بقلم زكية لعروسي, باريس
هناك بعض بقاع الأرض في العالم خلقت لتكون مخزنا للرموز، ومسرحا للأساطير، وممرّا للأنبياء، ومقبرة للإمبراطوريات، وصورة مكبّرة تعكس قلق البشرية منذ فجر الوعي. في تلك المسافة الضيقة الممتدة بين الجليل وجبل عامل، وبين الأودية التي شهدت مواكب الأنبياء وقوافل التجار وجيوش الفاتحين، تقف القلاع القديمة مثل قلعة الشقيف (بوفور)، شاهدة على مفارقة لا تنتهي: فالأحجار التي بنيت للدفاع عن الإنسان أصبحت شاهدة على عجزه المتكرر عن الدفاع عن إنسانيته. هذه المنطقة ليست مجرد جنوب لبنان. إنها واحدة من النقاط القليلة على الكوكب التي يبدو فيها التاريخ وكأنه لم ينته أبدا.
في الشرق الأدنى القديم، لم تكن الجبال مجرد تضاريس. كانت مسارح للوحي. ولم تكن الأنهار مجرد مجار للمياه. كانت طرقا للمعنى. من هذه الأرض عبرت الديانات الإبراهيمية الكبرى، وخرجت منها قصص إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم السلام في المخيال الروحي لمئات الملايين من البشر. لكن المفارقة المؤلمة أن الأرض التي أنجبت أكثر الخطابات الأخلاقية تأثيرا في التاريخ أصبحت أيضا من أكثر مناطق العالم تعرضا لدورات العنف. كأن البشرية لم تنجح بعد في المصالحة بين رسائل السماء وحقائق الأرض.
حين يشاهد الإنسان صور النزوح، والتحذيرات العسكرية، والقصف، والمدن القلقة التي تنتظر المجهول، يخطر بباله وصف قديم حاضر في ثقافات كثيرة: القيامة. ليس بالمعنى الديني الحرفي. بل بوصفها شعورا بانهيار النظام المألوف للعالم. الفيلسوف الألماني كارل ياسبرز تحدث عن “الوضعيات الحدّية”، تلك اللحظات التي يشعر فيها الإنسان أنه يقف أمام حدود وجوده. والحروب هي أكثر هذه الوضعيات قسوة. فهي تجعل البشر يعيشون، ولو مؤقتا، إحساس نهاية العالم وهم ما زالوا على قيد الحياة. فهل الدجال بيننا؟

في الموروث الإسلامي، كما في كثير من التقاليد الدينية الأخرى، يظهر الدجال بوصفه رمزا للفتنة الكبرى والتشويش على الحقيقة. لكن السؤال الفلسفي الأكثر إثارة ليس: أين الدجال؟ بل: ماذا لو كان الدجال رمزا أكثر منه شخصا؟ ماذا لو كان يتمثل في قدرة الإنسان على تحويل الخوف إلى عقيدة، والكراهية إلى هوية، والعنف إلى لغة يومية؟ ماذا لو ظهر في صورة إيديولوجيا مغلقة؟ أو في صورة آلة حرب لا ترى البشر إلا أهدافا؟ أو في صورة خطاب يقنع الناس بأن موت الآخر شرط لحياتهم؟ هذه ليست إجابات. إنها أسئلة. والفلسفة تبدأ دائما من الأسئلة.
أحد أكثر التحولات خطورة في العصر الحديث هو أن السلاح لم يعد مجرد أداة. لقد أصبح أحيانا لغة مستقلة. لغة تتكلم أسرع من السياسة. وأعلى من الحكمة. وأقوى من الذاكرة. في العصور القديمة كان الإنسان يعبد الأصنام الحجرية. أما اليوم فربما أصبح بعض البشر يعبدون يقين القوة المطلقة. وكأن الصاروخ قادر على حل المعضلات التي عجزت عنها الفلسفة والأخلاق والقانون. لكن التاريخ يكرر الدرس نفسه: كل سلاح ينتصر تكتيكيا يترك وراءه أسئلة استراتيجية أكبر من انتصاره.
في المخيال الشرقي، يحتل مفهوم “المخلّص” مكانة مركزية. المهدي عند المسلمين. والمسيح المنتظر في تقاليد أخرى. وأشكال متعددة لفكرة الخلاص في ثقافات مختلفة. لكن الفيلسوف قد يطرح سؤالا مختلفا: ماذا لو كان انتظار المخلّص لا يعفينا من مسؤولية إصلاح العالم بأنفسنا؟ ماذا لو كان جوهر الرسالات الروحية كلها يتمثل في دعوة الإنسان إلى أن يكون أقل ظلما وأكثر عدلا قبل أن ينتظر ظهور أي منقذ؟ فربما لا تبدأ النجاة الكبرى من السماء فقط. بل تبدأ أيضا من قرار بشري صغير برفض الكراهية.
قلعة بوفور نفسها تقدم درسا مدهشا. لقد تعاقب عليها الصليبيون والمماليك والعثمانيون وجيوش ودول وحركات لا حصر لها. كل قوة ظنت أنها وصلت لتبقى. وكل راية اعتقدت أنها الأخيرة. لكن القلعة بقيت. أما الجميع فمرّوا. وهنا يكمن تواضع التاريخ. فالأرض أطول عمرا من المنتصرين. والحجارة أكثر صبرا من الجنرالات. والإنسانية أكبر من كل المعارك المؤقتة. ربما لا تكمن المأساة الكبرى في كثرة الحروب. بل في اعتيادها. حين يصبح الاستثناء قاعدة. والطوارئ نمط حياة. والخوف جزءا من الجغرافيا.
عندها لا تحتاج المنطقة إلى نبي جديد أو معجزة جديدة بقدر ما تحتاج إلى استعادة المعنى الأصلي الذي جعلها أرضا للرسالات: كرامة الإنسان. فإذا كانت هذه الأرض قد منحت العالم أعظم الأسئلة الروحية، فربما لا يزال لديها ما تقوله للبشرية: أن الخلاص لا يولد من فوهة المدفع. وأن الحقيقة لا تسكن الصاروخ. وأن المستقبل لا يبنى براية ترفع فوق تلّة، بل بإنسان لا يجبَر على الهرب من بيته.
📲 Partager sur WhatsApp
أو لما تشي الأرض وأشياءها يحتاج العالم إلى من يحدثه، لينكتب ما لم يقل بعد.