حناء في يد الزمن: لالا فاظمة وأزمة المعنى؟

بقلم زكية لعروسي, باريس

في المغرب، لم تعد الأسرة تلك الشجرة العتيقة التي كانت تُظلّل الجميع بنفس الظل. لم تعد “الدار الكبيرة” حيث الجدّ ينام قرب الباب، والجدة تضع الحناء في يد الزمن كي لا يهرم، والأم تطبخ للجيران قبل الأبناء، والخال يدخل بلا استئذان كأنه أحد أعمدة البيت، والعمة تُربي أبناء أخيها كما لو كانوا خرجوا من رحمها. كل ذلك صار يشبه صورة باهتة في صالون قديم… صورة يأكلها الغبار بينما أصحابها ماتوا أو هاجروا أو صاروا غرباء في مدن الإسمنت.

المغرب تغيّر. لكن القوانين، والعقول الكسولة، وبعض الخطباء الذين يعيشون بعقول القرن الماضي، ما زالوا يظنون أن “لالة فاطمة” ستدخل من باب الدار وهي تحمل الخبز الساخن و”القفة” المليئة بالخضر، وتصرخ بصوتها القروي الدافئ:
“آجي آ ولدي… راه الغدا واجد.” يا للسذاجة. لالة فاطمة ماتت رمزيا. لم تمت بيولوجيا فقط، بل مات نموذجها الاجتماعي.
ماتت المرأة التي كانت تعتبر العائلة دينا مقدسا، وتعتبر التضحية نوعا من الفطرة، وتؤمن أن ابن الأخ هو ابنها، وأن الجار نصف القلب، وأن “اللمة” أهم من الراحة النفسية. لقد جاء جيل جديد لا يشبهها. جيل خرج من رحم العولمة لا من رحم “الدوار”.
جيل ربّته الهواتف أكثر مما ربّته الجدّات. جيل يعرف “نتفليكس” أكثر مما يعرف أسماء أبناء العمومة. جيل يتقن الإنجليزية الرقمية لكنه يجهل لغة “السلام عليكم آ العائلة”. جيل يعيش وحيدا حتى وهو داخل البيت.

نحن لسنا في مغرب التسعينيات. ذلك المغرب انتهى، وانتهت معه الأسرة كملاذ نفسي مقدّس. اليوم صار البيت يشبه محطة قطار: الأب يدخل متعبا كموظف مطارد من الفواتير، الأم تحترق بين العمل والضغط والعصاب الصامت، الابن يعيش داخل سماعاته، والابنة تفتّش عن ذاتها في عالم لا يعترف بالدفء. أما “الأسرة الممتدة” التي كانت مثل شجرة زيتون عتيقة تحمي الجميع، فقد تحولت إلى ظلّ بعيد في الذاكرة. لقد انتصر الفرد على الجماعة. وانتصرت “الأنا” على “نحن”. العولمة لم تأت بالديمقراطية فقط، بل جاءت أيضا بتفكك المعنى. أعادت تشكيل الإنسان المغربي من الداخل، بهدوء يشبه تسرب الماء داخل الجدران القديمة. لم تعد الأسرة مؤسسة وجدانية، بل صارت عقدا هشا بين أفراد خائفين من بعضهم البعض. الأم لم تعد تضحي كما كانت. والأب لم يعد يتحمل كما كان. والإبن لم يعد يطيع كما كان. والبنت لم تعد ترى الزواج قدرا مقدسا. كل شيء تغير… إلا الخطاب المقنن الذي ما يزال يتحدث عن الأسرة كما لو أننا في زمن آخر.

