سبحان من علّم الفيلة ما لم نتعلم

بقلم زكية لعروسي، باريس

لا يرون البرق بعد، ولا يسمعون الرعد، ولا يحسون أول قطرة على جلدهم السميك. لكنهم يعلمون. يعلمون أن المطر قادم من أفق بعيد جدا، قبل أن يعلم به أي إنسان، وقبل أن تسجله أي قمر صناعي. كيف؟ عبر شيء لا نملكه نحن البشر، أو نملكه ثم ننساه: السمع بالأقدام. الفيلة، تلك الجبال الممتشحة بالجلد والحكمة الصامتة، تلتقط الاهتزازات التي تولدها العواصف على بعد 250كيلومترا. إنها ليست معجزة، بل فيزياء حية تعيشها خلاياها. العواصف تطلق أمواجا تحت صوتية (إن فرسون) تمر في الأرض والماء والهواء. والفيل يسمعها لأن في قدميه مستشعرات أشبه بأسلاك تلغراف بدائي، يصل إلى جذعه وعظم أذنه الداخلية، فيترجم الصمت إلى يقين، والغيب إلى بوصلة.

يتوقف القطيع فجأة، تلتفت الأمهات العجائز، ترفع خراطيمها عاليا، ثم تضرب بها الأرض وكأنها تختبر النبض. ثم يمشون عشرات الكيلومترات في خط مستقيم تقريبا، واثقين، دون تردد. وبعد أيام، تمطر حيث ذهبوا. نحن، البشر المعاصرون، نحب أن نستعير أسماء الحيوانات لنصف بعضنا البعض. نقول: “الجزار”، “الضبع”، “الثعلب”، “الحمار”، “الحية”. وللفيل نصيب من هذه الفجاجة: نقول “فيل” لمن هو ضخم الجثة قليل الذكاء، أو لخَزَنَةِ السلاح النووي في العبارات الإعلامية الرثة: “الفيل النووي يتحرك”، “فيلة البورصة تهوي”، “الفيلة البيضاء للمشاريع الفاشلة”. نفرغ الحيوان من روحه الكبيرة، ونضغطه في طابع بريدي سياسي ميت، لنصف بلادة قادة أو فساد مشاريع. لكن الفيل الحقيقي ليس كذلك. الفيل الحقيقي يستمع إلى الأرض تتحدث إليه، ونحن الذين فقدنا القدرة على الاستماع إلى أرضنا.

أتدري ما قاله الجاحظ عن الفيل في كتاب “الحيوان”؟ قال: “أعقل البهائم وأصدقها ودا وأحفظها للصنيعة”. وقالوا في التراث العربي: الفيل لا ينسى من أساء إليه أبدا، ولا من أحسن إليه. وهو يحمل عظام موتاه ويدفنها في أماكن خاصة، كأن له طقوس جنائزية. أليست هذه هي السمات التي نبحث عنها في السياسي الحكيم؟ وللأسف، السياسي المعاصر أقرب إلى الضبع الأجرب منه إلى فيل حكيم. لنخرج قليلا من الأساطير وندخل إلى علم الحيوان المسلي: يقول العلماء إن الفيل الإفريقي أكبر حجما وأطول أذنا، وأكثر شراسة للدفاع عن نفسه. والفيل الآسيوي أصغر أذنا، وأكثر قابلية للترويض والتدريب على الأعمال. لكن من أذكى الاثنين؟

يقول بعض الباحثين إن الفيل الإفريقي أكثر تعقيدا اجتماعيا، لأنه يعيش في قطعان هائلة تحتاج إلى تواصل مستمر عبر المسافات الطويلة في السافانا القاسية. ولذلك قد يكون “أكثر دراية بالحياة”، إذا جاز القول. أما الفيل الآسيوي، فقد رافق الإنسان آلاف السنين، في الهند والصين وسيام، فتعلم منه حيلا في الطاعة، لكنه حافظ على شعور بالكرامة لا ينكسر. في تراثنا العربي والإسلامي، ذُكر الفيل بشكل شهير في سورة الفيل. “ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل”. هؤلاء الجيش الذي جاء به أبرهة الأشرم لهدم الكعبة، وكان معه فيل ضخم يقال له “محمود”. ولما أرادوا توجيهه نحو الكعبة، رفض الجلوس أو التقدم، فلما وجهوه نحو اليمن أو الحبشة هرول. هل كان هذا الفيل يمتلك وعيا سياسيا؟ أم غريزة أخلاقية؟ إنها حكاية عجيبة: فيل يعترض على حرب ظالمة، ويختار أن لا يشارك، فيصبح في الموروث “رمزا للرفض السلمي العظيم”. فهل نجد اليوم قائدا بهذا الحجم من الشجاعة؟ لو أردنا استعارة الفيل سياسيا بشكل عميق وجديد (لا استعارة “الحمار الأبيض” أو “الفيل الأخرق”)، فسنقول: السياسي الناجح هو الذي يمتلك حاسة الاستماع للأرض. الذي يعرف متى تأتي العواصف قبل أن تراها عيناه. الذي يغير المسار قبل أن تبلله أول قطرة. الذي يفهم الاهتزازات الخفية في المجتمع كما يفهم الفيل الاهتزازات الخفيفة في قشرة الأرض.

