بقلم زكية لعروسي, باريس
هناك سرّ لا يتحدث عنه الفيزيائيون: العبث المقدس لا يولد من رحم، بل من انحناء الزمكان. كلما زاد انحناء الواقع، زادت حاجة البشر إلى رجل يصرخ في الفراغ. دونالد ترامب ليس رئيسا. هو ثقب أسود بشري: يجذب إليه كل التهديدات، ثم يلفظها على شكل إنذارات نهائية. حين قال “سأنهي إيران في أربع ساعات”، لم يكن يهدد طهران. كان يهدد الجاذبية نفسها, فإيران، في جيوبوليتيك ترامب، ليست دولة. إنها أيقونة المقاومة للفراغ. هو يريد أرضا مسطحة، بلا جبال، بلا تلال، بلا حتى وديان. أرضا يمكنه أن يبسط عليها جيشه كما يبسط الطفل ألعابه.
ثم جاء رواد أرتيميس 2. ريد، فيكتور، كريستينا، جيريمي. أربعة بشر تجرأوا على مغادرة الغلاف الجوي، فرأوا الوجه الخلفي للقمر بأعينهم المجردة. وهناك، على بعد 406 آلاف كيلومتر، لم يروا الله. ولم يروا ترامب. رأوا الصمت. وعندما عادوا، صافحهم ترامب بحرارة. لماذا؟ ليس حبا في العلم. بل لأن الطّيارِين العائدين من الفضاء يمنحونه ما يفتقده: الشرعية الكونية. هم شهود أنه لا يزال هناك مكان فوق الجميع، وأن أمريكا لا تزال تملك سلَّما إلى السماء. لكن السؤال هو: هل يمكن لعبث المقدس أن يقدّس الضحية؟

وهنا يأتي دور “إنقاذ الطيارين” ، ليس كحدث عسكري، بل كلحظة أسطورية: في كل مرة يسقط طيار أمريكي خلف خطوط العدو، تتحول العملية العسكرية إلى ملحمة دينية. تبث على القنوات، تُروى للأطفال، وتكتب في الكتب المدرسية. لماذا؟ لأن أمريكا تحتاج إلى طقوس الخلاص باستمرار. الطيار المُنقَذ هو المسيح الصغير الذي مات وقام من بين الركام. وترامب يريد أن يكون يوحنا المعمدان لهذا الخلاص: هو من يأمر، هو من يرسل، هو من يستقبل البطل العائد. : ترامب يهدد بـ”محو جسور إيران”، لكنه ينقذ طياريه كما لو كانوا أيقونات لا تُكسر. هو يقدس الحياة الأمريكية ويهدر حياة الشعب الإيراني. وهذا هو عين “الإنسان الزائد” عند دستويفسكي: من يؤله نفسه ويُفني الآخرين باسم خلاصه.
ما معنى أن تهدد إيران وبعد ساعة تصافح رواد فضاء؟ إنه اجتياح الفضاء بالمعنى السياسي: تحويل الكون إلى خلفية مسرحية للخطاب. ترامب لا يريد القمر. يريد أن يقول للعالم: “أنظروا. أنا أمتلك السماء أيضا. لا يمكنكم الهروب مني حتى هناك.” إنه إعادة إنتاج لبرج بابل، لكن بطابع كابوسي: البابليون أرادوا الوصول إلى السماء ليكونوا مثل الآله, وترامب يريد الوصول إلى السماء ليهدد الآلهة أنفسهم
ترامب يهدد حتى الخواء…تلك المساحة اللامرئية بين الغلاف الجوي والفضاء الخارجي، حيث لا هواء ولا صوت ولا جاذبية. في خطابه الأخير، بين تهديده لإيران وتهنئته لرواد الفضاء، كانت هناك ثانية صمت استمرت 11 ثانية. في تلك الثانية، توقف العالم عن التنفس. لم تكن تلك فاصلة إعلامية. كانت نبوءة. ترامب يريد أن يهدد الخواء نفسه. سيقول يوما “الفراغ بين الأرض والقمر، إذا لم يعلن ولائي له، سأملؤه بصواريخي. ساجعله يبكي مثل امرأة فقدت طفلها.” وعندها، سيقف رواد الفضاء على سطح القمر، ينظرون إلى الأرض، ويسألون أنفسهم السؤال الأبدي: “هل الخلاص في العودة إلى الأرض، أم في مواصلة الهروب منها؟”

عزيزي القارئ، إذا كنت طيارا أمريكيا عائدا من القمر، أنصحك بشيء واحد: لا تهبط…إبق في المدار, راقب الأرض من بعيد لأنك إذا نزلت، سيصفق لك ترامب بيد، ويهدد باليد الأخرى، وسيجعلك شاهدا على وداعة تهديداته. سيقول للعالم: “هذا البطل معي. لذلك أنا على حق.” أما إذا بقيت في الفضاء، فستكون حرا. حرا من الجاذبية، ومن السياسة، ومن كائن يظن أن الكون لا يتسع إلا له. وكما قال جاء على لسان الأب زوسيما: “كلنا مذنبون أمام الجميع، وأنا أكثر من الجميع.” لكن ترامب يظن أنه .وديع وبريء وبرادا وسلاما للطيارين في السماء. ورحمة لمن يهددهم على الأرض
📲 Partager sur WhatsApp