بقلم زكية لعروسي, باريس
في لحظة تبدو وكأنها انتصار متأخر للتاريخ على غبار النسيان، انبثق من قلب باريس صوت يحمل رنين التحول العميق، صوت إيمانويل ماكرون وهو يعلن، لا كسياسي عابر، بل كحارس لضمير تاريخي استيقظ أخيرا، عن تعهّد يشبه إعادة ترتيب الذاكرة بين الأمم، وإزالة العبء الثقيل الذي طالما ظل جاثما على صدر العلاقات الفرنسية المغربية.
القرار يبدو كفتح لأبواب صدئة في أرشيف الزمن، حيث ستسلَّم وثائق، وخرائط، وتقارير، ليست حبرا على ورق، بل شظايا حقيقة متناثرة، تعود لتلتحم في جسد رواية تاريخية طال انتظار اكتمالها. تندوف، بشار، وغار جبيلات… أسماء لم تعد مجرد جغرافيا، بل تحوّلت إلى رموز تنبض باستعادة الحق، وتستعيد أصداء الانتماء.

ويأتي هذا الإعلان في سياق زيارة مرتقبة تكتسي طابعا استثنائيا، حيث سيحلّ محمد السادس ضيفا على فرنسا، لا كملك فحسب، بل كمهندس صامت لتوازنات دقيقة، وراسم لخطوط دبلوماسية تتقاطع فيها الحكمة مع الرؤية البعيدة. إنها زيارة تشبه عبورا من ضفة التاريخ المثقل إلى ضفة المستقبل الممكن، حيث تصاغ معاهدة جديدة تكتب بالحبروتقاس بإرادة مشتركة لإعادة تعريف الشراكة.
في هذا المشهد، تتجلى الدبلوماسية الملكية المغربية كفن رفيع في إدارة الزمن، حيث تقاس الإنجازات بعمق الأثر. لقد استطاعت، عبر صبر استراتيجي يكاد يكون أسطوريا، أن تحوّل القضايا المعقّدة إلى مسارات قابلة للحل، وأن تجعل من الذاكرة قوة تفاوضية، لا عبئا معيقا.
أما المبادرة الفرنسية، فهي أكثر من مجرد خطوة سياسية؛ إنها اعتراف ضمني بأن التاريخ لا يمكن دفنه، وأن العدالة، مهما تأخرت، تظل تبحث عن منفذها إلى النور. وماكرون، في هذه اللحظة، لن يُخاطب الحاضر فقط، بل يصافح الماضي ويمهّد لمستقبل أقل التباسا.

هكذا، وبين ضوء الوثائق العائدة من ظلمات الأرشيف، ووهج الرؤية الملكية التي لا تنطفئ، تكتب صفحة جديدة في سجل العلاقات المغربية الفرنسية؛ صفحة تتجاوز المجاملة إلى المصارحة، وتتخطى البراغماتية إلى إعادة الاعتبار. إنها لحظة تُشبه الأساطير، حيث تستيقظ الخرائط من سباتها، وتعود الأرض لتروي حكايتها بلسان الحقيقة.
📲 Partager sur WhatsApp