متحف أورساي يحوّل السرقة إلى مرآة للتاريخ

بقلم زكية لعروسي، باريس

باريس، قاعة “إم إن آر” تحت قبوات محطة أورساي العتيقة، حيث كانت القاطرات البخارية تشخر متجهة نحو الجنوب الغربي، دُشنت آلية زمنية جديدة. في الرابع من مايو 2026، افتُتح فضاء يحمل اسما بريئا: “لمن تنتمي هذه الأعمال؟”. لكن خلف اللافتة، ها هو الهاوية. لوحات رينوار، ديغا، بودان – لا تنظر إلى الزائر. بل تقذفه بسؤال معلق منذ ثمانين عاما. إنها الناجيات الصامتات لأكبر عملية سلب منظمة في العصر الصناعي.

هذا ليس معرضا. إنه غرفة أصداء فلسفية. الإطار الافتتاحي لا يحتفل بالفن للفن، بل يجعل منه جرحا مكشوفا. على الجدران ذات اللون الحجري، ترقد 225 عملا من برنامج “المتاحف الوطنية للاسترداد”. هي ناجيات تسونامي: من بين 100 ألف ملك ثقافي اعترف رسميا بنهبها من عائلات يهودية تحت الاحتلال، أعيد 60 ألفا عند التحرير، وبيع البعض الآخر بيعا وحشيا من قبل الدولة الفرنسية مطلع الخمسينيات. أما هذه الأعمال الـ 225 في أورساي، فهي هيكل عظمي لذكرى لم تهضم بعد. ترتجف في مطهر متحفي.

الصورة الأولى التي تصعق الزائر ليست تصويرية، بل شبحية. الضوء المائل يوقظ التشققات. كل لوحة تشبه مريضا تحت تخدير ضاع ملفه الطبي. على بطاقات سوداء، تتحول الشروحات إلى محققة: “أصل غير مؤكد. جامع يهودي رحّل. بيع تحت الإكراه عام 1942”. تمر العين على لوحة باستيل لديغا، “عشاء في حفلة راقصة”، إلى منظر بحري لبودان. وراء السماء القطنية، هناك الجحيم. يقول فرانسوا بلانشير، أمين المنحوتات، بجفاء: “بعد أكثر من ثمانين عاما من نهاية الحرب، أصبح تحديد المالكين أصعب فأصعب”. هذه الصعوبة ليست تقنية. إنها وجودية. فكيف تعثر على ظل رجل حين انتهى اسمه في غرفة غاز أو في حقيبة مهجورة في محطة الشرق؟ يتحول المتحف هنا إلى مقبرة مقلوبة: الممتلكات هي التي تبكي موتاها، وليس العكس.

شاشات تفاعلية تعرض طبقات شفافة: الوجه الأمامي للوحة، ثم خلفها. على الظهر، ملصقات صالات المزادات الباريسية تحت الاحتلال، أختام “فِرقة روزنبرغ الخاصة” – الجيش النازي لنهب الثقافة. اليوم، يحاول الذكاء الاصطناعي، كعالم آثار مستقبلي، أن يزاوج بين قواعد البيانات. إنيس روتيرموند-رينار، المسؤولة عن الملف، تتحدث عن “تحقيق بوليسي”، عن “رواية سوداء”. هي محقة. لكل لوحة رقم هوية، ومسيرة تهريب، وفاتورة مزورة.

الأكثر رعبا هو المقابلة. في الطرف الآخر من القاعة، داخل نافذة مخملية، ترقد صورة فوتوغرافية صفراء: رجل يرتدي معطفا، يبتسم أمام حامل رسم. هو المالك المفترض للوحة ديغا. كان اسمه مويس، جامع ألماني، رحّل إلى أوشفيتز عام 1943. لا يُعرف متى ولا كيف تغيرت اللوحة. هذا الصمت هو العمل الحقيقي المعروض. وهنا تستحضر روح الفيلسوف بول ريكور: التاريخ يواجه دائما “جرح الهوية السردية”. العمل الفني نجا، لكن القصة انفطرت. كل ضربة فرشاة تصبح شاهدا في محكمة الذاكرة. الباستيل الناعم يخفي صرخة. الألوان الزيتية تتكثف إلى دماء جافة. لكن خيوطا من العدالة تلمع في الأفق. في أبريل 2026، أمرت المحكمة العليا في ولاية نيويورك بإعادة لوحة موديلياني منهوبة إلى وريثها الوحيد: فلاح فرنسي في دوردوني. كل إعادة، مهما تأخرت، تنزع فتيل قنبلة فلسفية: هل ملكية العمل الفني أبدية؟ هل يمكن أن تمتلك ما انتزع على إيقاع الأحذية العسكرية؟

لوحة تسافر عبر الزمن، تصمد في متحف ألماني لعقود، ثم فجأة، يُكتشف أنها حلم شخص آخر. وكما قال الفيلسوف الألماني ثيودور أدورنو: “الوحشية لا تزال ممكنة حتى بعد أوشفيتز”. لكن إعادة العمل الفني هي شكل من أشكال الترياق. إعلان أن التاريخ لم يمت، وأن الجروح يمكن أن تلتئم ولو رمزيا. المتحف هنا يراهن على فرضية عظيمة: عرض الأعمال وهي في حالة “انتظار”. هذه القاعة ليس مكان ذاكرة جامدا، بل قاعة محكمة دائمة. الفن لم يعد جماليا، بل أصبح دليلا ماديا. الزائر لم يعد متأملا، بل محلفا.

أمام لوحة باستيل لرينوار بألوان المشمش، سؤال يثقبه: ماذا لو كنت أنت الوريث؟ ماذا لو كانت أعظم دروس التاريخ هي أن لا تطفئ الملف أبدا؟ أن ترى لوحات كانت مخصصة لقصور الأغنياء، معروضة الآن في “قاعة البائسين”. حركة دائرية: من برلين النازية – إلى قبو متحف – إلى جدار مكشوف. كل بقعة طلاء تحكي قصة تهريب عبر الحدود، و ابتسامة زائفة لجست ابوي، وقطار شحن يغادر نحو الشرق. والغريب أن اللوحات لا تتكلم، لكن جدران المتحف تصرخ.

وهكذا، في المحطة القديمة، يقف قطار متوقف. قطار ذاكرة لن يصل أبدا إلى الرصيف. لكن لا يهم. في هذا التعليق الإمبراطوري، بين الجدران والفراغ، تستعيد الإنسانية ما يعرفها: القدرة على ألا تدع السرقة تصبح طبيعة ثانية. هذه القاعة ليست نهاية رحلة، بل بداية متاهة جديدة. إنها دعوة مفتوحة: تعال، انظر، واسأل. اسأل اللوحة: من أنت حقا؟ واسأل نفسك: ما الذي أملكه أنا اليوم، وقد يكون مسروقا من روح غارقة في زمن مضى؟

الأشياء المسروقة، كما في الأساطير القديمة، تحتفظ بجزء من روح أصحابها. المتحف هنا كالمعبد اليوناني: تقدم إليه القرابين لاسترضاء الأرواح. لكن الأرواح لا تزال حزينة. كل مساء، بعد إغلاق الأبواب، يُقال إن الحراس يسمعون حفيفا … حفيف أقدام موتى يبحثون عن لوحاتهم. البحث مستمر. ولن ينتهي أبدا.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “متحف أورساي يحوّل السرقة إلى مرآة للتاريخ

  1. أبرز ما ينجح في النص هو هذا الجو “الجنائزي” الذي يلفّ الأعمال الفنية، خصوصًا حين تصفها بأنها “ناجيات” أو “هيكل عظمي لذكرى”. كذلك الانتقال من الوصف المادي (القاعة، الضوء، البطاقات) إلى البعد الفلسفي (الملكية، الذاكرة، الغياب) تم بسلاس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *