بقلم د. زكية لعروسي، باريس
في أقصى الشرق المغربي، حيث تتعانق الصحراء.مع عناقيد الرّطب، وحيث النخيل يكتب على الرملِ تاريخ الماء والانتظار، تقوم فجيج كأنها حكاية قديمة لم تفرغ بعد من روايتها. هناك، في تلك الواحة التي تبدو كأنها نقطة ضوء في صحراء واسعة، ولد يوم 22 مارس 1948 طفل سيكبر ليصير واحدا من أولئك الذين يصغون إلى نبض الإنسان كما يصغي الشعراء إلى خفقان المعاني. ذلك الطفل هو الأستاذ الدكتور عبد الرحمن مشراوي؛ الطبيب الذي جعل من القلب وطنا للعلم، ومن العلم جسرا بين قارتين، وبين واحة صغيرة في الشرق المغربي وعواصم الطب في أوروبا.
كان الطريق من فجيج إلى العالم طويلا كرحلة قافلة في الصحراء. لكن الفتى الذي غادر الواحة بعد حصوله على البكالوريا في العلوم التجريبية بسلا والرباط سنة 1966، لم يكن يحمل معه سوى حقيبة صغيرة، وقلب مملوء بالعطش إلى المعرفة في وقت كان المغرب في بدايات تشكّله الحديث، وكان الشغف بالعلم أشبهَ بسفر نحو المجهول. ثم بدأت الرحلة الكبرى:
بعد حصوله على البكالوريا في العلوم التجريبية بسلا/الرباط سنة 1966، اتجهت البوصلة شمالا نحو ألمانيا. هناك في معهد غوته بمدينة لونيبورغ بدأ بتعلم اللغة التي لم تكن مجرد مفاتيح للكلمات، بل كانت بوابة إلى عالم آخر: عالم الدقة العلمية والانضباط والبحث الذي لا يقبل أنصاف الإجابات.
ثم دخل إلى جامعتي ماربورغ وهايدلبرغ لدراسة الطب بين عامي 1967 و1973، حيث حصل على الدكتوراه بميزة ممتازة. هناك، في أروقة الجامعات التي صنعت تاريخ الطب الأوروبي، بدأ يكتشف أن القلب ليس مجرد عضلة تنبض، بل كون معقد من الأسرار البيولوجية والإنسانية. إنه امتحان يومي أمام الألم البشري. وهكذا دخل الدكتور الشاب إلى مرحلة التخصص:
الطب الباطني، وأمراض القلب، وأمراض الشرايين…في كاسل روتنبورغ وفولدر وجامعة الرور في بوخوم، ثم في جامعة ليل بفرنسا حيث تعمّق في طب قلب الأطفال.
كان قلب الإنسان، بكل تعقيداته، هو النصّ الذي قرر أن يقرأه طوال حياته.
بعد التخرج، دخل الدكتور مشراوي مرحلة التخصص في الطب الباطني وأمراض القلب والشرايين، متنقلا بين مستشفيات ألمانيا وفرنسا، ومتدربا في مراكز طبية عالمية في برلين وهامبورغ وهيوستن وميامي وميلانو.
لم يكن يبحث فقط عن مهارة طبية، بل عن فهم أعمق للإنسان حين يضع حياته بين يدي طبيب.
وفي مستشفى بيرمانشيل الجامعي في بوخوم أصبح نائب مدير قسم أمراض القلب ورئيس قسم القلب التداخلي، حيث كان الطب الحديث يخطو خطواته الأولى نحو تقنيات القسطرة والدعامات.

ومنذ الثمانينيات، انشغل بأبحاث علمية متقدمة شملت:
– الدعامات الوعائية داخل الشرايين
– مواد التباين المستخدمة في التصوير الطبي
– أمراض القلب المرتبطة بالجهاز التنفسي
– معايير الجودة في الطب الباطني وإدارة المستشفيات
– الابتكار في التحاليل الطبية السريرية السريعة
كان الدكتور مشراوي يضع سماعته على صدور المرضى، وفي الوقت نفسه يضع أسئلته داخل المختبرات. وفي سنة 1989 أصبح أستاذا محاضرا بعد سنوات من البحث والتعليم الجامعي، ثم أستاذا كرسيا بجامعة الرور في بوخوم سنة 1995. أما سنة 1999 فكانت محطة جديدة، حين أصبح أستاذا بجامعة شليسفيغ-هولشتاين في كيل ومديرا لقسم الطب الباطني في مستشفى فلنسبورغ حتى سنة 2013، حيث قاد فريقا من عشرات الأطباء في أقسام القلب والشرايين والكلى والطوارئ والعناية المركزة مع فريق يضم عشرات الأطباء.
لكن رغم كل هذه المسافات، وقيادته لمؤسسة طبية كاملة… ظل شيء واحد يرافقه: إسم فجيج. إذ لم ينس أبدا الواحة الصغيرة التي خرج منها. فأن تكون مغربيا وألمانيا في آن واحد، ذلك ليس مجرد ازدواج جنسية؛ إنه ازدواج ذاكرة.
في ألمانيا، حيث النظام والدقة والتكنولوجيا المتقدمة، تعلّم الدكتور مشراوي كيف يبنى العلم لبنة لبنة.وفي المغرب، حيث الدفء الإنساني والذاكرة العميقة للأرض، ظلّ يتعلم شيئا آخر: أن الطب في جوهره ليس علما فحسب… بل رحمة. ربما لهذا ظل اسم فجيج يرافقه أينما ذهب. ففي سيرته العلمية الممتدة عبر جامعات أوروبا ومستشفياتها، يظلّ هناك خيط رفيعٌ من رمل الواحة يربط كل تلك العوالم ببدايته الأولى.
ربما يتساءل المرء: كيف يستطيع إنسان أن يعيش بين عالمين؟ بين صمت الواحات في الشرق المغربي، وصخب المختبرات الأوروبية؟
هنا تتسلل الأسئلة إلى قلب السيرة، كأنها حوار مفتوح مع الطبيب الذي حمل تجربته عبر القارات.
1- سؤال
دكتور مشراوي…
حين تعود بذاكرتك إلى فجيج، ماذا يبقى فيك من تلك الواحة؟ هل هو نخيلها؟ أم صمتها العميق؟ أم ذلك الإحساس الأول بأن الإنسان صغير أمام اتساع العالم؟
* جواب الدكتور عبد الرحمان مشراوي
تربطني ذاكرتي عن مسقط رأسي فجيج بحياة طفولتي، مدرستي واصدقائى. أسيح من خلالها في جو هادئ، سليم وأمين بين نخيل وبساتين صيفية مثمرة ومحيط عائلي ساده الحنان والإهتمام المدرسي.
كأنه أمس، يقف أمامي والدي مرشدا ومعلما وألاحظ هدوء أمي وشعاع رضاها وسعادتها كلما كانت محاطة بأسرتنا وأهل جيراننا وأحبابنا موزعة كؤوس الشاي في ليالي الشتاء. لن أنسى جلسة جدي أمام دارنا، قارئا كتابا أو مسليا لشباب حومتنا بحكمة تسبق عصره أو نكتة لطيفة تردد حتى الآن ودونها الكتاب. تواكبني أيضا أمسيات عطلة الصيف التي كنت أقضيها مع صديقين بين نخيل حديقة أجدير، مناقشين مؤلفات طه حسين، نجيب محفوظ أو جون بول سارتر أو موسقى محمد عبد الوهاب أو الظواهر الفلكية ونحن نتمعن في سطع النجوم القريبة فوق رؤوسنا.
2- سؤال
كيف تصف علاقتك اليوم بـالمغرب وتامغريبت، بعد عقود قضيتها في قلب أوروبا العلمية؟
* جواب الدكتور عبد الرحمان مشراوي
علاقتي اليوم بالمغرب تتجلى في خدماتي الإنسانية، خاصة منها الطبية للمحتاجين وفي خلق مشاريع صحية ونشر المعرفة والتكنولوجيا الحديثة في ميادين إختصاصي، نظريا وتطبيقيا عبر مؤتمرات و ندوات و أوراش من جهة وتداريب لأطباء مغاربة وحملات طبية للتشخيص والعلاج والتحسيس الصحي من جهة أخرى. أهم دافع لخدماتي هو ضرورة مساندة ساكنة المناطق المحرومة من الرعاية الطبية المختصة ورفع المستوى الصحي فيها واستفادتها من التقنيات الحديثة التي تعلمتها في ألمانيا وفي المراكز العالمية الأخرى.
3- سؤال
ماذا أعطاك الغرب؟ هل أعطاك فقط أدوات العلم والتكنولوجيا… أم منحك أيضا رؤية مختلفة للإنسان والطب والحياة؟ وماذا انتزعتَ أنت من التجربة؟
* جواب الدكتور عبد الرحمان مشراوي
هذا سؤال مهم للغاية. في توجيهي للأطباء الذين يقصدونني لإعانتهم في البحث عن مراكز تكوينهم في ألمانيا، أنبههم أن التكوين لا يقتصر على كسب المعرفة المهنية والخبرة التقنية فقط، بل يتسع إلى جودة التدبير اليومي و تطبيق قوانينه، بما في ذلك العلاقة بين الطبيب و المريض و الطبيب وزملائه والممرضات، الانتباه التام لحاجيات المرضى و الإنصات لهم. تدبير الوقت و احترامه التام، الفعالية في كل المنجزات، بناء الثقة التامة، الصراحة وسرعة التواصل. ئلك ما أخذته من الغرب خلال دراستي و ممارستي لإحدى أسمى المهن الإنسانية وأعطيته للجيل الصاعد.
4- سؤال
ما الدرس الأعمق الذي خرجت به من سنوات البحث والمستشفيات والجامعات؟
* جواب الدكتور عبد الرحمان مشراوي
البحث العلمي، العمل السريري والتدريس الجامعي أنشطة شيقة عشقتها منذ البداية، سنة 1974. الدراسات العلمية التجريبية الأساسية و السرية دربتني في دقة العمل والتحليل المنطقي ونزاهة تقييمها وتوثيق نتائجها ونشرها في المجلات الطبية والمؤتمرات العالمية والتي كانت تراجع من ثلاثة إلى خمسة خبراء قبل قبولها للنشر. أتبعت دائما توصيات كلود بيرنار لقبول نتائج البحث حتى ولو خرجت عكس ما كان يتوقعه الافتراض المطروح. تعلمت من ممارستي السريرية الإنصات لما يروي المرضى أو يشتكو منه بفارغ الإهتمام والصبر دون أن أظهر لهم أي توتر لضيق الوقت، علما أن تفاصيل أعراض المرض تمثل نسبة هائلة من التشخيص وإن بناء الثقة الصادقة مع المرضى هي أساس تطبيقهما لإرشداتي. لا شك أن المدرسون من بين أفراد أسرتنا ، وعلى صدارتهم والدي، رحمه الله، مهدت لي ممارسة التدريس الجامعي بسهولة سواء في جامعة بوخوم أو كيل أو بينزا. أحب هذه الوظيفة والتعامل مع الطلبة لا سيما عندما يتخرجون و ينجحوا في مسيرتهم الطبية أو الأكاديمية، منهم من أبرز ونال رئاسة قسم أمراض القلب. لعل أعمق درس أخذته هو أهمية عمل الفريق التضامني. إن تحقيق أعلى جودة في النتائج و اسرعها لا يتم بمنافسة فردية بل بالتعاون المتبادل الذي يعود بالنفع لكل واحد شارك في المبادرة أو المشروع. لذلك أرفض في المقابل تلك المنافسة السلبية الشائعة في الجامعات والتي تستهدف فوز المنافس على حساب زميله. النتيجة العرقلة المتبادلة وإبطاء الوصول إلى الهدف الحقيقي.
5- سؤال
سؤالي يهم أبناء الشرق المغربي: ماذا ما زلتَ تريد أن تقدمه لفجيج ولمنطقة الشرق؟
* جواب الدكتور عبد الرحمان مشراوي
عديد من المدن الصغيرة والواقعة على الحدود الشرقية كواحة فجيج تعاني من عدم أطباء اختصاصيين. هذه المعضلة باتت قائمة حتى بعد استجابة الحكومة لنداء الساكنة ونداء شبكتنا الطبية في الخارج وغيرها لخلق مستشفى مجهز وفتحه عام 2024. أهم مشروع أطمح لتنفيذه هو تعاون بين اختصاصي شبكتنا وجمعتنا المحلية و مستشفى القرب وهو عبارة عن نموذج مستجد صالح للتطبيق في جميع المدن المحرومة من الرعاية الطبية المختصة. هدفه توفير طواقم طبية مختصة، لا للقيام بقافلات طبية عشوائية مرتجلة، بل بممارسة دورية مستدامة وتعيين جراح عام مقيم هناك باستمرار. المشروع جاهز للتطبيق الفوري بمجرد ما تصادق وزارة الصحة والداخلية على عرض شبكتنا العالمية و جمعيتنا المحلية.
6- سؤال
هل ترى مستقبلا لمراكز طبية أو مشاريع علمية أو مبادرات صحية يمكن أن تعود بالنفع على المنطقة التي انطلقت منها؟
* جواب الدكتور عبد الرحمان مشراوي
طبعا، هناك فرص ملموسة لإنجاز تعاون مثمر للساكنة و لمؤسسات القرارات الصحيحة في جهة الشرق. كما أن تأسيس معهد علمي تكنولوجي تابع لجامعة وجدة مشروع قابل للتطبيق، خصوصا أن الموارد البشرية لتحقيقه متوفرة. نحن في حاجة إلى إرادة حكومية لتنمية المنطقة في هذه الميادين المهمة.
7- سؤال
دكتور مشراوي،
بعد كل هذه العقود من العمل والبحث في أوروبا، حين تحاول أن تنقل هذه الخبرة العلمية إلى المغرب أو إلى منطقتك في الشرق، ما هي العراقيل التي تواجهك؟ هل هي عراقيل إدارية تعيق المبادرات العلمية؟ أم نقص في البنية التحتية الطبية؟
* جواب الدكتور عبد الرحمان مشراوي
مع شبكتنا العالمية الطبية و شبكة الكفاءات المغربية الألمانية جاهدون بكل تفاؤل لتحقيق المزيد من مشاريعنا في المغرب رغم التحديات والإكراهات التي نواجهها. من أهمها الاستجابة لعرض مشاريعنا من لدن مسؤولي القرار. نلاحظ أيضا ثقل التواصل مع المسؤولين أو انعدامه. من عوائق مبادراتنا هو النظام الهيدرا رشي الذي يبطئ التقرير والتنفيذ، فكلما استبدل مسؤول في إدارة إلا و اضطررنا من استئناف مشروعنا من جديد. رغم أن تعامل مخاطبينا من جميع المؤسسات الحكومية و الغير الحكومية جيد ومشجع للغاية، إلا أن الفعالية لا تناسب ما ننتظره، بل نبات غالبا منتظرين إنجاز ما وُعدنا به.
8- سؤال
هل التحدي الحقيقي يكمن في غياب منظومة تربط البحث العلمي بالتطبيق الطبي؟
* جواب الدكتور عبد الرحمان مشراوي
هذا السؤال يتعلق بتطبيق معايير الجودة الناتجة عن البحث العلمي. لقد تطرقنا لهذا الموضوع مرارا خلال مؤتمراتنا الطبية في المغرب، ركزنا فيها على أهمية انعكاس الطب المبني على البديهة العلمية. لا شك أن ممارسة الطب في المغرب أحرزت على تقدم ملحوظ في هذا الميدان في كثير من المؤسسات. لكن المفروض أن يعم ذلك في جميع المستشفيات العمومية والخاصة والعيادات بموجب قانون إصلاح المنظومة الطبية. ولقد سبق لنا أن قدمنا إقتراحات حولها، لكن لم نسمع ما إذا أخذت بعين الإعتبار.
9- سؤال
هل تعتقد أن المغرب اليوم قادر على الاستفادة فعليا من خبرات علمائه المنتشرين في العالم؟
* جواب الدكتور عبد الرحمان مشراوي
هناك ظروف مناسبة للاستفادة بالجالية الطبية في المغرب التي يُطمح إليها. جلب هذه الكفاءات بنسبة كافية يتطلب إصلاحا في التعليم المدرسي والجامعي و إصلاح العدل مع مراقبة صارمة لتطبيق قوانينه. إذ هناك أطباء يتمنون لأبنائهم وبناتهم تعليما متينا وجيدا في المدارس العامة. وهناك مشاريع طبية هامة أخفقت لفشل القضاء في الإنصاف وحماية المستثمرين من عصابات مجرمي الإقتصاد مثل قضية المدينة الطبية بمراكش.
10- سؤال
في زمن أصبح فيه كثير من الأطباء الشباب في المغرب يفكرون في الهجرة، يطرح سؤال آخر نفسه: بصفتك طبيبا عاش التجربة الدولية، ما النصيحة التي تقدمها للأطباء الشباب؟ هل ينبغي لهم أن يسافروا لاكتساب المعرفة، ثم يعودوا لخدمة وطنهم؟ أم أن بقاءهم داخل المستشفيات المغربية هو الطريق الأفضل لبناء منظومة صحية قوية؟
* جواب الدكتور عبد الرحمان مشراوي
في الحالة الراهنة، لا تكفي طاقات مستشفيات المغرب من تكوين الاختصاصيين يُرضي حاجياته. هجرة الأطباء إلى الخارج قصد تكوينهم اختصاصيين للممارسة بعدها في المغرب يستحق التشجيع في الوهلة الأولى. لكن قد تتعرض الهجرة إلى إقامة دائمة تضر بموارد المغرب البشرية. غير أنه يمكن تفادي هذا العائق بمنظومة وزارية على شكل عقد معاهدة بين البلدين وبين المغرب و الطلبة، تضمن الرجوع إلى الوطن بعد التخصص. أما أنا فقد حاولت الرجوع إلى المغرب سنة 1983 بعد إنهاء اختصاصي في الأمراض الباطنية وأمراض القلب وأمراض القلب عند الأطفال، لكن أبواب قسم أمراض القلب في المستشفى الجامعي أغلقت أمامي من طرف المسؤول آنذاك. اضطررت بعدئذ الرجوع إلى ألمانيا حيث مُنحت فورا ترقية كنائب رئيس قسم أمراض القلب في جامعة بوخوم.
11- سؤال
هناك سؤال افتراضي قد يبدو بسيطا لكنه عميق: لو كان المغرب في ستينيات القرن الماضي يمتلك الجامعات والمستشفيات المتطورة التي نراها اليوم، هل كنت ستختار أن تدرس الطب فيه بدل السفر إلى أوروبا؟ أم أن السفر في حد
ذاته جزء أساسي من تكوين الطبيب والعالم؟
* جواب الدكتور عبد الرحمان مشراوي
لو منحت لي فرصة دراسة الطب والتخصص في أمراض القلب في بلادي عام 1966 لما غادرت الوطن، علما أني قررت هذا التخصص بالذات عن عمر 15 سنة. أما إذا لو لم اٌقبل لهذا الإختصاص، فلا شك أن أكون قد فضلت الهجرة لهذا السبب.
12- سؤال
كل نجاح كبير يحمل في داخله ثمنا خفيا دكتور مشراوي… سنوات طويلة قضيتها بعيدا عن أسرته ومنطقته الأولى، وذلك يفتح باب سؤال إنساني صادق: ما الشيء الذي تشعر أنه كان الخسارة الأكبر في هذا البعد؟ هل هي لحظات عائلية لم تعشها؟ أم سنوات من الحياة الاجتماعية التي لا يمكن أن تعوضها المناصب العلمية؟
* جواب الدكتور عبد الرحمان مشراوي
صحيح أني شعرت بالغربة في السنتين الأوليتين من هجرتي عن أسرتي ومحيط مجتمعي المعتاد. لكن الحقيقة أنني لا أعتبرها كخسارة أصابتني. دراستي كانت شيقة للغاية, لا سيما أنني كنت ناجحا منذ البداية رغم صعوبتها. كما أني سرعان ما انسجمت بالمجتمع الألماني منذ الشهور الأولى.
13- سؤال
عندما تعود اليوم إلى فجيج، بعد عقود من السفر والعمل والبحث، يصبح السؤال أكثر شاعرية: كيف تشعر وأنت تعود إلى الواحة التي بدأت منها رحلتك؟ هل تشعر أنك تعود إلى طفولتك الأولى؟ إلى المكان الذي علّمك الصبر مثل نخيله الطويل؟ وهل تقول في سرك إن هذه الأرض الصغيرة كانت، منذ البداية،
البذرة الأولى لكل ما حدث بعد ذلك؟
* جواب الدكتور عبد الرحمان مشراوي
تشبثي بأسرتي ومسقط رأسي منذ مغادرتي أرض الوطن لم ينقطع قط. كنت على تواصل دائم رغم بطء الاتصالات إلى حد السبعينات. وكنت أزور المغرب كل عام وبعد تقاعدي عدة مرات من كل سنة. كنت أتمتع بهدوء فجيج وأشعر فيها بالراحة أكثر من أي مكان آخر وكأني لم أغادرها ابدا. بدخولي فجيج أصبح فورا إبن الواحة وكأني لم أتغير. يروقني الحديث مع الصغار والعجزة وفحص المرضى الذين يتوافدون إلى منزلنا حتى خارج حملاتنا الطبية. أنظم كل مرة جلسات أو ندوات بحضور أفراد المجلس البلدي أو مع الباشا ونتبادل حول شؤون الواحة. أستمع إلى حاجيات العديد من الجمعيات الخيرية لمساعدتهم عبر شبكاتنا قدر المستطاع.
حياة بعض الناس تقاس بالسنوات، لكن حياة بعضهم تقاس بعدد القلوب التي أنقذها. والأستاذ الدكتور عبد الرحمن مشراوي واحد من أولئك الذين جعلوا من الطب رسالة تتجاوز الحدود، ومن سماعة الطبيب جسرا بين العلم والإنسان. خرج من واحة صغيرة في الشرق المغربي، وسافر عبر الجامعات والمستشفيات والقارات، لكن قلبه ظل يحمل شيئا من رائحة التمر والماء والرمل. وكأن القدر أراد أن يثبت حقيقة بسيطة: إن القلب الذي تعلّم الإصغاء إلى نبض الصحراء يعرف دائما كيف يفهم نبض الإنسان.
📲 Partager sur WhatsApp
يفيد الحوار انه على الدولة أن تؤسس لسياسة عامة للخارجية، مندمجة تنفتح على الطاقات و الكفاءات المغربية التي بإمكانها أن تساهم من موقعها في السياسات العمومية الخاصة بتنمية الجهات. ذلك أن جل الجهات عرفت موجات من مغادرة القشرة الرمادية الى الغرب من أجل التكوين واستق ت في أرض المجهر وبنحاح كبير في البحث العلمي ، و منها الكثير من له استعداد لان ؤضع خبرته العلمية والتقنية في خدمة تنمية الجهة مسقط الرأس. فقط المطلوب هو وضع سياسة عامة لاستيعاب تلك الطاقات وصهرها في أوراش تنمية الجهات التي رصدت له الدولة الأسبوعين السابقين ميزانية دالة وسقف زمني التنفيذ الرعاية 2030. لعل فحوى هذا الحوار وصحية امثال هذا الطبيب ، تجد استجابة من لدن الوزارة الوصية على الخارجية