بقلم د محمد علاليباحث في السياسات العمومية
مع اقتراب استحقاقات 2026، تعود إلى الواجهة نفس الخطابات الحزبية التي تتغنى بالشباب وتضعه نظريا في قلب المشروع السياسي. وعود متكررة، شعارات براقة، وصور دعائية مملوءة بوجوه شابة تسوّق كرمز للتجديد والانفتاح. لكن، عند أول اختبار حقيقي، يتبين أن الأمر لا يعدو أن يكون “كذبة تشبيب” جديدة، تخفي خلفها واقعا سياسيا راكدا يعيد إنتاج نفس النخب، بنفس الآليات، وبنفس العقلية.
الشباب كديكور انتخابي
لا يمكن إنكار أن حضور الشباب في الخطاب السياسي أصبح ضرورة تواصلية، تفرضها التحولات المجتمعية والضغط الإعلامي. غير أن هذا الحضور يظل في كثير من الأحيان شكليا، يستخدم كديكور انتخابي أكثر منه إرادة حقيقية للإشراك. تمنح للشباب مواقع ثانوية، أو يتم الدفع بهم في واجهات إعلامية دون أن تكون لهم سلطة فعلية في اتخاذ القرار أو صياغة البرامج.
إعادة تدوير النخب: الشيخوخة السياسية المستمرة
في المقابل، تستمر نفس الوجوه التي طبعت المشهد لعقود في التحكم في مفاصل الأحزاب. قيادات لم تعد قادرة على مواكبة التحولات، لكنها ما زالت تمسك بخيوط اللعبة، إما عبر شبكات المصالح أو عبر شرعية تاريخية يتم استدعاؤها كلما دعت الحاجة. هذه “الشيخوخة السياسية” لا تقاس فقط بالعمر البيولوجي، بل أيضا بعجز فكري وتنظيمي عن التجديد.
كذبة “التشبيب” كآلية للتبرير
حين يطرح السؤال: لماذا لا يتقدم الشباب؟ تأتي الإجابات جاهزة: نقص التجربة، ضعف التأطير، أو عدم الجاهزية. هذه التبريرات تستخدم لإخفاء حقيقة أبسط: غياب إرادة حقيقية لتقاسم السلطة داخل الأحزاب. فالمشكل ليس في الشباب، بل في البنيات التي ترفض أن تفسح المجال.
بين الخطاب والممارسة : فجوةالثقة
هذه الازدواجية بين الخطاب والممارسة تعمق أزمة الثقة بين الشباب والعمل السياسي. فحين يرى الشاب أن صوته يطلب فقط في الحملات الانتخابية، وأن موقعه ينتهي بانتهاء التصويت، يصبح العزوف خيارًا منطقيًا. وهنا تكمن خطورة الوضع: ليس فقط في ضعف المشاركة، بل في فقدان الإيمان بإمكانية التغيير من داخل المؤسسات.
نحو أفق مختلف
إذا كانت استحقاقات 2026 تريد أن تكون لحظة تحول حقيقية، فإن أول خطوة هي القطع مع هذه الكذبة المتكررة. المطلوب ليس مجرد إدماج الشباب في الصور واللوائح، بل تمكينهم فعليًا من مواقع القرار، وإعادة هيكلة الأحزاب على أسس ديمقراطية داخلية تضمن التداول والشفافية. لا يمكن لأي مشروع سياسي أن ينجح وهو يعيد إنتاج نفس الوجوه ويقصي نفس الطاقات. فالتجديد ليس شعارا، بل ممارس. والشباب ليسوا أداة، بل فاعلون حقيقيون… إذا توفرت الإرادة.
📲 Partager sur WhatsApp