بقلم زكية لعروسي, باريس
فوق طبقات جغرافيا مثقلة بالرماد والانتظار، يخرج القرار كأنه ومضة بين نقيضين: وعد بالانفراج، ووعيد مستتر في عمق التوازنات. إعلان دونالد ترامب تعليق القصف على إيران لمدة أسبوعين هو حدث ينهض عند تخوم الفلسفة السياسية، حيث تتقاطع الإرادة مع الإدراك، والسلطة مع الخيال، والبراغماتية مع الأسطورة.
القرار، في ظاهره، هدنة. لكنه في بنيته العميقة، إعادة ترتيب للزمن السياسي ذاته. أسبوعان فقط، لكنها مساحة كافية لتكثيف المعنى: اختبار النوايا، جسّ نبض الخصم، وخلق وهم الاستقرار المؤقت. هنا، لا تقاس القيمة بطول المدة، بل بكثافة الإشارات التي تبث خلالها. الربط بين تعليق القصف وفتح مضيق هرمز ليس تفصيلاً تقنياً، بل مفتاح القراءة. فالمضيق، بوصفه شريان الطاقة العالمي، يتحول من جغرافيا إلى رمز: من يسيطر على تدفقه، يملك إيقاع الاقتصاد العالمي، ومن يؤمّنه، يملك شرعية الاستقرار.

إن الدول تتحرك كعقول تتذكر وتخطط. إيران، التي قدّم عنها أنها طرحت مقترحا من عشر نقاط، لا تتحدث بلغة التنازل، بل بلغة إعادة التموضع. إنها تدرك أن الزمن ليس محايدا، وأن كل هدنة تحمل في داخلها احتمالين: إما أن تكون جسرا نحو اتفاق طويل الأمد، أو استراحة محارب قبل تصعيد أعنف. أما الولايات المتحدة، فتبدو كقوة تعيد اختبار أدواتها: هل لا يزال الردع العسكري وحده كافياً؟ أم أن المزج بين الضغط والانفراج المؤقت هو الطريق الأنجع لإدارة التوترات في الشرق الأوسط؟

، يكشف القرار عن لعبة معقدة من الإدراكات المتبادلة. القائد، أيّا كان موقعه، لا يتخذ قراراته فقط بناء على المعطيات الصلبة بل أيضا بناء على صورة الخصم في ذهنه، وصورته هو في أعين الآخرين. هنا، يظهر القرار كنوع من “الإشارة المركبة”:
– للداخل: نحن نتحكم بالإيقاع، ولسنا أسرى التصعيد
– للخارج: الباب مفتوح، لكن بشروط
هذه الرسائل، وإن بدت متناقضة، إلا أنها تشكل في مجموعها خطابا نفسيا يهدف إلى إرباك الطرف الآخر ودفعه إلى إعادة حساباته. الهدنة، في الفكر السياسي، قارئي, ليست سلاما، بل حالة بينية: مساحة رمادية بين الحرب والتسوية. إنها لحظة اختبار للثقة، لكنها أيضا لحظة بناء للشك. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة القرار كفعل فلسفي بامتياز: تعليق للعنف، لا إلغاؤه؛ تأجيل للصراع، لا إنهاؤه. ليصبح السؤال الأعمق: هل نحن أمام بداية تحول حقيقي في بنية الصراع، أم مجرد إعادة تدوير لأزماته؟ الإجابة لا تكمن في النصوص المعلنة، بل في ما سيجري خلف الكواليس خلال هذين الأسبوعين: في اللقاءات السرية، في الرسائل غير المباشرة، وفي حسابات القوى الإقليمية التي تراقب المشهد بقلق وتترقب.
هكذا، يقف القرار على حافة الثنائية الكبرى: النور والظلام. نور يتمثل في احتمال التهدئة والانفراج، وظلام يكمن في هشاشة هذه اللحظة وقابليتها للانهيار. وبينهما، تتحرك الإرادات السياسية، حاملة معها مزيجا من الطموح والخوف، من الحساب والعاطفة. القرار نص مفتوح على تأويلات لا تنتهي…نص يكتبه الفاعلون السياسيون بأفعالهم، وتعيد الشعوب قراءته بآمالها ومخاوفها، في انتظار ما ستسفر عنه الأيام القليلة القادمة من ملامح لمستقبل لا يزال معلقا بين وعد لم يكتمل، ووعيد لم ينطفئ.
📲 Partager sur WhatsApp