بقلم زكية لعروسي, باريس
يتضح من النقاشات الدائرة في فرنسا حول تجريم “بلوكاج” الجامعات أننا لسنا أمام ظاهرة محلية معزولة، بل أمام سؤال كوني: ما معنى أن تكون طالبا “صالحا” في عالم تتزايد فيه القيود على الفضاءات الجامعية؟ في فرنسا، حيث تطرح مشاريع قوانين لتجريم تعطيل الدراسة، يتأسس الخطاب الرسمي على فكرة حماية “حق التعلم” وضمان استمرارية المرفق العمومي. لكن خلف هذا الخطاب، يلوح هاجس أعمق: الخوف من الجامعة كفضاء احتجاجي قادر على إرباك النظام العام. في المقابل، تندد النقابات الطلابية بما تعتبره “تجريما للنضال”، معتبرة أن تعطيل الدراسة قد يكون أحيانا الوسيلة الوحيدة لإسماع صوت الطلبة. إلا أن هذه الثنائية تتحرك داخل تقاليد ديمقراطية مستقرة نسبيا.

إذا عدنا إلى أفلاطون، فإن الطالب الصالح هو ذاك الذي ينسجم مع نظام “المدينة”، يحترم قوانينها، ويساهم في استقرارها. هذا التصور ينعكس بوضوح في الخطاب الفرنسي المعاصر: لا يمكن السماح لفئة من الطلبة بتعطيل حق الآخرين في الدراسة. لكن مع إيمانويل كانط، يصبح المعيار مختلفا: الطالب الصالح هو الذي يفكر بنفسه، ويمارس حريته العقلية. من هذا المنظور، فإن الاحتجاج الطلابي ليس انحرافا، بل تعبير عن نضج فكري وأخلاقي. يذكرنا ميشيل فوكو بأن الجامعة ليست فقط فضاء للمعرفة، بل أيضا جهازا لإنتاج الطاعة. حين يجرَّم “البلوكاج”، فإننا لا نحمي فقط النظام، بل نعيد إنتاج علاقة قوة تحدد من له الحق في الكلام، ومن يجب أن يصمت. أما بيير بورديو، فيكشف أن ما يبدو “حيادا” في المؤسسات التعليمية يخفي آليات لإعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية. قد يبدو منع الاحتجاج دفاعا عن المساواة، لكنه قد يخفي أيضا رغبة في الحفاظ على استقرار نظام غير عادل.
في هذا السياق، يبدو صوت فريدريش نيتشه أكثر راهنية من أي وقت مضى. فهو يرى أن القيمة الحقيقية تكمن في القدرة على خلق المعنى، لا في الامتثال له. الطالب الصالح، بهذا المعنى، ليس ذاك الذي يتجنب الصراع، بل الذي يمنحه معنى. في الحالة الفرنسية، قد يكون “البلوكاج” تهديدا لسير مؤسسة فعالة, وليس صرخة ضد مؤسسة تعاني من أعطاب بنيوية. لكن يظل السؤال الأخلاقي قائما: هل يمكن ضمان الحق في التعليم عبر تقييد الحق في الاحتجاج؟

إن الطالب الصالح، في ضوء هذه المقارنة، ليس نموذجا جاهزا يُفرض من فوق، بل هو بناء ديناميكي يتشكل داخل التوتر بين الحرية والمسؤولية. هو ليس مجرد مطيع كما في التصور الأفلاطوني، ولا مجرد متمرد مطلق كما قد يفهم من قراءة سطحية لنيتشه، بل فاعل نقدي يجمع بين الوعي والانخراط. في فرنسا، يعني ذلك الدفاع عن الحق في الاحتجاج دون تحويله إلى أداة إقصاء للآخرين. إن تجريم “البلوكاج” ليس سوى وجه للإشكال: كيف نوازن بين النظام والحرية داخل الجامعة؟ الجواب لا يكمن في القوانين وحدها، ولا في الشعارات، بل في إعادة تعريف الطالب نفسه: لا كموضوع للضبط، ولا كرمز للفوضى، بل كعقل حر ومسؤول. فحين نفهم الطالب بهذه الطريقة، ندرك أن القضية ليست “منع البلوكاج” أو “الدفاع عنه”، بل بناء جامعة لا يحتاج فيها الطالب إلى التعطيل كي يسمع صوته.
📲 Partager sur WhatsApp
من مفارقات السياسة العامة لهذا البلد: من مكونات شعارها الرسمي، لفظ الحرية، لكن كيف نفس تصاعد تضييق فضاء الحرية، وخاصة في أكبر معقل للحرية وهو الجامعة؟؟؟!!!
هذا موقف مهم. لابد أن يبقى حق الاحتجاج السلمي مشروعا.
حبذا لو منحت الدولة حق مشاركة نقابات الطلاب في تدبير النظام الجامعي واستمعت لصوتها لكي لا تلجأ إلى مظاهرات تشل التعليم اليومي.