الإحصائيات الأخيرة ليست مجرد أرقام؛ إنها صفعة حضارية. حين يقول أكثر من نصف الشباب إنهم لا يريدون الزواج، فالمشكلة ليست في “فساد الجيل”، بل في انهيار الثقة في مؤسسة الأسرة نفسها. الشاب المغربي لم يعد يرى الزواج بيتا، بل يراه عبئا اقتصاديا ونفسيا. والفتاة المغربية لم تعد ترى فيه الأمان، بل احتمالا آخر للخذلان. لقد صار الحب نفسه خائفا. في الماضي كان الفقر يجمع الناس. اليوم الرفاه النسبي فرّقهم. كان الناس يأكلون الخبز والزيت لكنهم يضحكون من القلب.
اليوم يأكلون بصمت، وكل واحد غارق داخل شاشته. صرنا نعيش نوعا جديدا من اليتم: اليُتم العاطفي داخل العائلة. أخ يمر قرب أخيه كالغريب. أبناء لا يزورون آباءهم إلا في الأعياد أو عند الضرورة. أمهات يتحولن إلى آلات تعب صامتة. وعائلات كاملة تتبادل الصور في “واتساب” أكثر مما تتبادل الأحضان. حتى الأعياد فقدت روحها. صار العيد يشبه واجبا اجتماعيا أكثر من كونه فرحا جماعيا. يا للمفارقة… المغرب الذي كان يضرب به المثل في التضامن العائلي، صار اليوم يقترب من الفردانية الحديثة، لكن دون أن يمتلك شبكات الحماية النفسية والاجتماعية التي بنتها مجتمعات أخرى. فصرنا نعيش هشاشة مضاعفة: تفكك العلاقات… دون استقلال حقيقي. وضغط التقاليد… دون دفئها القديم.

القانون المغربي ما يزال يتحدث عن الأسرة كأنها قلعة متماسكة، بينما الواقع يقول إنها تتشقق من الداخل مثل بيت قديم في شتاء طويل. هناك مغربان إذن: مغرب رسمي يعيش في النصوص، ومغرب حقيقي يعيش في المقاهي، والشقق الضيقة، ومحاكم الأسرة، وصفحات الهجرة، وغرف العلاج النفسي. المشكلة ليست أن الأسرة تغيّرت. كل المجتمعات تتغير. المشكلة أن الإنسان المغربي صار متعبا روحيا. متعبا من الجميع. خائفا من الجميع. يشك في الجميع. وهنا تكمن الكارثة الحقيقية:
حين تتحول الأسرة من حضن إلى عبء، ومن دفء إلى تفاوض يومي بارد، ومن “لمة” إلى ساحة أعصاب.

كان المغاربة يقولون قديما: “اللِّي ما عندو كبير يشريلو كبير.” أما اليوم فالكثيرون صاروا يريدون الهروب حتى من “الكبير” نفسه. لسنا أمام أزمة أسرة فقط. نحن أمام أزمة معنى. أزمة انتماء. أزمة إنسان فقد يقينه القديم ولم يبنِ يقينا جديدا. إنها ليست نهاية الأسرة تماما…بل نهاية الصورة القديمة عنها. أما الحقيقة الجديدة، فهي أكثر قسوة: الناس لم يعودوا يبحثون عن …يتبع“العائلة الكبيرة”، بل عن شخص واحد فقط…شخص يمنحهم قليلا من الطمأنينة في هذا العالم البارد.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “حناء في يد الزمن: لالا فاظمة وأزمة المعنى؟

  1. في القوة النووية أمسى كل شيء نووي، حتى الأسرة. لقد تلاش حضور الأسرة الممتدة، لتطفو على السطح الأسرة النووية.
    الوضع العام السوسيو- اقتصادي والتحولات الثقافية العالمية التي تحكم فيها مفهوم الشغل بالنسبة للمرأة، انتهت بتأسيس نمط جديد لتدبير العلاقات المرتبطة بمفهوم الأسرة الحديثة، التي غالبا ما تم التسويق لصورتها إعلاميا، بحيث ان النموذج هو أب، أم، على الأكثر إبنان + السكن في شقة + شراء سيارة+ حساب بنكي واحد، لضبط اقتصاد الأسرة النموذج+ المدرسة هي من تتكفل بالتربية منذ الطفولة الأولى.
    هذه هي الصورة النموذج للأسرة الحديثة، ما جعل الأسرة الممتدة تنفجر. وفي العالم القروي وصلت العدوى بحكم انجداب الشباب المتمدرس بأوهام المدينة….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *