الأمير المخلوع: لماذا تدير باريس ظهرها لرضا؟

بقلم: زكية لعروسي، باريس

في بهو فاخر بأحد قصور باريس، حيث تنعكس أضواء الثريات على رخام يعود للقرن التاسع عشر، يجلس رجل يرتدي بذلة أنيقة. هو رضا بهلوي، ابن آخر شاه لإيران، الذي يراه البعض وريثاً لعرش طوس وكسرى، ويراه آخرون شبحا من ماض سحيق لا يليق بالحاضر. بيد أن الغريب في الأمر أن هذا الرجل، الذي يزعم أنه البديل المنتظر في طهران، لم يلق من الحكومة الفرنسية إلا البرود، بل اضطر للقاء برونو روتايو، رئيس حزب “الجمهوريون” اليميني، كأنما أصبحت المعارضة الإيرانية في المنفى سلعة تروج لها أحزاب أوروبية بحثا عن نفوذ إعلامي في زمن الحرب . والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: لماذا هذا النبذ الرسمي من قِبَل الإليزيه والكو دوزوراي؟ ولماذا يصر رضا بهلوي على الظهور في أوروبا رغم إدراكه أن الجميع يتعامل معه كورقة ضغط لا كزعيم؟

لنعد إلى الوراء قليلا، إلى ما كتبه المسعودي في “مروج الذهب” عن ملوك الفرس، حين قال: “إن الملك لا يلبث في بيت لا حكمة فيه”. فإذا كانت الحكمة عند الفرس تعني العدل والقوة، فما عسى أن تكون الحكمة في عصر رجل لم يحكم يوما، لكنه يطمح لاستعادة عرش أضاعته الثورة قبل أن يبلغ الثالثة والعشرين من عمره؟ عندما كتب الفيلسوف جان بول سارتر عن “المنفى والحرية”، كان يرى أن المنفى ليس مجرد غياب عن الوطن، بل هو حضور دائم لفكرة الوطن في العقل.  لكن الإشكالية تكمن هنا: رضا بهلوي لم يعش في إيران كمواطن عادي، بل عاش كأمير يتيما ترك وطنه بعد أن ثار عليه شعبه. لذا، هو غريب حتى بين أنصاره، لأنه يحمل همّاً ليس همه، ويدّعي تمثيل شعب لم يعرفه إلا من بعيد. ثمة تناقض وجودي: من جهة، يظهر كزعيم ثوري يريد الإطاحة بنظام الملالي، ومن جهة أخرى هو رمز الملكية المطلقة التي قمعت الشعب الإيراني لعقود. هنا تتجلى “عبثية” ألبير كامو: أن تحارب الاستبداد وأنت تجسد لاستبداد سابق، هو أشبه بسجين يحاول كسر قيوده وهو يحمل قيدا آخر في يده. ويصفه معارضوه بـ”الدمية الغربية”، لكن التحليل الأعمق يظهر أنه ضحية جغرافية سياسية: الغرب يستخدمه كورقة ضغط على طهران، لكنه لا يريد منحه السلطة فعليا، لأن بقاء النظام الحالي (أو نظام مشابه) يضمن استمرار سيطرة الغرب على الملفات الإيرانية .

في التراث الشيعي، ثمّة حساسية تاريخية من مفهوم الملكية. فمنذ مقتل الإمام الحسين بن علي على يد جيش يزيد بن معاوية، ارتبط “الملك” في الضمير الجمعي الشيعي بالظلم والجبروت، بينما ارتبط “أهل البيت” بالقداسة والمظلومية. صحيح أن الشيعة لا يحرّمون الملكية نظريا، لكنهم يستنكرونها إذا تعارضت مع إرادة الأئمة. واللافت أن إيران ما قبل الثورة كانت تمثل نموذجا فريدا: شاه يدّعي أنه ظل الله على الأرض، لكنه في الوقت نفسه كان يضطهد رجال الدين الشيعة، ويطرد المراجع من النجف وقم، ويستورد مستشارين غربيين لكتابة قوانين تتعارض مع الشريعة. هذا الموقف جعل من الأب شخصا مكروها لدى الطبقة الدينية، فكيف بابنه الذي يعيش في أمريكا ويتزوج من يهودية ويصر على زيارة إسرائيل؟ 

في أوساط الحوزات العلمية في قم ومشهد، يتردد سؤال قديم جديد: “هل يجوز الخروج على الحاكم الجائر بحاكم جائر آخر؟” والإجابة التي تسود هي: “لا، لأن الظلم يبقى ظلما ولو توشح بعباءة الديمقراطية”. وهنا يأتي دور الصوفية والإشراق: إذا تأملنا فلسفة شهاب الدين السهروردي القائل بـ”النور القهري”، نجد أن الملكية عند الإيرانيين ليست مجرد نظام سياسي، بل فكرة نورانية متوارثة منذ عهد كيومرث الأسطوري. لهذا، حتى خصوم رضا بهلوي لا يستطيعون إنكار شعبية “فكرة الملك” في أذهان بعض الإيرانيين كبديل من الفوضى، لكنهم يرفضون رجوع “آل بهلوي” بالذات .

إذا كانت فرنسا هي بلاد “حرية، مساواة، إخاء” وحاضنة المعارضات، فلماذا ترفض لقاء رضا بهلوي؟ الأسباب ثلاثة:

الأول: الحفاظ على التوازن الدبلوماسي. لا تزال فرنسا تتعامل مع إيران الإسلامية كدولة ذات سيادة، رغم الحرب والدمار. وأي لقاء رسمي مع رضا بهلوي يفسر على أنه دعم لتغيير النظام، وهذا ما لا تريده باريس حاليا، لأنها تخشى انفلات الأوضاع في الشرق الأوسط .

الثاني: الاشتراكية الفرنسية التقليدية. اليسار الفرنسي، الذي له نفوذ كبير في دوائر القرار، يعتبر نظام الشاه نظاما عميلا للإمبريالية الأمريكية، ويرى فيه نموذجا للقمع الذي أطاحت به الثورة. لذا، دعم رضا بهلوي هو خيانة لمبادئ 1789، وطعن في حق الشعوب في تقرير مصيرها .

الثالث: رهانات ماكرون الانتخابية. الرئيس الفرنسي يحاول بناء صورة “الوسيط النزيه” بين واشنطن وطهران، واستقبال وريث الشاه سيدمر هذه الصورة. لذلك، فضّل أن يترك رضا بهلوي في غرفة الانتظار، ليلتقطه روتايو كغنيمة سياسية في معركة الصعود اليميني في فرنسا .

العالم العربي أمام فزاعة إيرانية اسمها “التوسع الفارسي” منذ 1979. لكن الأطراف العربية تختلف في تقييمها لرضا بهلوي: السعودية والإمارات: ترى فيه عودة “للهلال الفارسي” لكن بصيغة علمانية. وهي لا تمانع في استقباله كضيف شرف في منتديات الرياض ودبي، لكنها سرا تخشى أن يؤدي سقوط النظام الإيراني إلى فوضى أمنية على حدودها. كما أنها لا تنسى أن .الشاه كان حليفا لإسرائيل قبل الثورة، واليوم ابنه يزور تل أبيب علنا

العراق (الشيعي تحديدا): يخشى الملالي هناك من أن يؤدي سقوط طهران إلى إضعاف نفوذ قادة الحشد الشعبي الذين تدعمهم إيران. لكن في الوقت نفسه، لدى الشيعة العراقيين ذاكرة مريرة مع الشاه، حين دعم حرب صدام ضد إيران في الثمانينيات! لذا، هم حائرون بين نار الخميني وجمر بهلوي.

سوريا وباقي محور المقاومة: تعتبر رضا بهلوي “عدوا إسرائيليا بامتياز” وتستخدم صورته في دعاياتها لتحذير أنصارها من أن “البديل هو العودة إلى عصر التبعية”.

أما تركيا (الحليف السني الحائر)، فتتعامل معه بورقة ضغط: تدعم ظهوره إعلاميا لإرباك إيران، لكنها لا تريد أن يصبح ملكا فعليا، لأن ذلك قد يعيد إحياء النزعات القومية الفارسية التي تهدد أمن الأكراد والعرب في أراضيها.

في الأساطير الفارسية القديمة، تحكي كتب “شاهنامه” الفردوسي عن طائر “العنقاء” الذي يعيش ألف عام ثم يحترق ويبعث من جديد. كثير من أنصار رضا بهلوي يرون فيه هذه العنقاء: فالنظام الإسلامي (أو كما يسمونه “بدعة العرب”) سينتهي، ويعود الملك العادل الفارسي. لكن السؤال: هل يمكن أن يعيش شبح ملك في القرن الحادي والعشرين؟ أليست الملكيةالإيرانية في مجرد “زومبي سياسي”؟ هذا ما يسميه الباحثون “التراجع التقدمي”: أن ينظر الناس إلى الماضي ليس لأنه أفضل، بل لأن الحاضر أسوأ . يقول أحد المحتجين في شوارع باريس (كما نقلت وكالة فرانس برس): “أنا لا أحب الشاه، لكنني أكره الملالي أكثر. رضا ليس مثاليا، لكنه موجود”. هذه الجملة تلخص المأساة الإيرانية: الشعب يبحث عن “أي منقذ” ولو كان ابن الطاغية السابق، فقط ليتخلص من كابوس الحاضر .

رضا بهلوي هو “سراب سياسي”: يبدو من بعيد كأنه ماء، لكنك عندما تقترب تجد أنه لا شيء. فهو يفتقر إلى القاعدة الشعبية الحقيقية داخل إيران (فمعظم الشباب الإيراني ولد بعد الثورة ولا يعرف الشاه إلا من الكتب المدرسية التي تذكره كطاغية)، وهو يفتقر إلى الكاريزما القيادية، وهو يفتقر حتى إلى دعم أمريكي حقيقي (فترامب لم يستقبله رغم فرص عديدة) . لكن المفارقة المحزنة أن النظام الإيراني الحالي، بقمعه وفساده وفشله الاقتصادي، هو الذي يصنع أساطير كهذه. فكلما اشتد الخناق على المواطن، بحث عن “العدو القديم” كحليف مؤقت. يقول المثل الفارسي القديم: “كاري كه نتوان كرد، نبايد آغازيد” (ما لا تستطيع فعله، لا تبدأ به). رضا بهلوي بدأ حلم العودة، لكنه سينتهي كأبيه: ربما سيموت في المنفى، بعد أن يستخدمه الجميع كورقة ثم تلقى به بعد انتهاء الحاجة. أما إيران، فستبقى تتأرجح بين ماض ملكي لا يريد العودة، وحاضر ديني لا يطيق البقاء، ومستقبل غامض لا يعرف أحد شكله. والعجيب في الأمر أن فرنسا، مهد الثورات والحقوق، اختارت أن تكتفي بروتايو لهذا الأمير المخلوع، وكأنها تقول له: “أنت لست ملكا، بل مجرد خبر عابر في صحيفة الورقاء والصحف الأخرى

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *