بقلم زكية لعروسي, باريس
حين يتكلم التاريخ… لا بصوته، بل بصوت من يجرؤ على الاقتراب من حرارته، يحدث شيء يشبه خللا خفيفا في ترتيب العالم. كأن الزمن، لوهلة، يخطئ في حساب نفسه. في مساء باريسيّ مشحون بصفاء لا يصادف إلا في المدن التي تعلّمت كيف تحوّل الفكر إلى منارة، داخل فضاء مؤسسة دار المغرب، لم تكن محاضرة الباحث والأكاديمي مهدي أغويركات حدثا في برنامج ثقافي. كان الأمر أشبه بانشقاق طفيف في نسيج الزمن. تكلّم الباحث…وفجأة، صار الجدار شفافا. وصارت القرون تتهامس كما لو أنها لم تغادر أصلا. لم يكن مؤرخا يروي، بل كاشفا. يزيح الغبار عن معنى ظلّ مدفونا في نصوص ابن خلدون، كأنها تمائم لم تقرأ حقا منذ خمسة قرون. لم يكن يستعيد الماضي، بل كان يعيد تشغيله، و الفكرة تتحول إلى نظام خفي… لم يستعد الماضي… بل أعاد تشغيله. وهناك، في قلب “المقدمة”، و”العبر” و”المبتدأ والخبر” لم يعثر على كتب، بل على جهاز.
آلة تفسير صامتة… تعمل منذ قرون… وتنتظر فقط من يوقظها. لكن الخطر لم يكن في الآلة. بل في أنها ما زالت تعمل.

كان ما قدّمه أغويركات إعادة بناء “آلة تفسير” خلدونية تعمل بثلاث قوى خفية:
1- البداوة والعصبية… القلب الذي لا يرى
لم تعد العصبية مفهوما سوسيولوجيا جامدا يمكن حبسه داخل تعريف. بل ظهرت ككائن خفيّ ينبض داخل الجماعات دون أن يرى: بها تولد الدول. وبها تحكم، وبها أيضا تموت. لكن ما لم يُقل صراحة، وكان يلوح بين الكلمات: أن العصبية لم تختف…العصبية لا تموت…تتحوّل. هي فقط تغيّر جلدها.لم تعد قبيلة تتعارف بالنسب، بل:قومية شبكة مصالح. نخبة تعيد إنتاج نفسها أو حتى جمهور يقاد بوهم الانتماء.وهنا، ينفتح شقّ خفي في المعنى: كأن بابن خلدون لا يصف البداوة أمّ العصبية… بل كان يصف الإنسان حين يخاف التفكك, فيخترع “نحن” ليحتمي بها من نفسه. إنّها جماهير رقمية تصرخ بضمير الجماعة النحوي… دون أن تعرف من تكون
2- البحر… الجغرافيا حين تفكر
ثم جاء البحر. ذلك العنصر الذي مرّ عليه كثيرون كحدّ مائي، أعاده أغويركات إلى مركز اللعبة: لم يعد البحر فاصلا، بل فاعلا. لم يعد حدودا، بل مصيرا. في منطق ابن خلدون: من يملك البحر… يملك الزمن، ومن يحاصر فيه… يُؤجَّل سقوطه أو يُسرَّع.أو يُستنزف حتى النسيان. وهنا، دون إعلان، تسلّل الحاضر إلى القاعة, وانفتح المعنى: الصراعات الحديثة…كل الحروب على الطاقة…الأساطيل التي لا ترى…كلها بدت كهوامش متأخرة لنص قديم، كُتب منذ قرون… ولم نفهمه إلا حين بدأ يفسّرنا. لكن، كوميض حذر في الذهن: ليس كل شيء خلدونيّا…وإلا تحوّل الفهم نفسه إلى فخ.
3- العمران… أو دورة الوهم العظيم
هنا، بلغ الكلام حدّه الأخطر.في كتب إبن خلدون-والمقدمة على رأسها- العمران كما أعاد أغويركات إضاءته، ليس علما, أو حكاية، بل قدرا… نمطا يتكرر: عصبية تولد…دولة تقوم…ترف يستقر…ضعف يتسلل…سقوط يكتمل…لكن الإزاحة التي فرضها زمننا كانت أكثر دهاء: السقوط لم يعد دائما مدوّيا. أحيانا يحدث بصمت.حين تبقى الدولة… ويختفي معناها.حين تستمر الدولة, وتتحول العصبية إلى قناع… لا إلى قوة. حين يبقى الشكل… ويغيب الجوهر. هنا، لم يعد السؤال: متى تسقط الدول؟بل: هل يمكن أن تكون قد سقطت بالفعل… ونحن داخلها

حلقت في فضاء قاعة دار المغرب وخمنت كثيرا, قارئي العزيز, وما رأيت باحثنا وعالمنا أغويركات إلا مؤرخا وسيطا بين الأزمنة. لم تكن براعته في معرفته فقط، بل في تلك القدرة النادرة على تحويل الفكر إلى تجربة حسية. كان يتحدث بدهاء من رأى الدول تتكرر، وبهدوء من يعرف أن كل شيء قيل…وبشغف من يكتشفه من جديد. وحين تدخلت الباحثة في العلوم الاجتماعية، لم يكن الحوار مواجهة، بل كشفا تدريجيا، كأن السؤال مصباح يسلّط على طبقات النص، فتخرج منه معان لم تكن مرئية.
خرج الحاضرون…لا وقد تعلّموا، بل وقد اختلّ توازنهم المعرفي. لكن الخطر الحقيقي في تلك الأمسية لم يكن في ما قيل…بل في ما فتحه. هناك، في لحظة صامتة بين فكرتين، انزلق السؤال: هل كان ابن خلدون بداية…أم امتدادا؟ وهنا ينهض ظل الجاحظ، ذلك الكائن العجيب الذي كتب العالم قبل أن يُنظَّم. واحد (الجاحظ) رأى: طبائع الناس، هشاشتهم، فكك أخلاق الأمم, سخرية الوجود، وانكشاف السلطة في تفاصيلها الصغيرة بلمس عريها. فكتب بنكتة تخفي معرفة مرعبة. وآخر (إبن خلدون) حاول أن يفعل ما هو أخطر: أن يحوّل ذلك كله إلى قانون.نعم كان يكتب قانونا. لكن هل الفرق حقيقي؟ كأنهما لم يكتبا نصّين…بل لحظة واحدة بوجهين: واحد يراها حدسا… والآخر يصوغها نظاما: الجاحظ التقط الوميض وابن خلدون حاول تثبيته وتحويله إلى نظام؟

أصبح الفهم فخا في ذاك المساء…هكذا، لم تكن محاضرة مهدي أغويركات تقديما لكتابات مؤرخ، بل إعادة ترتيب لعلاقة كاملة مع التاريخ. لقد بدا ابن خلدون أقل طمأنينة مما نظن، وأكثر خطرا: لأنه لا يفسّر الماضي فقط…بل يفضح الحاضر. فلم نخرج بمعرفة تُربك…خرجنا بشيء آخر: اختلال طفيف في يقيننا.خرجنا من مؤسسة دار المغرب ونحن نحمل عبئا غريبا: لم نعدنجهل…لكن لم نعد واثقين أيضا. هناك انزلق سؤال لا يغلق: هل التاريخ قانون…أم مجرد إغراء لتصديق أنه قانون؟ إذا كان ابن خلدون قد كشف النمط…فهل نحن محكومون به؟ أم أن وعينا به…ليس تحررا، بل مجرد مرحلة جديدة من سقوط أكثر ذكاء؟ في تلك اللحظات، لم يعد السؤال: ماذا قال ابن خلدون؟ بل صار، بصمت ثقيل: ماذا سيقول عنا… لو كان يكتب الآن؟ ربما لن يُفاجأ كثيرا. لكنه – على الأرجح- سيتوقف طويلا عند حقيقة واحدة: أن البداوة والعصبية لم تختفيا أبدا…بل أصبحتا ذكيتان بما يكفي لتقنعاننا أنهما لم تعدا موجودتين.
📲 Partager sur WhatsApp
ما كتبته يمكن قراءته كإعلان عن لحظة نادرة: لحظة يتحول فيها التاريخ من مادة جامدة إلى كيان حي. وهنا تحديدًا تبرز عبقرية استدعائك لـ ابن خلدون، لأن مشروعه لم يكن مجرد تدوين أحداث، بل محاولة لفهم “قوانين” خفية تحكم صعود الدول وسقوطه