هل سيخرج الحلم من رحم الطوق المميت؟

زكية لعروسي, باريس

الخبر في ظاهره عسكري: أمريكا تهدد ببلوكاج بحري لمضيق هرمز، وإيران ترد بـ”دوامة مميتة”، والصين مهددة برسوم جمركية 50%، وبوتين يعرض وساطة، والاتحاد الأوروبي يقول إن الدبلوماسية “أساسية”. كل هذا في خبر واحد. لكن في عمقه، هناك حكاية أخرى. حكاية عن عالم صار يلهث خلف حلم السلام الذي يخرج من رحم الشرق الأوسط، لكنه يموت قبل أن يتنفس. لأن الشرق الأوسط ليس مجرد جغرافيا. هو فكرة. فكرة أن الحضارات تولد هنا، وتموت هنا، وتُبعث من جديد هنا. السؤال الفلسفي المقلق: هل نحن أمام ولادة جديدة، أم أمام نزف بطيء لا يتوقف؟ دونالد ترامب يقول: “بلوكاج بحري”. لكنه لا يشرح كيف. الإيرانيون يريدون: “دوامة مميتة”. والبحر بينهما هادئ بشكل مخيف، كهدوء عين الإعصار. هناك حكمة قديمة تقول: “لا تقترب من البحر إذا كنت لا تعرف كيف تسبح”. لكن في هذه القصة، البحر نفسه هو من لا يعرف إلى أين يتجه. مضيق هرمز، ذلك الممر المائي الضيق الذي يمر منه 20% من نفط العالم، تحول إلى ساحة لعب حيث الأسلحة هي الكلمات، والكلمات هي الأسلحة.

سؤال يخلخل الفكر: عندما يهدد أقوى أسطول بحري في العالم بمحاصرة ممر لا يستطيع محاصرته فعليا، وعندما ترد دولة محاصرة أصلا بـ”دوامة مميتة”، فهل نحن أمام حرب أم أمام أوبرا؟ أوبرا حيث الجمهور الوحيد هم جثث المستقبل؟ الأغرب في الخبر ليس التهديدات، بل التناقضات. ترامب يقول إن المفاوضات “سارت بشكل جيد” وأن “معظم النقاط تم الاتفاق عليها”. ثم في الجملة التالية، يعلن البلوكاج. كأنه يقول: “كنا قريبين جدا، لذلك سأدمر كل شيء”. وهنا تظهر الفلسفة الحقيقية للسياسة الدولية في القرن الحادي والعشرين: لم تعد المفاوضات تهدف إلى السلام، بل إلى كسب الوقت. كل طرف يتحدث وكأنه يريد السلام، لكنه يفعل كل شيء ليجعل الحرب حتمية. القضية النووية الإيرانية، تلك التي كانت ذات يوم ملفا تقنيا معقدا، تحولت إلى رمز. رمز لمن يريد أن يصدق أن الدبلوماسية لا تزال ممكنة، ولمن يريد أن يثبت أنها مستحيلة. السؤال : هل يمكن أن يكون “الفشل” هو النجاح الحقيقي في هذه اللعبة؟ لأن الفشل يعني استمرار التوتر، واستمرار التوتر يعني استمرار الحاجة إلى الأسلحة، واستمرار الحاجة إلى الأسلحة يعني استمرار أرباح من يبيعونها؟

ترامب يهدد الصين بـ50% رسوما جمركية إذا ساعدت إيران عسكريا. هنا، يتجاوز الخبر حدود الشرق الأوسط ليصبح خبرا عن العالم بأسره. لأن ما يحدث ليس حربا في الشرق الأوسط فقط. بل هو إعادة رسم للخريطة الاقتصادية العالمية. الصين، التي تعتمد على نفط الخليج، تجد نفسها بين مطرقة العقوبات الأمريكية وسندان التحالفات الإيرانية. الحكمة هنا: الحرب لم تعد تعلن بالجنود فقط، بل بالدولارات. والدولارات، كما نعلم جميعا، لا تشم رائحة الدم، لكنها تسببه ببرود. هل يمكن أن نصل إلى نقطة تصبح فيها “الرسوم الجمركية” أكثر فتكا من الصواريخ؟ وهل يمكن أن نموت جوعا قبل أن نموت قصفا؟

فلاديمير بوتين يعرض وساطته. الرجل الذي تخوض أوكرانيا حربا ضده، يعرض أن يكون وسيط سلام في الشرق الأوسط. المشهد دراماتيكي إلى درجة السخرية السوداء. روسيا، التي تعاني من عقوبات اقتصادية غربية، تجد في الشرق الأوسط متنفسا. وفي نفس الوقت، تريد أن تثبت للعالم أنها لا تزال قوة عظمى قادرة على صنع السلام، حتى لو كانت عاجزة عن صنعه في حديقتها الخلفية. الوساطة الروسية، حتى لو لم تنجح، تحقق هدفا واحدا: تذكير العالم بأن موسكو لا تزال حاضرة. وفي عالم العلاقات الدولية، الحضور أحيانا أهم من النتيجة. فهل يصبح الوسيط طرفا في النزاع عندما تكون مصالحه معقدة؟ وهل يمكن لشخص يغرق أن ينقذ آخر؟ أم أن كل ما يفعله هو أن يمد يده ليجر الجميع إلى القاع معا؟

الاتحاد الأوروبي يقول إن الدبلوماسية “أساسية” و”ضرورية”. كلمات جميلة، معقولة، عقلانية. لكنها في سياق التهديدات المتبادلة، تبدو كصوت رجل يصلي في غرفة تحترق. أوروبا، التي كانت ذات يوم قوة استعمارية في الشرق الأوسط، أصبحت اليوم متفرجا. ليس لأنها لا تريد التدخل، بل لأنها لم تعد قادرة. القرارات تتخذ في واشنطن وموسكو وبكين وطهران، بينما بروكسل تطلق البيانات. سؤال مؤلم: هل يمكن للدبلوماسية أن تنجح عندما يكون أضعف الأطراف هو من يدعو إليها؟ أم أن الدبلوماسية الحقيقية تحتاج إلى قبضة حديدية قبل القفاز المخملي؟

الشرق الأوسط، ذلك الرحم الذي ولدت فيه الأديان والحضارات والأبجديات، يبدو اليوم وكأنه يلد الوحوش فقط. كل يوم، نقرأ عن تهديد جديد، وعن مفاوضات فاشلة، وعن وساطات عقيمة. لكن هل لاحظت شيئا قارئي العزيز؟ لم يعد أحد يتحدث عن “حل الدولتين”. لم يعد أحد يتذكر “الربيع العربي”. لم يعد أحد يحلم. أصبحنا نتنقل من أزمة إلى أزمة، ومن حرب إلى حرب، وكأن السلام مجرد كلمة عاطلة عن العمل. السؤال الأعمق هنا: هل يمكن أن يخرج الحلم من رحم هذا الألم؟ أم أن الشرق الأوسط صار مكانا تموت فيه الأحلام قبل أن تولد؟ لأن هناك شيئا لا يقبل الجدل: الحضارات لا تبنى على الخوف، بل على الأمل. وحين يختفي الأمل، يصبح الجميع خاسرين. أمريكا وإيران والصين وروسيا وأوروبا. الجميع يخسرون، لكن لا أحد يعترف. بين “البلوكاج البحري” و”الدوامة المميتة”، يبقى البحر نفسه يتساءل: لماذا أنا؟ لماذا تحول ممر مائي إلى رمز للجنون البشري؟ ربما لأن المياه، مثل الأحلام، لا يمكن السيطرة عليها. تتدفق حيث تشاء، وتغرق من يعتقد أنه يتحكم بها.

نحن في 12 أبريل 2026. الشرق الأوسط يحترق، والمفاوضات تفشل، والتهديدات تتزايد. لكن السؤال الذي لا يريد أحد طرحه: ماذا بعد؟ بعد البلوكاج وبعد الدوامة وبعد الرسوم الجمركية وبعد الوساطات، أين نحن؟ ربما الجواب أبسط مما نعتقد: نحن في نفس المكان. ندور في دائرة مفرغة، نعتقد أننا نتحرك للأمام، لكننا في الحقيقة نغوص في دوامة. دوامة لا تعرف الرحمة، ولا تعرف النهاية. هل يخرج الحلم من رحم الشرق الأوسط مجددا؟ ربما. لكنه يحتاج إلى جراحين، لا إلى قناصة. يحتاج إلى بناة جسور، لا إلى حفارين خنادق. يحتاج إلى من يؤمن بأن البحر يمكن أن يكون ممرا، لا سدا. حتى ذلك الحين، نبقى نقرأ الأخبار، نتنهد، ثم ننتظر الخبر التالي. لأن هذه هي طريقتنا في العصر الجديد: نعيش الأزمة، نحللها، ثم ننسى، ثم تأتي أزمة جديدة. والبحر وحده يعرف كم من الدموع سقطت فيه قبل أن تتحول إلى دموع حقيقية.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *