سوسيولوجيا اغتصاب الصورة في عصر الضوء الرقمي

بقلم زكية لعروسي, باريس

مذ أصبحت الشاشات تتخللنا كما الشمس ، لم يعد الظلام غيابا للنور، بل صار ابنا شرعيا له، يتغذّى عليه ويتمدّد في ظلاله. ما يحدث اليوم من تداول آلاف الصور المنتهكة لخصوصية النساء، بعضها مفبرك ببرودة الخوارزميات، ليس حادثة عابرة في سجلّ الانحطاط الرقمي، بل هو يعكس شروخا أعمق في روح العصر. أمام سوق عباسيٍّ جديد، لا تباع فيه التوابل ولا الكتب ولا الأشعار، بل تباع فيه الأجساد وقد تُحوّلت إلى بيانات، والحياء قد أعيد تعريفه كخيار شخصي لا كقيمة جماعية. غير أن المفارقة المريرة أن العصر العباسي، رغم ما شابه من انفتاح ولهو، كان يحتفظ ببنية أخلاقية وثقافية تنتج في الآن ذاته الفقهاء والفلاسفة والشعراء. أما اليوم، فإن الفيض الرقمي ينتج الخراب والفضائح أكثر مما ينتج المعنى.

من السهل أن نحمّل المنصّات الرقمية وزر هذا الانهيار، وأن نجعل منها شيطانا عصريا نعلّق عليه خطايانا. لكنّ المنصّة، في جوهرها، ليست سوى مرآة مكبِّرة. هي لا تخلق الرغبة بقدر ما تضخّمها، ولا تزرع الانحراف بقدر ما تمنحه فضاء بلا جدران. وكما يقول المثل الشعبي: “الدار اللي ما فيها كبير، يكثر فيها النبيح”. فهل فقد العالم “الكبير” الذي كان يضبط الإيقاع الأخلاقي؟ في علم الاجتماع، تفهم هذه الظواهر بوصفها نتيجة لتفكك البنى الضابطة: الأسرة، المدرسة، الجماعة. لم يعد الطفل يتربّى داخل سردية واحدة، بل داخل آلاف السرديات المتناقضة التي تتدفق من شاشة صغيرة في يده. وهنا يتدخل علم النفس ليخبرنا أن الإنسان، حين يُرفع عنه الرقيب الخارجي ولم يبن فيه رقيب داخلي، ينزلق بسهولة نحو أقصى إمكاناته الغرائزية. فاللاوعي، كما وصفه الفلاسفة، ليس حديقة منظمة، بل غابة كثيفة، وإذا غاب الحارس، استيقظت الوحوش.

لكن هل هذا الانفلات قدر العصر؟ أم أنه مجرد طور انتقالي في تاريخ الإنسانية؟ لو عدنا إلى حضارات أخرى، لوجدنا أن لحظات الانحلال الأخلاقي كانت غالبا تسبق تحولات كبرى. في روما المتأخرة، كان الترف والانفلات سمة قبل السقوط. وفي بعض فترات الأندلس، كان اللهو يتجاور مع العبقرية. كأن التاريخ يهمس لنا: حين يشتدّ الضوء، تتمدّد الظلال. إن ظاهرة نشر الصور دون رضا، بل وتزييفها، تكشف عن تحوّل خطير: من انتهاك الجسد إلى انتهاك الصورة، ومن السيطرة على الواقع إلى السيطرة على التمثيل. لم يعد الإنسان يستعبَد فقط، بل يعاد تشكيله رقميا دون علمه. وهذا ما يجعل الجريمة أكثر تعقيدا، لأنها لا تقتل الجسد، بل تقتل السمعة، والهوية، والإحساس بالأمان.

لا يكفي أن ندين التكنولوجيا أو نطالب بتشديد القوانين، رغم أهميتهما. المطلوب هو إعادة بناء الإنسان من الداخل، ترميم ذلك الصوت الخافت الذي كان يقول: “هذا لا يليق”. لأن القوانين تردع، لكن الضمير يمنع. وكما في الأمثال: “اللي ما يردعه دينه، ما يردعه قانون”. ربما نحن أمام لحظة اختبار حضاري: هل سنظلّ أسرى أدواتنا، أم سنرتقي لنكون سادتها؟ هل سنسمح للخوارزميات أن تعيد تعريف إنسانيتنا، أم سنستعيد تعريفها بأنفسنا؟ ليست المشكلة في أن العالم تغيّر، بل في أننا لم نحدّث أخلاقنا بالسرعة التي حدّثنا بها أدواتنا. وهنا تكمن المأساة: أن نملك قوة هائلة بلا حكمة موازية. وهكذا، كما في الحكايات القديمة، يظل السؤال معلّقا بين السماء والأرض: حين يشتدّ النور، هل نتعلّم كيف نحمله… أم نكتفي بالتحديق في ظلاله؟

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *