بقلم زكية لعروسي, باريس
في تلك الليلة من 11 فبراير، لم تكن واشنطن عاصمة الولايات المتحدة. كانت أشبه بقاعة مظلمة في رواية لأمبرتو إيكو أو مشهد سريالي في فيلم ستانلي كوبريك. هناك، داخل غرفة العمليات بالبيت الأبيض، اجتمع “كاهنان” من طراز فريد: أحدهما (نتنياهو) يحمل في جعبته فيديو بروباغاندا عن “إيران علمانية جديدة”، والآخر (ترامب) ينتظر فقط من يمنحه “سببا كافيا” ليحول غضبه العبثي إلى حرب.
النتيجة؟ تغيير موازين الشرق الأوسط في ساعة واحدة. لم تعقد جلسات استماع مطولة، لم تستشر الأمم المتحدة، لم يقرأالرئيس الأمريكي تقارير الاستخبارات (التي قالت في اليوم التالي: هذا هراء). فقط قال ترامب جملته السحرية: “Sounds good to me” (كولشي هو هاداك). من هنا يبدأ فيلمنا الوثائقي عن اللحظة التي قررت فيها إمبراطورية أن تقصف جدارا من الغموض الإيراني، فقط لأن رئيس وزراء إسرائيلي أتقن فن “الباوربوينت”.
تخيلوا المشهد كأنه سيرة ذاتية كتبها غابرييل غارسيا ماركيز بعد تناول كوب من الإسبرسو التركي المضاعف: بنيامين نتنياهو، الرجل الذي حفظ كلمات أغنية “My Way” قبل أن يقرأ تقارير “الموساد”، يقف أمام دونالد ترامب، الرئيس الذي يصدق خرائط الطقس أكثر من خرائط وكالة المخابرات المركزية. يقول نتنياهو: “سيدي الرئيس، لدي فيديو”. يضغط زر الريموت، فإذا بنا في إيران الموازية، بلاد لا نعرفها: امرأة ترتدي فستانا أحمر تقود سيارة مكشوفة، رجل يرقص التانغو في ميدان الحرية، أطفال يشربون الكولا تحت تمثال لـ”رضا بهلوي” (إبن الشاه الأخير). وكل ذلك مصحوب بموسيقى تصويرية هوليوودية.

ترامب ينظر إلى الشاشة ثم إلى نتنياهو. لم يسأل: من أين أتيت بهذا الفيديو؟ هل صورته “الموساد” في استوديو بتل أبيب؟ لماذا يرتدي ممثلو “الشعب الإيراني” ملابس تشبه فيلم Grease ؟ لم يسأل. لأن ترامب، وفق الكتاب الجديد لصحافيي نيويورك تايمز، لم يعد بحاجة إلى أسئلة. هو بحاجة إلى “عرض جيد”. وهذا هو الغرائبي بعينه: حرب إقليمية تقرر بناء على جودة إخراج فيديو مدته ثلاث دقائق، وثقة نتنياهو في أن الرئيس الأمريكي لا يقرأ ملفات الاستخبارات. إذا كان الفيلسوف توماس هوبز قد وصف الحياة بأنها “حرب الكل ضد الكل”، فإن إيمانويل كانط حلم بسلام دائم يقوم على العقل. لكن ما حدث في 11 فبراير هو نقيض كانط: سلام يقوم على “طيب بالنسبالي”. لنتأمل الفلسفة الضمنية التي تحكم هذا القرار:
1- أخلاقيات “الشو” السياسي:
في عصر ترامب، لم يعد القرار السيادي نتاجا لصراع إيديولوجيات، بل نتاجا لصراع مشاهدة. نتنياهو لم يقدم لترامب خريطة للمخاطر، بل قدم له مقطع دعائي يمكن عرضه على قناة فوكس نيوز. وكأن الحرب لم تعد امتدادا للسياسة (كلوزفيتز)، بل أصبحت امتدادا للترفيه.
2- الاستخبارات كمجرد “صوت خلفي”:
تقرير وكالة المخابرات المركزية (CIA) الذي تسلمه ترامب في اليوم التالي كان واضحا بشكل “فظ”: “فكرة أن يثور الإيرانيون ويقيمون جمهورية علمانية هي سخيفة . لكن ترامب كان قد التهم الفيديو بالفعل. إنها معضلة فلسفية: متى تصبح الحقيقة أقل إقناعا من السيناريو؟ في عصر ما بعد الحقيقة، الإجابة: دائما
3-نظرية “البطل الوحيد”:
اللافت أن نائب الرئيس جيه دي فانس، الذي بنى شهرته على معارضة الحروب، حاول أن يكون صوت العقل. قال: “هذه فكرة سيئة”. لكنه بعد ساعات قال: “إذا أردت فعلها، سأدعمك”. هنا تكمن مأساة السياسة الأمريكية الحديثة: حتى المعارضون يتحولون إلى جنود بعد دقائق من النقاش. وكأن إرادة القائد قد تحولت إلى دين جديد لا يقبل الردة.
بعد أسابيع، انطلقت “عملية الغضب الملحمي” (Epic Fury). إسم يشبه عنوان لعبة فيديو أكثر من كونه عملية عسكرية. القنابل تنهمر على منشآت نووية إيرانية، بينما كان ترامب يشاهد البث المباشر في غرفة عمليات أشبه بقاعة سينما منزلية. الفرق أن هذا الفيلم كان أربعة أبعاد: البعد الرابع هو الدماء الحقيقية. المشهد الآخر: بينما كانت صواريخ “توماهوك” ترسم لوحات نارية في سماء أصفهان، كان جيه دي فانس يتصل بزوجته ليخبرها أنه “فقط يفي بالتزامه تجاه الرئيس”. أما تولسي غابارد (مديرة الاستخبارات الوطنية)، فكانت تحدق في شاشاتها بتعبير امرأة اكتشفت أنها تعمل في مسرح عبثي.

أما الجمهور الإيراني الحقيقي، فلم يكن يرقص التانغو. كان يهرع إلى الملاجئ. هذا هو الفرق بين “فيديو نتنياهو” و”واقع الأرض”. في رواية “الأبله”، يصف دوستويفسكي أميرا يحاول إنقاذ العالم بالجمال، فيفشل. هنا، نحن أمام أبله معكوس: رجل يحاول تدمير العالم بالصور الجميلة، وينجح مؤقتا ما حدث في 11 فبراير ليس مجرد قصة قرار متسرع. إنه مرآة لحالة كونية جديدة: السياسة بلا أنطولوجيا (علم الوجود)، والقوة بلا معرفة، والحرب بلا ضرورة.
ترامب لم يغزو إيران لأنه مقتنع، بل لأنه “لم يجد سببا مقنعا لعدم الغزو”. نتنياهو لم يقدم دليلا، بل قدم استعراضا فانس لم يمنع الحرب، بل اكتفى بأن يكون “أكثر نائب رئيس أدبا” في التاريخ. والنتيجة؟ شرق أوسط يحترق، هدنة مؤقتة مدتها أسبوعان، وكتاب جديد يخبرنا كيف تمت الكارثة… كما لو كانت حكاية قبل النوم. “ولما كانت الليلة الثانية من شهر فبراير، قام الوزير الإسرائيلي (نتنياهو) إلى رئيس الإمبراطورية (ترامب) فقال له: أيها الملك السعيد، اسمع هذا الفيديو العجيب. فنظر الملك إلى الشاشة، ووجدها تعرض بلادا ليس لها واقع، فقال: كل شيء على ما يرام بالنسبة لي. فاغتاظت المخابرات، وابتسم الوزير، وارتفعت أسعار النفط، وأصبحت الحكاية عبرة لمن يعتبر… إن كنت تعتبر.” والله أعلم بحقيقة النوايا، لكنه لا يعلم بغباء القرارات.
📲 Partager sur WhatsApp