بقلم زكية لعروسي، باريس
القارة السادسة ليست على خرائط الأمم المتحدة، ولا تدرَّس في كتب الجغرافيا، لكنها تمتدّ من شقوق الذاكرة إلى فوالق الجغرافيا، من مضيق هرمز إلى أطلال المدن التي تتكلم لغات انقرضت ولم تمت. هناك، حيث يفترض أن يولد التاريخ، صار يعاد دفنه كل صباح. في هذا الشرق الأوسط -أو “القارة السادسة” إن شئنا أن نكون أكثر صدقا مع تعقيده- لا تتحرك الجيوش فقط، بل تتحرك الأساطير أيضا. الصواريخ هنا ليست مجرد أدوات حرب؛ إنها جمل نارية في نص كوني يعاد تحريره بالقوة. وكل انفجار هو فاصلة، وكل هدنة مؤقتة هي نقطة معلّقة في جملة لم تُفهم بعد.
حين يهدد دونالد ترامب بإغلاق شريان العالم، لا يبدو مضيق هرمز مجرد ممر نفطي، بل قصبة هواء لكوكب يختنق. وحين تردّ طهران بـ”دوامة الموت”، فإن اللغة نفسها تتحول إلى سلاح، كأن الكلمات صارت بدائل أولية للصواريخ قبل أن تتجسد. لكن السؤال ليس سياسيا فقط. السؤال أعمق، أشبه بحفر في طبقات الروح: لماذا يبدو أن هذه القارة تُعاد صياغتها دائما على هيئة كارثة؟ لماذا كلما اقتربت من الحلم، استيقظت على هدير الطائرات؟

التاريخ هنا لا يسير إلى الأمام، بل يلتفّ حول نفسه كأفعى تلتهم ذيلها. من الحروب الصليبية إلى سايكس–بيكو، ومن حروب النفط إلى حروب الهوية، كأن الشرق الأوسط محكوم بلعنة التكرار. لكنه تكرار ليس ميكانيكيا؛ بل تكرار يتعلم، يتطور، ويزداد تعقيدا، كما لو أن الفوضى نفسها أصبحت أكثر ذكاء. في قلب هذا المشهد، تقف أوروبا -القارة “الخامسة” -محدقة في مرآتها القلقة. فهي ليست بعيدة كما تظن. كل موجة توتر هنا تُترجم هناك إلى قلق في الأسواق، إلى خوف في الشوارع، إلى صعود خطابات تبحث عن كبش فداء. القارة السادسة ليست خارجها، بل هي ظلها الممتد.
أما الاتحاد الأوروبي، الذي يتمسك بالدبلوماسية كمن يتمسك بعود ثقاب في إعصار، فيبدو كأنه يهمس في مسرح تصمّ فيه المدافع الآذان. فهل تغيّر ميزان الصوت في العالم؟ هل أصبحت القوة وحدها هي اللغة المفهومة، بينما صارت الحكمة مجرد هامش أدبي في كتاب لم يعد أحد يقرأه؟
الغريب والمدهش أن هذه القارة نفسها، التي تبدو وكأنها مصنع دائم للأزمات، هي أيضا مصنع لا ينضب للمعنى. هنا ولدت الديانات التي علّمت العالم الرحمة، وهنا كتبت النصوص التي شكّلت الضمير الإنساني. كيف يمكن لأرضٍ أن تنتج هذا القدر من النور والظلام معاً؟ أهي مفارقة، أم قانون كوني لم نفهمه بعد؟
ربما المشكلة ليست في الشرق الأوسط، بل في الطريقة التي ننظر بها إليه. نحن نراه ساحة صراع، بينما هو-في عمقه- مختبر للإنسانية. كل ما يحدث فيه هو نسخة مكثفة مما يحدث في العالم، لكن بسرعة أعلى، وكثافة أشد، كأن الزمن هناك مضغوطٌ إلى حدّ الانفجار. وهنا يبرز السؤال الذي لا يطرح كثيرا: ماذا لو لم تكن هذه الحروب نهاية الحلم، بل مخاضه؟ ماذا لو أن الفوضى ليست نقيض النظام، بل مرحلته الجنينية؟ التاريخ يخبرنا أن أعظم التحولات ولدت من قلب الانهيارات. أوروبا نفسها لم تبنَ إلا بعد أن احترقت مرتين في الحرب العالمية .
لكن هل يملك الشرق الأوسط رفاهية هذا المخاض الطويل؟ أم أن تسارع الأحداث جعله يعيش مستقبله قبل أن يفهم ماضيه؟ القارة السادسة لا تطلب الشفقة، بل الفهم. لا تحتاج إلى بيانات شجب، بل إلى إعادة تخيّل. لأن أخطر ما في هذه اللحظة ليس الصواريخ، بل العجز عن التفكير خارجها. نحن لا نقف أمام حرب فقط، بل أمام سؤال وجودي: هل ما زال الإنسان قادرا على إدارة تعقيد العالم الذي صنعه؟ أم أن أدواته -السياسية والعسكرية وحتى الأخلاقية- لم تعد تكفي لفهم لعبة أصبحت أكبر منه؟ ربما لا يكون السؤال: إلى أين نحن ذاهبون؟بل: هل ما زلنا نعرف من نحن، ونحن نعبر هذه القارة التي تحترق… وتنير في الوقت نفسه؟
📲 Partager sur WhatsApp