عندما يتحول القول إلى سلاح: حرية الصحافة

بقلم زكية لعروسي, باريس

ليس كل ما يقال يقال، ولكن عندما ينطق مسؤول منتخب بعبارات مثل «سأجلدها، سأذهب إلى النهاية، ستموت، سأقتلها»، فإن الكلمات هنا تتجاوز حدود البلاغة السياسية لتصبح سلاحا موجّها بلا غمد. القضية التي رفعتها الصحافية نصيرة الموّدم ضد السيناتور الفرنسي تييري مينيان ليست مجرد نزاع فردي، بل هي محك حقيقي لمدى صمود القيم الديمقراطية في وجه ثقافة الترهيب. وهنا يصطدم حر التعبير بحدود القانون

الإطار التشريعي للتهديد في القانون الفرنسي يعتبر قانون 29 يوليو 1881 بشأن حرية الصحافة حجر الزاوية في التنظيم القانوني للتعبير في فرنسا. وبموجب المادة 23 من هذا القانون، يعتبر “الخطب أو الصياح أو التهديدات” العلنية أفعالا خاضعة للعقاب. لكن ما يميز هذه القضية هو أن التهديد صدر بوضوح (“ستموت، سأقتلها”)، مما يخرجه من إطار “التحريض” المجرّد إلى دائرة “التهديد المباشر” المعاقب عليه.

اللافت أن المادة 24 من القانون نفسه تشدد العقوبات عندما تصدر هذه التهديدات من “شخص مفوض بسلطة عامة أو مكلف بمهمة خدمة عمومية”، حيث ترتفع العقوبة إلى 3 سنوات سجن و75,000 يورو غرامة. وهذا ينطبق تماما على السيناتور مينيان، بصفته منتخبا وأحد رجال السلطة.

فتح النيابة العامة في باريس تحقيقا، وكلفت به “فرقة مكافحة إجرام الأشخاص” التابعة لشرطة القضاء. هل هذه الخطوة، رسالة أم إجراء روتيني؟رغم تأخرها النسبي، تمثل رسالة مفادها أن التهديدات ضد الصحافيين لن تمر دون عقاب. ولكن السؤال الأعمق: هل هذا كاف في ظل غياب رد فعل حكومي رسمي؟ و التساؤل المهم: لماذا يلجأ السياسي إلى التهديد؟

عندما يواجه سياسي تحقيقا صحافيا يكشف عن ممارسات مشكوك فيها (سوق الصفقات العامة، المطاردة ضد الفريق السابق، العلاقة مع اليمين المتطرف)، فإن التهديد بالقتل يكون كآلية دفاع نفسية عن الشرف المهزوزة, ويهدف بها إلى:

– · ترهيب الصحافي لوقف التحقيقات المستقبلية

– · إعادة تأكيد الهيمنة والقوة بعد أن تعرضت مصداقيته للاهتزاز

– · تحويل الانتباه من مضمون التحقيق (الفساد المزعوم) إلى شخص الصحافي

يقول المثل الشعبي: “من طين أعمى رماني بحجر”. هنا، السياسي الذي اتهمته الصحافية بـ”المساومة” مع اليمين المتطرف، يرد بتهديد بالقتل، متناسيا أن الفعل الأخلاقي السليم كان يتمثل في الرد عبر القضاء أو بالأدلة، لا بالعنف اللفظي الصريح. هذا المثل يعكس حالة من العجز المعرفي: عندما يفقد الخصم حجته المنطقية، يلجأ إلى “الحجر” المتمثل بالترهيب.

المثل الشعبي الآخر يقول: “خلف الحيطان ناس تحب الجيران”، أي أن الجدران ليست عازلة بالكامل، فهناك دائما من يسمع ويراقب. في هذه القضية، أبدت الصحافية استغرابها من “صمت الحكومة وغياب ردة الفعل الرسمية”. هذا الصمت يقرأ نفسيا لدى الصحافية والمراقبين على أنه:

· تواطؤ ضمني يشرعن العنف ضد الصحافيين

– · رسالة سلبية للمتربصين أن التهديدات قد تمر دون عقاب

– · إحباط معنوي للصحافي الذي يضع حياته على المحّك من أجل الحقيقة

الإطار الحمائي: هل يكفي؟ تصنف فرنسا في المرتبة 25 عالميا في مؤشر حرية الصحافة لـ2025 الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود. وتتمتع الصحافة بضمانات قانونية هامة، منها:

– · حماية سرية المصادر بموجب قانون 1881

– · عقوبات مشددة ضد “الفضح” الذي يستهدف الصحافيين

– · آليات حماية من الدعاوى القضائية الاستراتيجية

لكن في المقابل، تبرز قضية الصحافية أريان لافريو التي واجهت تحقيقا قضائيا بتهمة “إفشاء سر الدفاع الوطني” بعد كشفها عن عمليات استخباراتية فرنسية في مصر. ورغم صدور حكم لصالحها، إلا أن النيابة العامة استأنفته، مما يظهر توترا دائما بين حرية الصحافة و”أسرار الدولة”.

يقول المثل: “بات الحبل على الجب”، أي قارب على الانقطاع. الصحافية نصيرة الموّدم تعيش هذه الحالة بالفعل، فقد صرحت قائلة: “هل يعطي هذا الضوء الأخضر لأولئك الذين سيشعرون غدا بالشرعية لارتكاب اعتداءات جسدية؟”. وهي لم تكتف بذلك، بل كشفت عن نمط من الترهيب المستمر: “لقد تمت ملاحقتي، تهديدي، وسرقة معداتي المهنية أمام مدرسة أطفالي أثناء التحقيق. ما هي الخطوة التالية؟ أن يأتوا لتحطيمي أمام منزلي؟”. هذا التصعيد التدريجي (من المضايقة إلى التهديد بالقتل) يعكس نمطا مقلقا من إرهاب الصحافيين، حيث يختبر باستمرار “حد التحمل” قبل تجاوزه.

بين القانون والصمت في هذه القضية، يجتمع ثلاثة عناصر خطيرة:

1- جريمة واضحة (التهديد بالقتل) ثبتت باعتراف السيناتور نفسه خلال مقابلة صحفية

2- استجابة قضائية متأخرة لكنها موجودة (فتح تحقيق قضائي)

3- صمت سياسي مريب من الحكومة، كما تشير الصحافية

“اللي بيته من الزاج، ميضربش الناس بالطوب”، يقول المثل. السياسي الذي يواجه اتهامات بالفساد والعلاقة مع اليمين المتطرف، كان الأولى به أن يرد بالأدلة، لا بالطوب المتمثل بتهديد الصحافية بالقتل. لكن عندما ينهار “بيت” المصداقية، يصبح التهديد هو الملاذ الأخير. إن الرسالة التي يجب أن تصل بوضوح هي: لا يمكن بناء ديمقراطية على جثث الصحافيين أو على تهديدات السياسيين. وما لم تترجم الاستجابة القضائية إلى ثقافة سياسية رادعة، فإن الخطر سيبقى محدقا بكل من يحمل قلما ليكشف حقيقة.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *