بقلم زكية لعروسي، باريس
جاؤوا ليرقصوا على أفواه المدافع القديمة. سيغادرون في أكياس سوداء، خطفهم الحماس القاتل لحشد اكتظ عند المدخل الوحيد لقلعة عمرها قرنان. لأن ها هي الحقيقة التي يرفض العقل البشري استيعابها: يمكنك أن تموت لأنك أردت المرح بشدة. المقصلة أصبحت طابعا تاريخيا. ساحات الوغى صارت مبتذلة. الآن، موضة الموت هي “الموت الاحتفالي”، ذاك الذي يخطفك من وسط رقصة جماعية، بين صورة سيلفي ودفعة على الكتف.
يوم السبت، تحولت “قلعة لافيريير” بهايتي -ذلك الصرح الشامخ المنحوت في الحجر على ارتفاع 900 متر، جوهرة اليونيسكو وبطاقة البريد الباذخة التي تزين دفاتر التاريخ – إلى مسرح لأوبرا مأساوية. الحصيلة الأولية: ثلاثون جثة. لكنها “أولية” لأن “المفقودين” كثر، يلوحون برقم أكثر إيلاما، كطيف ثقيل يرفرف فوق القلعة.
مدخل واحد لمئات، بل آلاف الشباب. جاءوا لـ”الاحتفالات التقليدية”. أولئك الذين يريدون الدخول يصطدمون بأولئك الذين يريدون الخروج. الفلسفة التطبيقية لحركة الحشود: عندما تتزاحم رغبتان متعارضتان في عنق زجاجة، الفيزياء لا تتفاوض. الفيزياء تسحق. شجار صغير. ها هو الفرح يتحول إلى خانق. الأحياء يدوسون الأحياء. الهواء ينفد. الصراخ يعلو على الموسيقى. والقلعة التي بنيت قديما لتصمد أمام جيوش الغزاة، تستسلم دون قتال لأكثر الأعداء تفاهة: العدد.

رئيس الوزراء أليكس ديدييه فيلس إيمي، في بيان نشر على فيسبوك – ساحة العصر الحديث حيث نبكي موتانا بين إعجابين أعرب عن “صدمته العميقة”. وزير يعد بوفد رسمي غدا الأحد. وزير آخر يعلن إغلاق الموقع “حتى إشعار آخر” وتحقيق “فتح” بكلمة رسمية أنيقة. نتخيل المحققين، وهم يسألون الحجارة: “أخبرينا أيتها القلعة، لماذا مدخل واحد فقط؟” الحجارة، كعادتها، ستصمت بثقل الغرانيت. والمسؤولون، بلا شك، سيقدمون تفسيرا. سيكون عقلانيا. إداريا. ولن يعيد أحدا إلى الحياة.
وهنا المفارقة المطلقة، لفة القدر الكاوية: هذه القلعة تتربع في “منطقة هادئة”، “بعيدة كل البعد عن كابوس العاصمة”. السياح أتوا إليها تحديدا لينسوا الموت الذي يزحف في بورت أو برانس. ليشعروا بالأمان. ليتنفسوا هواء القمم النقي، بعيدا عن العصابات والاختطاف وإطلاق النار. وهناك، في ذلك الملاذ المزعوم، في جنة البطاقات البريدية، قبض عليهم الموت. لا برصاصة. لا بساطور. بل بجرعة زائدة من الفرح الجماعي. السخرية قاسية لدرجة أنها قد تبدو مضحكة… لو لم تكن ثلاثون عائلة تبكي الليلة.
مراسل، في لطفه البلاغي، يخبرنا أن “الرحلة تستحق العناء”. يجب صعود طريق طويل ترابي، متعرج حتى 900 متر. رائع. مرهق. وغير صالح بالمرة لإسعاف الجرحى أو نقل الموتى. لأن الموت، في لحظات عبقريته، يحب إضافة عقبة لوجستية. فريق الإغاثة يبحث عن “المفقودين” … تعبير أنيق يعني أنهم يرفعون الحجارة، يحركون الأجساد، يعدون الأرواح الضائعة في متاهة الحجر والدم.
بينما يعرب رئيس الوزراء عن “حزنه العميق”، وتبحث اليونيسكو – بلا شك – عن بيان مؤثر بنفس العجز، تبكي عائلات الثلاثين (أو أكثر) موتى… موتى ليلة السبت… موتى الحفلة. موتى “الزحام عند المدخل”. مدافع القلعة، المصوبة نحو الأفق منذ قرنين، لم تطلق رصاصة واحدة على عدو قط. يوم السبت، شاهدت مذبحة أغبى من أي معركة: تدافع. وفي هذه المأساة، ربما ثمة درس كوني، عبارة تليق أن تُنقش على بوابات كل المواقع السياحية في العالم: الإنسان ذئب الإنسان. خاصة عندما يكون متعجلا على الفرح.
📲 Partager sur WhatsApp