بقلم زكية لعروسي, باريس
اليوم, سنسافر معا, قارئي العزيز, عبر أوبرا سياسية بفصلين:
في المشهد العبثي الذي اعتدنا عليه من مسرح السياسة العالمية، نجد أنفسنا أمام لوحة فنية: طرفان يتقاتلان على أرض أوكرانيا، كل منهما يبكي بدموع التماسيح على مصير مختلف. الأوكراني يبكي خوفا على أسلحة الغرب أن تنفد، والروسي يبكي خوفا على اقتصاد بلاده أن ينهار. إنها معادلة “البكاء على الميت خسارة” بصيغتها السياسية: كلاهما يخسر، وكلاهما يبكي، لكن البكاء لا يرد الميت، ولا يوقف نزيف الدماء. نحن أمام معضلة سياسية تمثل الأدب الروسي في أبهى صوره.
الفصل الأول يبدأ مع كييف وخوفها الأوليغارشي من فراغ السلاح: “إذا طالت الحرب، ستنفد الأسلحة من أوكرانيا”. هذا ليس تصريحا لرجل أعمال خائف، بل هو اعتراف مؤلم من رجل كان قبل ثلاث سنوات بطلا قوميا يقود معركة وجود. فولوديمير زيلينسكي، ذلك الكوميدي الذي تحول إلى قائد زمن الحرب، يعرف أن مسرحه السياسي بدأ يفقد ديكوره.

أوكرانيا تعيش اليوم على أنفاس المساعدات الغربية. لقد تحول اقتصادها إلى “اقتصاد الحرب” بامتياز: 40% من ميزانية الدولة تعتمد على المساعدات الخارجية، وقطاع الصناعة الثقيلة دمّر أو نقل إلى بولندا ورومانيا. المشكلة الكبرى ليست في نقص الأسلحة فقط، بل في نقص القدرة على إنتاجها. مصانع “موروزوف” لتصنيع الدبابات في خاركيف، التي كانت تزود الجيش السوفياتي سابقا، هي اليوم إما ركام أو تحت الاحتلال الروسي. هنا نستحضر مقولة الفيلسوف الألماني كارل شميت في “مفهوم السياسي”: “السياسي هو تمييز بين الصديق والعدو”. لكن أوكرانيا اليوم لا تستطيع تمييز صديقها الحقيقي. أمريكا تقدم أسلحة، لكنها تراقب عن كثب ألا تستخدم لضرب العمق الروسي. أوروبا تقدم دعمها، لكنها تشتري الغاز الروسي من الهند وبالي مرورا بتركيا. الصديق هنا “صديق مشروط”، والسلاح “هدية مربوطة بخيط رفيع”.
الخوف الحقيقي: ليس نقص الرصاص هو ما يقلق زيلينسكي، بل “خوف البطل الذي يدرك أن وقته قد انتهى”. إذا انهارت القدرة الدفاعية الأوكرانية، فسيأتي يوم المفاوضات حيث يُطلب منه التنازل عن الأراضي. هذا هو “البكاء على الميت” قبل أن يموت. إنه بكاء السياسي الذي يرى فشله السياسي قادما لا محالة.
الفصل الثاني, قارئي الكريم, يدور بموسكو حول أباطيل الإمبراطورية وعويل الاقتصاد.هنا, يخرج فلاديمير بوتين ليعلن بصوت حزين أن “الاقتصاد الروسي في حالة تدهور”. لكن هل نصدق القيصر؟ هذا هو السؤال الفلسفي الأعمق. الواقع الاقتصادييقول : نعم، الاقتصاد الروسي يعاني. أسعار النفط تذبذبت، والعقوبات الغربية قطعت روسيا عن نظام “سويفت” المصرفي، وأغلقت أمامها أسواق التكنولوجيا المتقدمة. سعر الروبل انخفض بنسبة 35% منذ بدء الحرب، والتضخم يقترب من 12%. أكبر شركات الطيران الروسية “إيروفلوت” أصبحت تتفكك الطائرات القديمة لاستخدام قطع غيارها. لكن: هذا ليس انهيارا سوفياتيا جديدا. روسيا تعلمت دروس 1991. لديها فائض تجاري مع الصين والهند، ومخزون ضخم من الذهب والعملات الأجنبية (رغم تجميد نصفه في الغرب). الأهم: روسيا تحولت إلى “اقتصاد الحرب” بمهارة مذهلة. مصانع السيارات تنتج الآن عربات مصفحة، ومصانع الجرارات تنتج دبابات.

هنا تكمن العبقرية الديستوبية لبوتين. “الشكوى من الاقتصاد” هي جزء من اللعبة. إنها تذكرة للشعب الروسي: “انظروا كيف نحن فقراء ومعاقبون، لذلك يجب أن نتحد أكثر خلف القيصر”. هي استراتيجية “الفقير المنتصر” التي أتقنها الاتحاد السوفياتي سابقا، والتي يستخدمها بوتين الآن بمهارة. نستحضر هنا دوستويفسكي، ذلك العبقري الروسي الذي فهم أعماق النفس السلافية: “الرجل الروسي يحب المعاناة”. في روسيا، البكاء على الاقتصاد ليس علامة هزيمة، بل هو طقس وطني يتحد فيه الشعب ضد عدو خارجي وهمي. إنه “بكاء البطل التراجيدي” الذي يتحول إلى نشيد وطني.
المثل الشعبي العربي يقول: “البكاء على الميت خسارة”. أي أن العويل والنحيب لا يفيد الميت، ولا يعيده إلى الحياة. لكن في السياسة، البكاء ليس انفعالا، بل هو أداة. زيلينسكي يبكي لكي يستجدي المزيد من الأسلحة. بوتين يبكي لكي يبرر فرض المزيد من التضحيات على شعبه. المأساة الحقيقية ليست في نقص الأسلحة أو تدهور الاقتصاد، بل في أن كل طرف يحاول “بيع” ألمه كسلعة سياسية. الأوكراني يبيع الألم لتحقيق النصر، والروسي يبيعه لتحقيق الوجود. والعالم كله يتفرج وكأنه في مسرح عبثي.
ما يحتاجه الطرفان ليس مزيدا من البكاء، بل جرعة من الواقعية القاسية. أوكرانيا يجب أن تدرك أن الغرب لن يرسل أسلحة إلى الأبد، خاصة مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وآسيا. روسيا يجب أن تدرك أن البكاء على الاقتصاد لن يخفي حقيقة أن الحرب أصبحت مستنقعا يستنزف الجميع. العالم يتغير. الصين تفرض شروطها على الجميع، والهند تلعب على الحبلين، ودول الخليج تبتعد عن التحالفات القديمة. في هذا العالم الجديد، لم يعد البكاء على الميت خسارة فقط، بل أصبح البكاء على الأحياء أيضا خسارة، لأنهم يضيعون وقتهم في التباكي بدلا من البحث عن مخرج.
الحرب ليست مجرد أسلحة واقتصاد. هي مسرحية مكتوب نهايتها لكن أبطالها لا يريدون تصديقها. وكلما طال البكاء، زادت الخسائر. كما قال الشاعر العربي أبو الطيب المتنبي:
“وأجهل الناس من بكى على رجل ~~~~أَماته الضنكُ يوم الجوع والعَدمُ”.
في حالة أوكرانيا وروسيا، الضنك ليس جوعا، بل هو فقر الإرادة السياسية للسلام الحقيقي.
📲 Partager sur WhatsApp