المغرب… حيث تتكلم الأبراج بلغة السيادة

زكية لعروسي, باريس

ليس المغرب مجرد وطن يسكن الجغرافيا، بل هو روح تسكن التاريخ، ونبض يتجدد كلما ظنّ البعض أن الحكاية بلغت منتهاها. هنا، حيث تتعانق الذاكرة مع الرؤية، وحيث لا يبنى الحجر إلا ليحمل معنى، ولا يرتفع صرح إلا ليعلن عن ميلاد مرحلة، يواصل المغرب مسيرته بثبات لا يعرف التردد، وعزم لا يلين.

وفي لحظة تختزل قرونا من التراكم الحضاري، يأتي يوم 13 أبريل، كعلامة فارقة في سجل التحول المغربي؛ حيث ترأس ولي العهد الأمير مولاي الحسن تدشين برج محمد السادس، هذا الصرح الذي لا يقاس فقط بارتفاعه الشاهق، بل بما يحمله من رمزية عميقة، تجسد انتقال المغرب من طور الإنجاز إلى طور الإبهار إن هذا التدشين، بما يحمله من حضور للأجيال واستمرارية للرمزية، هو مشهد تتجلى فيه عبقرية الدولة المغربية في ربط الحاضر بالمستقبل، وتوريث الرؤية قبل السلطة. فأن يقود ولي العهد هذا الحدث، إنما هو إعلان صامت بأن مسيرة البناء قدر ممتد، تتناقله الأيادي بثقة، وتحرسه الحكمة المولوية بعين لا تنام.

لقد أرسى الملك محمد السادس، حفظه الله، فلسفة عمرانية فريدة، تجعل من البناء فعلا سياديا، ومن التهيئة الترابية لغة دبلوماسية ناعمة، تخاطب العالم دون ضجيج. فالمغرب، في عهده، لم يعد يكتفي بمجاراة التحولات، بل صار يصوغها، ويعيد تعريف مفاهيم التنمية، حيث الإنسان في قلب المشروع، وحيث الكفاءة الوطنية هي عماد النهضة. وبرج محمد السادس، الذي يعانق السماء بعلوّه، إنما هو ترجمة حجرية لهذه الرؤية المتبصرة؛ رؤية تجعل من المدن فضاءات للابتكار، ومن العمران جسرا نحو المستقبل. إنه ليس مجرد مبنى متعدد الوظائف، بل كيان حضاري يختزل طموح أمة بكاملها، ويعلن أن المغرب دخل زمن الأبراج لا بوصفه تابعا، بل باعتباره صانعا للمعنى.

وفي هذا السياق، يغدو يوم 13 أبريل أكثر من تاريخ؛ إنه لحظة اعتراف عالمي بأن المغرب يواصل كتابة تاريخه بمداد الإنجاز، وأن الحنكة الملكية في تدبير العمران لم تكن خيارا ظرفيا، بل استراتيجية عميقة، تنظر إلى الأفق البعيد بثقة العارف، وتتحرك بخطى الواثق. وفي الوقت الذي تتخبط فيه بعض التجارب في ارتباك الرؤية، أو تستفيق على وقع المقارنات، يظل المغرب ثابتا في مساره، لا يلتفت إلى الضجيج، لأنه منشغل بالبناء. لا يناطح، لأنه ببساطة يرتفع. ولا يكرر، لأنه يبدع. هكذا هو المغرب… حين يشيّد، فإنه يعلّم. وحين يرتفع، فإنه يُلهم. وحين يدشّن، فإنه لا يفتح بابا لمبنى فقط، بل يفتح أفقا لوطن كامل. إنها مملكة لا تكتفي بأن تكون في التاريخ، بل تصرّ على أن تكون من صنّاعه… اليوم، وغدا، وإلى ما لا نهاية.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *