بوعلام صنصال و قضية الصحراء المغربية

بقلم زكية لعروسي, باريس

في حاضر تراجعت فيه الكلمات أمام المصالح، وهزمت فيه الحقيقة بفعل غبار الدبلوماسية الباردة، يبرز صوت الكاتب الفرنسي-الجزائري بوعلام صنصال كصرخة فلسفية مدوية في وجه جدار الأوهام. لم يكن صنصال، الأكاديمي الذي انتخب مؤخرا في الأكاديمية الفرنسية ، مجرد عابر سبيل في متاهة الصراع الجزائري-المغربي، بل كان بمثابة “فيلسوف في الزنزانة”، دفع ثمن جرأة قلمه غاليا، ليؤكد للعالم أن قضية الصحراء المغربية ليست مجرد نزاع حدودي، بل هي معركة وجودية بين منطق الدولة الحديثة وأساطير الماضي.

إن ما قام به صنصال كان تفكيكا فلسفيا لـ “الأسطورة المؤسِّسة” للدولة الجزائرية. حين تحدث عن أن مدنا مثل تلمسان ووهران كانت جزءا من المملكة المغربية قبل الاستعمار ، فإنه لم يكن يمارس “التأريخ” بقدر ما كان يفضح “اللاوعي الجمعي” للنظام السياسي الجزائري. هذا النظام، كما يستشف من تحليلنا، يعيش في حالة إنكار جماعي، ويحول جراح الماضي إلى وقود لتبرير سياساته التوسعية.

لقد أدرك صنصال أن “جارة الوهم” تدرك في أعماقها حقيقة أن الصحراء كانت وستظل مغربية، ولكنها تراوغ وتتملص. وكما قال في حواراته، فإن سجنه لم يكن بسبب تصريح عابر، بل لأنه أصبح “قطعة من فرنسا” في لحظة اعتراف باريس بسيادة المغرب على الصحراء . هذا هو البعد الفلسفي الحقيقي: القمع ليس ردة فعل على خطأ، بل هو اعتراف ضمني بالضعف أمام الحقيقة.

لقد دافعنا عن بوعلام صنصال ليس لأنه مثالي، ولا لأنه بطل بلا شوائب، بل لأنه اختار “جانب الحقيقة” في زمن غاب فيه الصدق. الرجل الذي واجه تهم “الإرهاب والتجسس” ، والتي هي بحق “تهم ساخرة” تليق بالأنظمة البوليسية لا بالدول التي تطمح للديمقراطية، هو نموذج للمثقف العضوي الذي يدفع ثمن رأيه بجلده وحريته.

إن مرافعتنا عنه في عدة كتابات هي دفاع عن مبدأ أن الحقيقة الجغرافية والتاريخية لا تسقط بالتقادم، ولا يمكن محوها بمراسيم رئاسية. لقد قال صنصال بوضوح إن الصحراء مغربية، وهذا ما يؤكده القانون الدولي والتاريخ والواقع. ومن أجل هذه الكلمة، سُجن، وحُكم عليه بالإعدام معنويا، ثم أفرج عنه في “لحظة غفران” كان فيها الخائن هو الجلاد .

في مشهدية سجنه، هناك صورة فلسفية لا تخرج من أفلام عبثية: “وضعوا كيسا على رأسي، ولمدة ستة أيام لم أعرف أين أنا” . هذا المشهد يختزل فلسفة النظام الوهمي : محو الهوية، شطب البصر، ثم العبث بالجسد. ولكن صنصال، الأستاذ الجامعي والمفكر، قلب هذه اللعبة؛ فجعل من زنزانته منبرا، ومن كيس الإعدام راية بيان.

استعاراتنا هنا ليست مجرد بلاغة، بل هي فلسفة الوجود في مواجهة العدم: · النظام الجزائري كـ “الأخ الأكبر”: يتجسس على الكلمة، ويعيد صياغة التاريخ، ويصادر العقل النقدي. · بوعلام صنصال كـ “بروميثيوس”: سرق نار الحقيقة من الآلهة (السلطة) ليعطيها للشعب المغربي والعالم، وثمن ذلك أن يظل مقيدا على صخرة العذاب النفسي والتهديد الدائم للعائلة .

اليوم، وبعد أن نال حريته وجلس على كرسي الأكاديمية الفرنسية ، لا يزال صنصال يخطط لمقاضاة رئيس الدولة الضاربة في الأسواق وهام أمام القضاء الدولي . هذا ليس تشفيا، بل هو استكمال للمعركة الفلسفية: إضفاء الطابع المؤسسي على كشف الزيف.

إن النظام الجزائري، الذي راهن على أن قضية الصحراء ستموت مع مرور الزمن، فوجئ بأن كاتبا مسنا مصابا بالسرطان هزمه في المعركة الإعلامية والتاريخية. لقد أثبت صنصال أن الكلمة تبقى، وأن الجدران تسقط، وأن الصحراء المغربية كانت وستبقى حقيقة لا تقبل التشكيك، مهما تعاظمت حماقة الجيران. المغرب أكبر من أي مؤامرة، وبولعالم سنصال خير دليل على أن ضمير الإنسانية لم يمت بعد.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *