بقلم زكية لعروسي, باريس
في لحظة تبدو وكأنها انبثاق من شقّ دقيق في جدار التاريخ، تقف المجر على عتبة تحوّل لا يخصّها وحدها، بل يعيد مساءلة فكرة السيادة ذاتها في عالمٍ تتنازعه القوانين والوقائع، الأخلاق والقوة، الذاكرة والراهن. إعلان بيتر ماغيير عزمه تنفيذ مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، بما في ذلك تلك المتعلقة بـ بنيامين نتنياهو، هو حدث مشحون بدلالات فلسفية، كأن أوروبا الوسطى قررت فجأة أن تستيقظ من نومها القلق لتطرح سؤالا قديما: هل العدالة كونية حقا، أم أنها مجرد ظلّ طويل ترسمه القوة؟
طوال سنوات حكم فيكتور أوربان، كانت المجر أشبه بمرآة تعكس نزعة سيادية متصلبة، ترى في المؤسسات الدولية قيداًعلى الإرادة الوطنية. لكن مجيء ماغيير يشبه كسر هذه المرآة، أو ربما إعادة تشكيلها بحيث تعكس صورة أخرى: دولة تقرّ بأن انتماءها للنظام الدولي ليس خيارا انتقائيا، بل التزام أخلاقي وقانوني. هذا التحول لا يمكن قراءته فقط بوصفه انقلابا سياسيا داخليا، بل هو أيضا إعادة تموضع داخل هندسة السلطة العالمية. فالمجر، التي كانت تميل إلى خطاب “السيادة أولا”، تعلن الآن أن السيادة لا تكتمل إلا بالاعتراف بسلطة القانون فوقها. وهنا، تنقلب المعادلة: لم تعد الدولة هي الحكم النهائي، بل طرف في نظام أوسع، حيث العدالة تتجاوز الحدود.

يفتح هذا القرار بابا على سؤال عميق: ما هي العدالة عندما تمارَس عبر مؤسسات دولية؟ هل هي امتداد لأخلاق كونية، أم مجرد آلية سياسية مغلفة بلغة القانون؟ إن المحكمة الجنائية الدولية تمثل محاولة البشرية لصياغة “ضمير عالمي”، لكنها تظل محاطة بشكوك دائمة. فتنفيذ مذكرات التوقيف، خاصة ضد قادة دول، يدخلنا في منطقة رمادية حيث تتقاطع الأخلاق مع الواقعية السياسية. قرار ماغيير يبدو كأنه إعلان إيمان بأن العدالة ليست نسبية، وأن الجرائم الكبرى لا يمكن أن تمحى بسطوة المنصب أو تعقيدات التحالفات. لكن هذا الإيمان نفسه يحمل مفارقة: هل يمكن لنظام دولي غير متكافئ أن ينتج عدالة متكافئة؟ وهل تطبيق القانون على الجميع ممكن، أم أنه سيظل انتقائيا، يخضع لموازين القوى؟
في قلب هذا المشهد، تبرز صورة شبه سريالية: دعوة مفتوحة لزعيم ملاحق، تتجاور مع التزام باعتقاله. إنها تجسيد حيّ لثنائية السياسة: بين المجاملة الدبلوماسية والصرامة القانونية، بين لغة الهاتف الناعمة وحدّة النصوص. تصريح ماغيير -“لا أحتاج أن أقول كل شيء على الهاتف”- يبدو كجملة مقتطعة من رواية عبثية، حيث الحقيقة تخفى خلف طقوس البروتوكول. هنا، تتحول السياسة إلى مسرح تتجاور فيه الأقنعة، ويصبح القانون بمثابة نصّ صارم يفرض في لحظة ما، بغض النظر عن المجاملات السابقة.
هذا الحدث لا يخص المجر فقط، بل يضع أوروبا بأكملها أمام اختبار أخلاقي. فالقارة التي بنت هويتها الحديثة على قيم حقوق الإنسان وسيادة القانون، تجد نفسها اليوم مطالبة بإثبات أن هذه القيم ليست شعارات انتقائية. إذا نفذت المجر ما أعلنته، فإنها قد تفتح سابقة تحرج دولا أخرى، وتجبرها على الاختيار بين التزاماتها الدولية ومصالحها السياسية. وهنا، يصبح السؤال أكثر إلحاحا: هل أوروبا مستعدة لتحمل تبعات عدالة لا تستثني أحدا؟
في النهاية، يبدو قرار بيتر ماغيير كأنه محاولة للوقوف في منطقة مستحيلة: حيث تتلاقى الواقعية السياسية مع حلم العدالة الكونية. إنه أشبه بالسير على حبل مشدود فوق هاوية، حيث كل خطوة قد تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والقانون، بين القوة والحق. ربما لن يكون الطريق مستقيما، وربما ستتكسر هذه الرؤية على صخور المصالح الدولية. لكن مجرد طرحها، في هذا الزمن الملبّد بالبراغماتية، يحمل قيمة بحد ذاته. إنه تذكير بأن السياسة، رغم كل شيء، لا تزال قادرة على أن تكون مساحة للأسئلة الكبرى…تلك التي لا تبحث فقط عن ما هو ممكن، بل عمّا ينبغي أن يكون.
📲 Partager sur WhatsApp