باب المندب كذراع لطهران
مذكرة جيوسياسية بقلم د. عبد الرحمان مكاوي-باريس
في اليمن، لم تعد الحرب مجرد صراع على صنعاء، ولا مجرد فصل آخر من الحرب الأهلية التي أنهكت البلاد منذ أكثر من عقد. ما يحدث الآن هو شيء أكثر خطورة: التحام حرب داخلية بحرب إقليمية، وتحول الجغرافيا اليمنية من ساحة خلفية إلى إحدى أهم روافع الصراع بين إيران والولايات المتحدة وحلفائهما. في هذه المعادلة، يمكن اختصار موقع أنصار الله بثلاثية سياسية وعسكرية: الرأس في صنعاء، القلب في صعدة، والمحفظة والسلاح في شبكة الدعم الإيرانية. لكن اختزال الحوثيين في كلمة «وكيل» سيكون تبسيطا مضللا. فالحركة ليست نسخة يمنية من حزب الله، ولا تنظيما يأتمر بأوامر طهران كما يأتمر حزب مركزي بقيادته. الأدق أنها حليف مستقل استراتيجياً، يعتمد على إيران اعتماداً عميقاً في التكنولوجيا والسلاح والخبرة والتمويل. وهنا تكمن خطورتها.
أولا: الحوثيون ليسوا مجرد وكيل إيراني
خرجت حركة أنصار الله من البيئة الزيدية في شمال اليمن خلال تسعينيات القرن الماضي، ثم تحولت، عبر حروب صعدة والصدام مع نظام علي عبد الله صالح، إلى حركة مسلحة ذات مشروع سياسي وعسكري. قُتل مؤسسها حسين بدر الدين الحوثي عام 2004، وانتقلت القيادة لاحقا إلى شقيقه عبد الملك الحوثي. وفي 2014، اجتاحت الحركة صنعاء وأطاحت بالحكومة المعترف بها دولياً، قبل أن تتدخل السعودية عسكريا في 2015. ومنذ ذلك الحين، تبلورت واحدة من أكثر الحروب تعقيداً في الشرق الأوسط: حرب أهلية يمنية، وحرب بالوكالة بين قوى إقليمية، وصراع على الموانئ والممرات البحرية والطاقة. اليوم يسيطر الحوثيون على صنعاء وعلى معظم شمال اليمن، في مناطق تضم نحو 65% من السكان، وفق توصيف رويترز للصراع اليمني.
أما العلاقة مع إيران، فلم تعد موضع جدل جدي في أصلها. فقد وثقت وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية انتقال أسلحة ومكونات إيرانية إلى الحوثيين، بما في ذلك مكونات لصواريخ باليستية وكروز، وطائرات مسيرة، وأنظمة دفاع جوي. وتقول الوكالة إن الولايات المتحدة وشركاءها اعترضوا منذ 2015 ما لا يقل عن 20 سفينة تهريب إيرانية كانت تحمل معدات متجهة إلى الحوثيين. لكن الاعتماد على إيران لا يعني التبعية الكاملة لها. فالهوية الحوثية يمنية وزيدية في جذورها، والحركة لا تتعامل مع مبدأ ولاية الفقيه بالطريقة التي يتعامل بها حزب الله مع المرجعية الإيرانية. ولذلك فإن العلاقة الأدق هي علاقة تمكين استراتيجي متبادل: تحصل طهران على ذراع متقدمة على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ويحصل الحوثيون على التكنولوجيا والخبرة والقدرة النارية التي يصعب عليهم إنتاجها بمفردهم.
ثانيا: من ميليشيا محلية إلى قوة صاروخية إقليمية
التحول العسكري الحوثي لم يحدث في ليلة واحدة. بعد السيطرة على مؤسسات الدولة وترساناتها العسكرية في 2014، ورثت الحركة جزءا مهما من الأسلحة اليمنية. ثم جاءت سنوات الحرب لتفتح الباب أمام تدفق التكنولوجيا والمكونات والخبرات الإيرانية، بالتوازي مع تطوير قدرات تصنيع وتجميع محلية. وتشير الأدلة الأمريكية إلى أن العلاقة العسكرية مع إيران تطورت من دعم محدود إلى منظومة أكثر تعقيداً تشمل الصواريخ الباليستية، وصواريخ كروز، والطائرات المسيرة، والقدرات البحرية، فضلاً عن التدريب والدعم الفني. وهنا حدث التحول النوعي. فالتهديد الحوثي لم يعد محصوراً في الجبهة اليمنية. منذ 2023 أثبتت الحركة قدرتها على تهديد السفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن، وربطت عملياتها بالصراع في غزة، ثم أصبحت لاحقاً قادرة على الضغط على السعودية وعلى المصالح الإسرائيلية. وبذلك تحولت أنصار الله من حركة تخوض حربا على الأرض اليمنية إلى قوة قادرة على إسقاط كلفة الحرب على المجال البحري والطاقة والتجارة الدولية. وهذه هي النقلة التي جعلت اليمن قضية تتجاوز اليمن.
ثالثا: سبتمبر 2026 … اللحظة التي تغيرت فيها قواعد اللعبة
جاء صيف 2026 ليكسر الهدوء النسبي الذي أعقب هدنة 2022. في 13 يوليو، أطلقت الحركة صواريخ على السعودية بعد اتهامها المملكة بقصف مطار صنعاء لمنع طائرة إيرانية من الهبوط. وأكد التحالف السعودي اعتراض الصواريخ، فيما قالت الحكومة اليمنية إن استهداف مدرج المطار كان لمنع الطائرة الإيرانية من استخدام المجال الجوي اليمني. وهكذا انهارت عملياً إحدى أهم ركائز التهدئة التي استمرت منذ 2022. ثم جاء سبتمبر. في الثالث من الشهر بدأت أنصار الله هجوماً واسعاً على مواقع القوات الحكومية المدعومة من السعودية. وفي غضون أيام تحولت العملية إلى اختراق استراتيجي للساحل الغربي. سقطت المخا، ثم ذباب، ثم جزيرة ميون في قلب باب المندب، وتبع ذلك تمدد إلى جزر حنيش ومناطق أخرى. وقدرت مصادر متعددة مساحة الأراضي التي استولت عليها الحركة بنحو 5,400 كيلومتر مربع. لم تكن أهمية المخا في حجمها وحده. أهميتها الحقيقية أنها تقع على شريان بحري يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي. أما ميون، فقصتها مختلفة تماماً. من يملك موطئ قدم عسكريا على الجزيرة الواقعة في قلب باب المندب لا يحتاج إلى إغلاق المضيق فعلياً كي يملك ورقة ضغط هائلة. يكفي أن يمتلك القدرة على جعل المرور فيه محفوفا بالمخاطر. وهذا بالضبط ما يجعل التطور الأخير أخطر من مجرد تقدم عسكري حوثي. إنه انتقال من تهديد الملاحة إلى امتلاك جغرافيا التهديد.
رابعا: إيران تدخل الحرب من الباب اليمني
الأهم من سرعة التقدم الحوثي هو ما رافقه من دعم إيراني. تحقيق رويترز في 10 سبتمبر نقل عن مصادر يمنية وإيرانية وإقليمية أن الحرس الثوري قدم توجيها ميدانيا للعملية التي انتهت بالسيطرة على المخا، إلى جانب الأسلحة والتمويل والمشورة العملياتية. وقالت المصادر إن الهدف الإيراني كان فتح جبهة إضافية في الحرب مع الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، نفت طهران أن تكون قد تولت مباشرة قيادة العمليات الحوثية. هذه الازدواجية ليست تناقضا. فهي جوهر الاستراتيجية الإيرانية نفسها: التمكين دون الاندماج الكامل، والتأثير دون تحمل كامل المسؤولية. إيران لا تحتاج إلى أن تحرك كل وحدة حوثية بنفسها. يكفيها أن تجعل أنصار الله أكثر قدرة على القتال، وأن تربط مصالح الحركة بجبهة إقليمية أوسع، وأن تمنحها الأدوات التي تحول باب المندب إلى ورقة ضغط على الولايات المتحدة والسعودية. وهنا تتضح العبارة الأكثر دقة في وصف العلاقة: الحوثيون ليسوا جنودا إيرانيين في اليمن؛ لكنهم قوة يمنية مستقلة أصبحت جزءا من البنية العسكرية الإقليمية التي بنتها إيران.
خامسا: حرب المضيقين
للمرة الأولى يصبح المشهد الإقليمي محكوما بمحورين بحريين متزامنين. هرمز في الشرق. وباب المندب في الغرب. في مضيق هرمز، أدى الصراع الأمريكي ـ الإيراني إلى انهيار حركة الملاحة إلى مستويات شديدة الانخفاض. وفي باب المندب، أدى التقدم الحوثي إلى منح طهران وحليفها اليمني قدرة إضافية على الضغط على أحد أهم منافذ البحر الأحمر. بالنسبة للسعودية، هذه ليست مسألة بحرية فقط. لقد صُمم خط الشرق ـ الغرب النفطي تحديداً لتقليل اعتماد المملكة على هرمز. لكن الهجوم الذي وقع في 11 سبتمبر وأدى إلى إغلاق خط الأنابيب مؤقتاً أظهر أن تجاوز مضيق هرمز لا يعني بالضرورة تجاوز الأزمة. استؤنفت عمليات خط الأنابيب لاحقاً، وعادت التحميلات في ينبع، لكن الهجوم كشف هشاشة البنية التحتية التي يفترض أن توفر للسعودية طريقا بديلا إلى الأسواق العالمية. وتقدر طاقة خط الشرق ـ الغرب الكاملة بنحو 7 ملايين برميل يومياً، بينما كانت تدفقات ينبع في نهاية سبتمبر تتعافى تدريجياً بعد الهجوم. وهنا يظهر مفهوم يمكن تسميته «حصار الحصار»: إذا كان هرمز ورقة إيران في الشرق، فإن باب المندب أصبح ورقة الحوثيين في الغرب. والنتيجة أن السعودية لا تواجه مجرد تهديد على حدودها الجنوبية؛ بل تواجه احتمال تعرض منظومة صادراتها ومسارات تجارتها لضغط من جهتين.
سادسا: السعودية أمام معضلة مستحيلة
الرياض تعرف أن استعادة الساحل الغربي بالقوة قد تكون مكلفة، لكنها تعرف أيضاً أن ترك الحوثيين يرسخون سيطرتهم على باب المندب يعني قبول واقع استراتيجي جديد. ولهذا بدأت السعودية إعداد عملية عسكرية واسعة لاستعادة المضيق، وفق ما أوردته رويترز في 2 أكتوبر. وتحدث التقرير عن قوة يمنية برية تتجاوز 100 ألف مقاتل مدعومة بضربات جوية سعودية، مع دعم استخباراتي وأمني أمريكي. لكن المشكلة ليست في حجم القوة وحده. القوة المناهضة للحوثيين نفسها مجزأة، ومصالح الفصائل اليمنية ليست متطابقة، كما أن الحرب أثبتت خلال العقد الماضي أن التفوق الجوي لا يساوي بالضرورة القدرة على فرض تسوية سياسية أو عسكرية مستدامة. وهكذا تقف الرياض أمام خيارين شديدي الكلفة:
إما السماح للحوثيين بتثبيت واقعهم الجديد على باب المندب، أو الدخول في حرب جديدة قد تعيد فتح الجبهة اليمنية بأكملها.
سابعا: واشنطن أمام اختبار مختلف
بالنسبة إلى الولايات المتحدة، تغيرت طبيعة المشكلة. في السابق كان السؤال: كيف نحمي السفن من صواريخ الحوثيين ومسيراتهم؟ أما اليوم فأصبح السؤال: كيف تتعامل قوة عظمى مع جماعة مسلحة تسيطر على الأرض التي تطل على المضيق نفسه؟ وهذا فرق استراتيجي هائل. فالضربات الجوية تستطيع تدمير منصات صاروخية. تستطيع ضرب مخازن. تستطيع استهداف مراكز قيادة. لكنها لا تستطيع وحدها تغيير ميزان السيطرة على الساحل. ولهذا أصبحت اليمن جزءاً من معادلة الاستنزاف الإيرانية الأوسع. إيران تستطيع أن تجعل الولايات المتحدة توزع مواردها بين الخليج والعراق واليمن والبحر الأحمر، بدلاً من تركيزها على مسرح واحد. وفي المقابل، كلما اتسعت الجبهة اليمنية، زادت احتمالات أن تتحول الحرب من صراع محدود إلى حرب إقليمية متعددة المسارح.
ثامنا: المأساة التي تختفي خلف الخرائط
لكن الجغرافيا العسكرية ليست القصة كلها. وراء خطوط السيطرة والمضائق وخطوط الأنابيب توجد دولة ممزقة وسكان يدفعون ثمن حرب لم يختاروا قواعدها. مع تجدد القتال، حذر برنامج الأغذية العالمي من تفاقم حاد في الأمن الغذائي، وقال إن 74% من الأسر في المناطق الحكومية التي يمكن للبرنامج الوصول إليها باتت تعاني من عدم كفاية الغذاء. كما أن اليمن يعتمد على الواردات لتوفير نحو 90% من احتياجاته الغذائية. ومع نزوح عشرات الآلاف خلال الأسابيع الأخيرة، تصبح السيطرة على الساحل أكثر من مسألة عسكرية: إنها تعني التحكم في طرق الإمداد، والموانئ، والمساعدات، وحركة السكان. كلما اتسعت رقعة الحرب، تقلصت المساحة المتاحة للدبلوماسية.
الخلاصة: اليمن لم يعد هامشا
النقطة الأهم في تطورات 2026 ليست أن الحوثيين انتصروا في معركة، ولا أنهم استولوا على مدينة أو جزيرة. النقطة الأهم أنهم اقتربوا من الجمع بين ثلاثة أنواع من القوة في وقت واحد: قوة عسكرية تسيطر على مساحة جغرافية واسعة؛ وقوة صاروخية ومسيرة تستطيع تهديد أهداف بعيدة؛ وموقع جغرافي يلامس أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وهنا تغيرت طبيعة الحركة. لم تعد أنصار الله مجرد جماعة تحاول انتزاع الدولة اليمنية من خصومها. أصبحت لاعبا يستطيع أن يربط الحرب الأهلية اليمنية بسوق الطاقة العالمي وبأمن الملاحة وبالصراع الأمريكي ـ الإيراني. أما إيران، فلا تحتاج إلى امتلاك اليمن كله كي تستفيد منه. يكفيها أن يبقى الحوثيون قادرين على جعل باب المندب جبهة قابلة للاشتعال. وبالنسبة إلى واشنطن والرياض، فإن المشكلة لم تعد كيف يمنعان الحوثيين من إطلاق صاروخ على سفينة. المشكلة هي كيف تمنعان نشوء واقع تصبح فيه الجغرافيا اليمنية نفسها سلاحا. في 2026، انتقل الحوثيون خطوة إضافية: من مضايقة المضيق إلى محاولة امتلاك مفاتيحه، ومن الحرب على الدولة إلى استخدام موقع الدولة كورقة في حرب أكبر منها. ولهذا لم يعد اليمن هامشا في الحرب الإقليمية. لقد أصبح أحد مسارحها المركزية. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس ما إذا كان باب المندب سيبقى جزءا من الحرب. بل: من سيملك القدرة على فتحه وإغلاقه عندما تنتهي الحرب؟