لكن السياسة الحديثة هي عكس ذلك تماما. إنها سياسة “الرعد المصطنع”: نصنع ضجيجا عاليا لنخفي أننا لا نسمع شيئا. نطلق التصريحات كالمدفعية، ونردد الشعارات كالبراغي، ونركب طائراتنا المسيرة لنصور أنفسنا على أننا نتحكم. الفيل لا يحتاج إلى طائرة مسيرة ليعرف أين المطر. هو يحتاج فقط إلى أن يصمت ويضع جذعه على الأرض. نحن أمة صاخبة بلا مطر. نخاف أن نلمس الأرض بأقدامنا العارية خوفا من أن نعلم حقيقتنا. نخاف من الهدوء لأنه يكشف ضعف حواسنا. ولذلك نهرول وراء السياسيين الذين يصعقوننا بالعواصف الإعلامية، ولا نتبع الفيلة التي تعرف طريق الماء الحقيقي.

كان أرسطو، في كتابه “تاريخ الحيوانات”، مبهورا بالفيل. قال عنه: إنه “الحيوان الذي يتفوق على سائر الحيوانات في الذكاء والطاعة”. ووصف كيف يستخدم خرطومه كيد ثالثة، وكيف يبكي على موتاه، ويميز بين الإطراء الحقيقي والتملق الزائف. ديونيسيوس، في مستعمرات اليونان، استخدم الفيلة في حروبه، لكنه عانى كي يفهمها. كان يعتقد أنها تموت إذا لم تشرب الخمر، ويخاف من خبطات أقدامها على الأرض الحجرية. كان يتعامل معها كآلة حرب، لا ككائن حساس. فخسر معاركه. أما الرومان، حطّوا من قيمة الفيلة حين حولوها إلى “سيرك دموي”، يحشرونها في الساحات لتقاتل الثيران أو العبيد المدججين بالرماح. فيل بلا كرامة، فيل مذلول، فيل أهانته الإمبراطورية… ليس فيلا. وفي هذا تشبيه سياسي مرير: حين تُستخدم قدرات الحكمة والكشف للقتل والعرض والاستعراض، يصبح أقوى المخلوقات أضحوكة.

دعني ,قارئي, أطرح فكرة واحدة مجنونة: ماذا لو كانت الديمقراطية التشاركية الحقيقية تحتاج إلى “مجلس فيلة”؟ لا تقصد أن يحكمنا الفيلة، بل أن توجد مؤسسة في الدولة مهمتها الاستماع إلى الأرض، إلى الاهتزازات البطيئة والناعمة، قبل أن تتحول إلى ثورات وإعصار. مؤسسة تعمل في صمت، وتغير المسار دون ضجيج. مؤسسة لا ترسل برقيات نارية، بل تمشي ببطء لكن بثقة. لا تملكها دول اليوم. كل ما نملكه هو “وزارات للتنبؤ” تصدر تقارير كل ستة أشهر لا يقرؤها أحد. وفريق “استشعار مبكر” للأزمات، لا يستشعر شيئا إلا بعد فوات الأوان. نحن نعيش زمن السياسة التفاعلية، النابضة بالردود، الفارغة من الاهتزاز الحقيقي العميق.

أتركك, قارئي العزيز, هنا مع صورة واحدة: فيل عجوز يقف على تل في سهول تنزانيا. قاد قطيعه لمسافة 130 كيلومترا نحو واد جاف. الجميع  ظن أنه أخطأ الطريق. بعد ثلاثة أيام، جاء السيل. ولم يكن في الوادي جافا بعد أن شربت الفيلة أولى زخات المطر التي سمعتها أقدامها وهي لا تزال على بعد مائتين. هذا هو الفيل. ليس مجرد حيوان ضخم. إنه مختبر متنقل للحكمة الغريزية التي نفتقدها. وربما لو منحنا قادة العالم جزءا من أذن الفيل الداخلية، ووضعوا أقدامهم الحافية على التراب لمرة واحدة بدل الأحذية الجلدية السميكة التي تعزلهم، لعرفوا متى يغيرون المسار قبل أن يغرقوا الجميع في الطين. أما نحن، فنجلس أمام شاشاتنا نتابع عاصفة بعد عاصفة، ولا نتحرك. نحن لسنا فيلة، بل تماثيل في حديقة حيوان ذاكرة. نحتاج إلى هزة أرضية حقيقية لنحس. ولن يحس أحد بشيء قبل أن يخلع حذاء الغطرسة ويلصق قدميه العاريتين على جلد الأرض التي خلقنا منها. فسبحان من علّم الفيل ما لم نتعلم، وعلّمنا من جهلنا ما لو عملنا به لسكنّا في المطر قبل أن يأتي.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *