المغرب: ترسيخ ديمقراطية حقيقية

حيمري البشير – كوبنهاغن، الدنمارك

لم يعد النقاش حول التجربة السياسية في المغرب رفاهية خطابية، بل أصبح ضرورة وطنية ملحّة تفرضها التحولات الداخلية والتحديات الخارجية. فترسيخ قيم الديمقراطية في بلادنا لا يزال مشروعا قيد التشكّل، يُطبخ على نار هادئة، كما يقال، ويحتاج إلى شجاعة في التقييم وصدق في الطرح. قد يرى البعض في تعددية الأحزاب السياسية، بمختلف توجهاتها اليمينية واليسارية والإسلامية، دليلا على أننا نسير في الاتجاه الصحيح، وأن المجال مفتوح للتنافس الديمقراطي. وهذا صحيح من حيث الشكل، لكن السؤال الجوهري يظل مطروحا: هل نحترم فعلا القيم الديمقراطية في جوهرها وممارستها اليومية؟ هل تعكس ممارساتنا السياسية صورة حقيقية لحكومة تؤمن بالديمقراطية كمنهج حياة، لا مجرد آلية انتخابية؟

لقد خاض المغرب تجارب متعددة في بناء مؤسساته عبر انتخابات يُفترض أنها حرة، تُفرز نخبا تتولى تدبير الشأن العام على المستويات المحلية والجهوية والوطنية. غير أن نجاح هذه التجارب يظل رهينا بمدى نزاهتها وشفافيتها، وبمدى انخراط المواطن فيها بروح وطنية صادقة، بعيدا عن مظاهر الفساد واستعمال المال والرشوة التي تسيء لصورة البلاد وتفرغ العملية الديمقراطية من مضمونها.

إن خروج الشباب إلى الشارع للاحتجاج هو رسالة سياسية عميقة، تعكس حالة من فقدان الثقة في الأحزاب والنخب السياسية. إنه تعبير صريح عن رفض أساليب التدبير الحالية، وعن تطلع جيل كامل إلى بدائل أكثر مصداقية وعدالة. هذا الحراك الشبابي يفرض على الجميع، دولة وأحزابا، إعادة النظر في السياسات العمومية، خاصة في مجالات حيوية كالتشغيل، والتعليم، والصحة، ومحاربة الفساد الذي يستنزف اقتصاد البلاد ويعمّق الفوارق الاجتماعية.

المغرب اليوم يواجه أزمة ثقة حقيقية، تتجلى في ابتعاد النخب المثقفة والكفاءات العليا عن الانخراط في الحياة السياسية، بل وفي اختيار الهجرة كبديل بحثا عن آفاق أرحب. وهذه مفارقة مؤلمة، إذ تستثمر الدولة موارد ضخمة في تكوين هذه الكفاءات، لتجد نفسها في النهاية تخسرها لصالح دول أخرى. كما أن تغييب مغاربة العالم عن المشاركة السياسية الفعلية يشكل خللا ديمقراطيا واضحا، رغم ما ينص عليه الدستور من حقوق في هذا المجال. فإشراك هذه الفئة الحيوية ليس فقط حقا دستوريا، بل هو أيضا رافعة لتعزيز التجربة الديمقراطية والاستفادة من خبرات وكفاءات منتشرة عبر العالم.

إن المرحلة الراهنة تفرض علينا مواجهة التحديات بشجاعة ومسؤولية. نحن بحاجة إلى انتخابات حرة ونزيهة تعكس الإرادة الحقيقية للمواطنين، وإلى معارضة برلمانية قوية تمثل صوت الشارع وتدافع عن قضاياه. نحن بحاجة إلى نخب سياسية جديدة، نزيهة وطموحة تنصت لنبض المجتمع.

إن الحركات الشبابية، مثل “جيل زاد”، ليست سوى جرس إنذار يدعو إلى التغيير والإصلاح، ويفتح الباب أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات. فالانتخابات المقبلة يمكن أن تكون محطة مفصلية، إذا ما توفرت الإرادة الحقيقية للقطع مع الفساد، واحترام الدستور، وتعزيز المشاركة السياسية الشاملة.

يقف المغرب اليوم عند مفترق طرق: إما أن يختار ترسيخ ديمقراطية حقيقية تضمن الكرامة والعدالة لكل المواطنين، وإما أن يستمر في مواجهة تحديات متزايدة قد تؤثر على مستقبل أجياله. والاختيار، في جوهره، مسؤولية جماعية تتطلب وعيا وطنيا صادقا، وإرادة إصلاح لا تتردد.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “المغرب: ترسيخ ديمقراطية حقيقية

  1. مقال يهم التدبير السياسي وتطبيق آليات الديمقراطية الحقة. يجب تعزيز آليات المراقبة التي لا تخضع إلا للمصاليح الوطنية ومنهج الأهداف التنموية وليس لأغراض الطوائف الحزبية والشخصية. نتمنى أن يأخد مسؤولو القرار مقترحات هذا المقال بعين الاعتبار وبجد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *