الشرفة، بل داخل البازيليكا. سيدعو إلى وقفة صلاة من أجل السلام . سيكون هناك شموع. سيكون هناك ترانيم. سيكون هناك وجوه متعبة، عيون باكية، قلوب مثقلة. الجميع سينظر. بعضهم سيقول: “كم هذا جميل. كم هذا نبيل.” البعض الآخر سيقول: “كم هذا عديم الفائدة.” لكن، أليس هذا هو جوهر الإيمان؟ أن تفعل شيئا لا يمكنك قياس نتائجه؟ أن ترفع صوتك ولو كان لا يسمعه أحد؟ أن تبقى واقفا في وجه العاصفة، حتى لو كنت تعلم أن العاصفة أقوى؟ كافكا قال في رواية “المحاكمة”: “ربما هناك أمل، ولكن ليس لأجلنا.” هذا هو ما يشعر به البابا الآن. هناك أمل. لكن ربما ليس لأجل هذه الحرب. ربما لأجل ما بعدها. ربما لأجل الجيل الذي سينظر إلى الوراء ويسأل: أين كنتم؟ ماذا فعلتم؟ والجواب سيكون: كنا هناك. وقفنا. قلنا كلمات. أشعلنا شموعا. ربما هذا لا شيء. لكن ربما هذا كل شيء.

في نهاية الصلاة، البابا ليون الرابع عشر لم يكن رجلا خارقا. أو بطلا. أو منقذا. هو مجرد رجل اختار أن يرتدي الأبيض في زمن الأسود. الحزن يمشي معه، كما في نصوصك. حزن لا يكسره، بل يهذبه. حزن يجعله يفكر أكثر مما يتكلم. حزن يذكره بأن السماء لا تحتاج شهودا، لكن الأرض بحاجة إلى من يشهد لها. وهو يشهد…يشهد للموتى الذين لا يسمعهم أحد. يشهد للأحياء الذين نسوا كيف يحلمون. يشهد للحقيقة التي يقتلها الجميع ثم يتظاهرون بالحزن عليها. هل سيكون له تأثير؟ لا أعرف. ربما لا. ربما القنابل أعلى من صوته. ربما الصراخ  يغطي على كلماته. ربما العالم صار أصم بإرادته.لكن…هناك شيئا واحدا لا تستطيع القنابل قتله: الذاكرة. وهناك شيئا واحدا لا تستطيع الصواريخ تدميره: أن شخصا ما قال “لا” في اللحظة التي قال فيها الجميع “نعم”. البابا اليوم هو ذاك الذي يقول “لا”. لا للحرب. لا للعنف. لا للامبالاة. لا للنسور والغربان معا. وهذا، ربما، هو كل ما يمكن لأي إنسان أن يفعله. وهذا، ربما، كاف.

البابا ليون الرابع عشر يحاول التحليق بالمعنى. يحاول أن يصعد. لا ليكون فوقهم، بل ليكون فوق الصراع. فوق كل هذا الجنون. فوق فكرة أن القوة هي الحل الوحيد. هل سينجح؟ لا أعرف. لكن في هذا العالم المليء بالغربان والنسور، في هذا الزمن الذي يصر فيه الجميع على أن يكونوا إما هذا أو ذاك، ربما مجرد وجود من يحاول أن يكون شيئا آخر هو بحد ذاته معجزة. معجزة صغيرة. هادئة. لا تسمعها الأخبار. لا تظهر في نشرات العاشرة. لكنها موجودة. موجودة كالحزن الجميل…كالإنسانية في زمن الهمجية والمقاومة. وأعظم مقاومة قد تكون مجرد رجل يرتدي الأبيض، يقف على شرفة، ويقول بصوت لا يسمعه أحد: “كفى.” “سلاما لكم. سلاما لكم. سلاما لكم.” وفي اللحظة التي يقولها، لا أحد يسمع. لكنه يقولها. وهذا كل شيء. وهذا ليس بقليل.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *