أغنية “الطريق الخاص بي” فوق أشلاء المقدسات

بقلم زكية لعروسي, باريس

في أحدث حلقات المسلسل الأمريكي الذي لا ينتهي، “البيت الأبيض: الموسم الثاني من الكوميديا السوداء”، لم يعد الرئيس دونالد ترامب يكتفي بتهديد الديمقراطية أو قلب الحقائق. لقد وجد طريقة جديدة لإرهاب الضمير الجمعي: انتهاك الموتى. ففي ليلة السبت، نشر ترامب على منصته “تروث سوشيال” مقطع فيديو لفرانك سيناترا، الصوت الذي شبه الآلهة لأمريكا، وهو يغني الخالدة “My Way”. لكن لم تكن هذه إشادة فنية. بل كانت عملية سرقة رمزية لروح رجل مات منذ 28 عاماً. فجأة، تحولت أغنية “طريقتي” من نشيد للفردية والكبرياء إلى خلفية موسيقية لمقطع دعائي لرجل يعتقد أن كل شيء ملك له، حتى إرث الآخرين.

هنا، لم تصمت نانسي سيناترا، ابنة الأسطورة البالغة من العمر 85 عاما. خرجت من صمتها الأرستقراطي لتقول كلمة واحدة: “هذا تدنيس للمقدسات (Sacrilège)”. وكأنها قالت: “أيها السيد، لقد دخلت إلى ضريح العائلة حاملا سماعاتك المتسخة، وقررت أن تلوّن ماضينا بألوان كاريكاتيرك السياسي البائس”. لو كان دوستويفسكي حيا لكتب رواية بهذا المشهد، وسمّاها “الأغنية القذرة”. لأن ما يحدث هنا هو صراع أبدي بين ثلاثة عوالم:

1- عالم الجمال والأخلاق (فرانك سيناترا، نانسي، الفن): حيث للأشياء قيمة، وحيث للغناء روح.

2- عالم السلطة العارية (ترامب): حيث لا شيء مقدس، والفن مجرد أداة تسويقية، والموتى مجرد “محتوى” لجذب الإعجابات.

3- عالم الجمهور الساخر (نحن): نتابع كأننا في مسرح عبثي، نضحك لئلا نبكي.

نانسي سيناترا لم تكن مجرد ابنة غاضبة. كانت صوت المنطق في بلد فقد بوصلته. عندما أعادت التغريد عن أن “فرانك كان بطلا للحقوق المدنية”، كانت تكتب مرثية لأمريكا التي آمنت بالمبادئ، التي قتلها الواقع الذي يمثله ترامب. الكوميديا السوداء هنا تكمن في التفاصيل: · الطريق الخاص بي هي أغنية عن رجل واقف على حافة الموت، ينظر إلى حياته ويقول: “لم أندم، فعلتها بطريقتي”. · ترامب يغنيها وهو لا يزال على قيد الحياة سياسيا، وكأنه يقول للقدر: “لا يهم ما تفعله، سأسرق حتى نعش سيناترا إذا أردت”. لكن السخرية الأقسى أن نانسي اعترفت بالعجز: “للأسف، لا يمكنني فعل شيء، الناشرون وحدهم منيملكون الحقوق”. هذا هو تلخيص العصر: حتى حرمة الموتى أصبحت عقدا قانونيا. وليس عاطفياً.

إنها رواية دوستويفسكية بامتياز: “الإنسان” (نانسي) يحاول استعادة كرامته، بينما “الشيطان” (المشهد السياسي) يرقص على أنقاضها. وكأننا نقرأ “الجريمة والعقاب”، لكن الجاني هنا لا يعاني من أي عقاب، بل يعيد نشر الجريمة على مواقع التواصل. السؤال الأعمق ليس “لماذا استخدم ترامب سيناترا؟” فهذا واضح: ليمنح نفسه هالة من العظمة الزائفة، وكأن من يغني الطريق الخاص بي هو هو. لكن السؤال الأعمق: متى أصبحت الثقافة مجرد سلعة رخيصة في يد الساسة؟

نانسي سيناترا، تلك المرأة التي غنت “These Boots Are Made for Walkin'” (هذه الحذاء صنعت للمشي)، تحاول اليوم أن “تمشي” على وجع السياسة. لكن الأحذية هذه المرة لا تركل الأبواب المغلقة، بل تركل جثة والدها التي أصبحت كرة قدم في ملعب ترامب الانتخابي. فنقول كما يقول الأبطال الدوستويفسكيون عندما يصلون إلى حافة الانهيار: “أيها الرب، أي نوع من الكوميديا هذه؟” أما ترامب، فسيواصل الغناء، ليس لأنه يحب سيناترا، بل لأنه لا يعرف معنى الحب أصلا. يعرف فقط معنى “الاستخدام”. كالعادة… (كما تقول نانسي بسخرية مريرة): “لا نستطيع فعل شيء”. ونحن، الجمهور العربي، نتابع هذه المهزلة المأساوية، ونتساءل: إلى أين بنا ترامب؟ إلى حافة العبث.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *