بقلم زكية لعروسي, باريس
في سالف الزمان، حين كانت الصحراء تنصت لحفيف الريح كأنّه همس الحكماء، اجتمعت الكائنات في واد بعيد، تتشاور في أمر الماء والنار، في زمن شحّت فيه القطرات واشتدّ فيه لهيب الحاجة. هناك، حيث تمرُ القوافل بين موريتانيا والجزائر، ظهرت حكاية تشبه ما يدور في خفاء السياسة، لكنّها تروى بلسان الحيوان، إذ في الحكايات ما لا تقوله الخطب ولا تكشفه البيانات.

قيل إنّ ثعلبا ماكرا، اعتاد أن يتزيّن بريش الطاووس، ويحدّث نفسه أنّه ملك الغابة وإن لم يبايعه أحد، راح يطرق أبواب الجمال، يغريها بقِرَب من الوقود، ويعدها بأن يجعل من رمالها أنهارا من دفء لا ينضب. كان الثعلب يلوّح بكنوز مدفونة تحت الأرض، “ويهمس: “اتبعوني أفتح لكم أبواب الريح”
لكنّ الجِمال، وقد خبرت دروب الصحراء، لم تكن بتلك السذاجة. فقد كانت تعرف أن الماء لا يشترى بالوهم، وأنّ القوافل لا تقاد بالأماني. وكانت تنظر بعيدا، حيث أسد رزين، يقف على تخوم المغرب، لا يكثر من الزئير، لكنّه حين يتحرّك، تتحرّك معه خرائط المعنى.

حاول الثعلب أن يكثّف رقصته، فمرة يعزف على وتر الطاقة، ومرة يلوّح برايات التحالف، ومرة ينسج خيوطا مع طيور عابرة لا تستقر على غصن. غير أنّ رقصته، وإن بدت صاخبة، كانت تفتقر إلى الإيقاع؛ إذ لا روح فيها سوى صدى العزلة. وفي مجلس البومِ الحكيم، الذي يرى في الليل ما لا يراه غيره في النهار، قيل: “إنّ من يظنّ أنّ الصحراء تخدع بالسراب، لم يعش فيها يوما. ومن يعتقد أنّ القوافل تغيّر وجهتها كلّما لوّح لها ثعلب بمرآة، فقد جهل طبائع الرمل”.

لقد أدركت الجِمال أنّ العبور الآمن لا يكون إلا مع من يملك بوصلة الثبات، لا مع من يُبدّل الوجوه كأقنعةِ الريح. فاختارت أن توازن خطاها، وأن تبقي عيونها مفتوحة على الأفق، حيث تبنى العلاقات على الصدق لا على الإغراء، وعلى الاستمرارية لا على الارتجال. أما الثعلب، فظلّ يدور حول نفسه، يقيم الولائم للظلّ، ويعلن الانتصارات على الورق، بينما كانت القوافل تمضي، لا تلتفت إلا لمن يملك طريقا، لا لمن يبيع الحكايات. وهكذا، تبقى الحكاية مفتوحة على سؤال يتردّد في رمال الزمن: على أيّ وتر ترقص جارتنا؟ أهو وتر الحاجة الذي لا يخفيه صخب الشعارات؟ أم وتر الوهم الذي ينكسر كلّما لامس الحقيقة؟ في تراث العرب، قيل إنّ الثعلب أذكى من أن يمسك به الصياد، لكنّهم لم يقولوا ويعلنوا إنّه أذكى من الصحراء… فالصحراء، يا قارئي العزيز، لا تخدع.
📲 Partager sur WhatsApp
المقال متميز ينتقد سياسات مبنية على الوعود والضجيج الإعلامي والتحالفات المتقلبة، ويؤكد أن العلاقات الحقيقية تُبنى على الاستقرار والمصداقية، وأن الصحراء – رمز الواقع – لا تنخدع بالسراب أو الشعارات.
لما تختزل الحكاية بتكثيف قوي أسلوبا في السياسة يقوم على الدعاية والورود وخلق العدو الوهمي والنفخ في الريح. يواكب كل ذلك توظيف أطنان من البيترودولار. ومع ذلك ادرك عقل الجيوسياسي أن ما هكذا تورد الإبل. لأن الأمر يقتضي شرط الثقة ونسبة كبيرة من الصدق في بناء العلاقات . والسؤال: متى خرجت السياسة من القشلة؟