بقلم زكية لعروسي، باريس
في أكتوبر 2025، بينما كان 705 ألف طالب في أوكسيتاني ينتظرون بفارغ الصبر قبولهم في الجامعة أو رفضهم، كان قراصنة مجهولون يتسللون إلى خوادم باركورسوپ بهدوء قاتل. لم يكسروا الأبواب، لم يحطموا النوافذ. دخلوا من باب الخدمة، حيث تُترك البيانات مكدسة كحقائب سفر في مطار مهجور. سرقوا الأسماء. سرقوا الألقاب. الجنسيات. تواريخ الميلاد. العناوين البريدية والإلكترونية. حتى أرقام الهواتف. كل ما يجعل الإنسان فريدا، كل ما يصنع هويته، تحول إلى ملف ZIP مضغوط، جاهز للبيع في سوق مظلم لا تعرف حدوده.
ومرت الأشهر. أكتوبر، نوفمبر، ديسمبر، يناير، فبراير، مارس، أبريل. سبعة أشهر كاملة، والعالم لا يعلم. سبعة أشهر، وبيانات705 ألف شاب تتنقل بين أيدي مجرمي الإنترنت كعملة معدنية متسخة. ثم، في 23 أبريل 2026، جاء الإعلان الرسمي: “لقد تم اختراقكم”. يا له من تأخير سينمائي! قبل أن نلوم القراصنة، دعونا نلوم أنفسنا قليلا. نحن، البشر المعاصرون، الذين نبيع خصوصيتنا مقابل تطبيق مجاني. الذين نضغط على “موافق” دون قراءة الشروط. الذين نعتقد أن إعطاء عنوان بريدنا الإلكتروني لمكتب التسجيل هو مثل إعطائه قطعة نعناع. ثم نتفاجأ بأن بياناتنا “سُرقت”. السرقة! كأنها كانت في خزانة حديدية. والحقيقة أنها كانت على خادم إلكتروني، يحرسه فريق تقني ربما كان منهمكا في مشاهدة مباراة كرة القدم.

دعنا قارئي الكريم نقرأ بيان وزارة التعليم العالي: «تم اختراق بيانات حوالي 705 ألف مرشح». يا له من رقم! 705 ألف إنسان. 705 ألف قصة. 705 ألف شاب وفتاة كانوا يحلمون بدخول الطب أو الهندسة أو الأدب. تحولت أحلامهم إلى صف أرقام في جدول إكسل. ثم إلى بريد إلكتروني في يد لص يجلس في قبو مظلم في مكان ما من العالم، يحتسي القهوة ويخطط لبيعهم إلى أعلى مزايد. تذكرني هذه الكارثة برواية “الجريمة والعقاب” لدوستويفسكي. ليس لأن فيها جريمة – هذا واضح – بل لأن فيها سؤالا فلسفيا عميقا: ما قيمة الإنسان حين تتحول خصوصيته إلى سلعة؟
في الرواية، قتل راسكولنيكوف المربية العجوز ليأخذ مالها. هنا، القراصنة يسرقون البيانات ليأخذوا ماذا بالضبط؟ هوية الآخرين؟ قدرتهم على التقدم لوظيفة؟ مستقبلهم الجامعي؟ الرهبة الحقيقية ليست في فقدان البيانات. الرهبة في أننا أصبحنا نتعامل مع أنفسنا كأرقام. الطالب رقم 705001، صاحب الرقم الضريبي كذا، صاحب البريد الإلكتروني الفلاني. وعندما يُسرق هذا الرقم، لا نشعر بألم حقيقي… نشعر بانزعاج إداري. نحن متهمون وجالسون في قفص الاتهام. متهمون بأننا وافقنا على هذا العالم. متهمون بأننا فضلنا الراحة على الأمان. متهمون بأننا ضحكنا عندما قال لنا أحدهم ذات مرة: “احذروا، الإنترنت ليس آمنا». وقلنا له: “أنت جبان، هذا هو المستقبل”. حسنا، ها هو المستقبل. مستقبل مليء بالقراصنة. مستقبل لا يمكنك فيه التقدم لامتحان القبول دون أن تبيع جزءا من روحك. مستقبل تتنفس فيه رقمية أكثر مما تتنفس هواء. فإلى أين نحن ذاهبون من هذا الاقتحام؟
ليس السؤال: كيف نحمي بياناتنا؟ فالإجابة معروفة ولكننا لا نطبقها. السؤال الحقيقي: هل البيانات المسروقة تساوي أقل منا نحن البشر؟ تأمل معي هذه المقارنة: عندما يُسرق هاتفك، تشعر بالغضب. عندما تُسرق هويتك الرقمية، تشعر بالضياع. لماذا؟ لأن الهاتف يمكن استبداله. أما الإسم، وتاريخ الميلاد، والعنوان، والجنسية – هذه لا تُستبدل. هذه هي أنت في أنقى صورك الإدارية. فاقد هذه البيانات هو فاقد لظله. في أوروبا، لدينا الـGDPR، هذا القانون العظيم الذي يعدنا بحماية بياناتنا. ونحن نردد اسمه بخشوع، كما يردد المؤمن اسم قديسة. لكن الحقيقة أن الـGDPR مجرد درع ورقي في مواجهة سيوف رقمية. في أوكسيتاني، 705 آلاف شاب لم يعودوا أفرادا. صاروا مجرد إدخال في قاعدة بيانات مخترقة. صاروا سطرا في ملف نصي. صاروا فكرة مجردة تقرأها عيون لصوص لا تعرف الندم.

الآن، دعني أسرد لكم قرائي الأعزاء ما يشبه النكتة: وزارة التعليم العالي أعلنت عن الاختراق بعد سبعة أشهر. سبعة أشهر! خلال هذه الفترة، ربما استخدم القراصنة بيانات الطلاب لفتح حسابات مصرفية، أو التقدم للحصول على قروض، أو حتى التسجيل فنعم…في باركورسوپ مجددا! فما الذي يمنع؟ هذه هي السخرية السوداء: الشباب الذين ينتظرون قبولهم الجامعي قد يكتشفون أن «نسخة أخرى» منهم قد سُجلت في جامعات وهمية، أو استخدمت اسمهم في عقود إيجار مزيفة، أو ربما – لم لا – في قوائم الناخبين في بلد آخر.
العالم أصبح كرنفالا. والجميع مدعوون. اللص يرقص إلى جانب الضحية. والبيانات تطير في الهواء كفراشات سوداء. ونحن نقف جميعا على المسرح، نصرخ: “هذه ليست أنا!” لكن لا أحد يصدق. في رواية “الأخوة كارامازوف”، يسأل أليوشا: “ما الذي يخلص العالم؟” ويجيب: “الجمال”. أما اليوم، فسؤال مختلف: ما الذي يخلص بياناتنا؟ الإجابة المحزنة: لا شيء. يمكننا تشفيرها، حمايتها، وضع كلمات مرور معقدة، تفعيل التحقق بخطوتين… لكن في النهاية، هناك دائما ثغرة. هناك دائما باب خلفي. هناك دائما موظف مهمل أو نظام قديم أو قرصان ذكي.
الخلاص الحقيقي هو أن ندرك أننا نعيش في عصر الشفافية القسرية. عصر لا يمكنك فيه إخفاء أي شيء. عصر تكون فيه بياناتك مرآتك، وهذه المرآة مكسورة. أما 705 آلاف شاب في أوكسيتاني، فقد تعلموا درسا قاسيا: قبل أن تسأل عن قبولك في الجامعة، اسأل أين ذهبت بياناتك. لأن الجامعة ستمنحك شهادة قد تفتح لك أبوابا، لكن بياناتك المسروقة قد تغلقها جميعا إلى الأبد. هكذا هو العالم الجديد: لا تحتاج إلى عدو ليدمرك. فقط يحتاج إلى اسمك وتاريخ ميلادك وعنوان منزلك. والباقي سيأتي وحده.
📲 Partager sur WhatsApp