سوريا ما بعد الأسد وإعادة تشكيل موازين القوى

من اندماج «قسد» إلى تراجع النفوذ الإيراني وصعود الدور التركي

بقلم د. عبد الرحمن مكاوي-باريس


شهد الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة تحولات عميقة أعادت ترتيب خرائط النفوذ والتحالفات، ولا سيما في سورية التي تحولت، منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، إلى إحدى أهم ساحات إعادة توزيع القوة الإقليمية. وفي قلب هذا التحول تبرز مسألة مستقبل قوات سورية الديمقراطية (قسد)، المعروفة اختصارا بـ«قسد» أو QASAD في بعض الأدبيات، باعتبارها أحد أبرز الفاعلين العسكريين الذين نشأ نفوذهم خلال الحرب السورية بدعم أمريكي مباشر. ويكتسب الاتفاق الذي وقعه قائد «قسد» مظلوم عبدي مع دمشق في مارس/آذار 2025 أهمية خاصة، لأنه لا يتعلق فقط بمستقبل قوة عسكرية سورية، وإنما يرتبط بإعادة تعريف العلاقة بين دمشق والمناطق الكردية، وبمستقبل الوجود الأمريكي في شرق سورية، وبالطريقة التي ستتعامل بها تركيا وإسرائيل وإيران مع سورية الجديدة.

أولا: اندماج «قسد» وإعادة تعريف المعادلة السورية

مثّل اتفاق مارس/آذار 2025، من حيث المبدأ، نقطة تحول في وضع «قسد». فبعد سنوات من العمل كقوة عسكرية شبه مستقلة في شمال شرق سورية، اتجهت القوات الكردية والعربية المنضوية فيها نحو الاندماج في مؤسسات الدولة السورية الجديدة. وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تنقل «قسد» من موقع الفاعل المسلح ذي الارتباط الخارجي إلى موقع أكثر ارتباطاً بالبنية العسكرية والأمنية للدولة السورية. ومن المنظور التركي، يمثل هذا التحول مكسبا مهما، لأنه يفتح الباب أمام قيام ترتيبات أمنية سورية على الحدود مع تركيا، ويحد من قدرة حزب العمال الكردستاني والشبكات المرتبطة به على استخدام الأراضي السورية قاعدة لنشاطه.

أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن التحول أكثر تعقيدا. فقد مثّلت «قسد» طوال سنوات شريك واشنطن الرئيسي في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ومنحت الولايات المتحدة قدرة ميدانية مهمة في شمال شرق سورية. وبالتالي، فإن انتقال هذه القوة تدريجياً إلى إطار الدولة السورية يعني تراجع أحد أهم أشكال النفوذ الأمريكي المباشر على الأرض، حتى وإن بقيت لواشنطن مصالح استراتيجية وأمنية واقتصادية في شرق سورية. لكن هذا لا يعني بالضرورة أن الولايات المتحدة خرجت من المعادلة السورية. فواشنطن تستطيع الاحتفاظ بأدوات أخرى للتأثير، من بينها الوجود العسكري المحدود، والعلاقات مع بغداد وعمّان وأنقرة، والقدرة الجوية، والعقوبات، والعلاقات السياسية مع مختلف الأطراف السورية. ومن ثم، فإن الأدق هو الحديث عن إعادة صياغة النفوذ الأمريكي، وليس نهايته.

ثانيا: إسرائيل وخسارة إحدى أوراق المناورة السورية

أدى صعود القوى الكردية في شمال شرق سورية، خلال العقد الماضي، إلى نشوء واقع استراتيجي جديد على الحدود السورية-العراقية-التركية. وبالنسبة إلى إسرائيل، مثّل وجود قوة سورية محلية معادية لكل من التنظيمات الجهادية وإيران وتركيا، في منطقة استراتيجية قريبة من الممرات العراقية والسورية، أحد عناصر البيئة الإقليمية التي أتاحت لها هامشا إضافيا للمناورة. لكن إدماج «قسد» في الدولة السورية يغير هذه المعادلة. فإذا تمكنت دمشق الجديدة من بسط سيطرة فعلية على الحدود والمجال الجوي والممرات البرية في الشمال والشرق، فإن إسرائيل ستجد نفسها أمام بيئة مختلفة عن تلك التي اعتادت التعامل معها خلال سنوات الحرب السورية.

غير أن القول إن «الباب الجوّي الشرقي لإسرائيل قد أغلق بالكامل» سيكون مبالغة تحليلية. فالقدرة الإسرائيلية على تنفيذ عمليات بعيدة المدى لا تعتمد حصرا على وجود حليف محلي في كردستان السورية، بل تستند أيضا إلى التفوق الجوي، والاستخبارات، وقدرات التزود بالوقود، والتكنولوجيا الصاروخية، والتنسيق الإقليمي والدولي. لذلك، فإن ما تخسره إسرائيل أساساً هو طبقة إضافية من المرونة العملياتية والنفوذ غير المباشر، وليس قدرتها العسكرية على الوصول إلى إيران. وهنا تكمن المفارقة: كلّما أصبحت سورية أكثر تماسكا كدولة، تقلصت قدرة القوى الخارجية على استخدام أراضيها كساحة مفتوحة للمناورة.

ثالثا: إيران وخسارة العمق السوري

إذا كانت إسرائيل تخسر جزءا من هامش المناورة، فإن الخسارة الإيرانية في سوريا تبدو أكثر مباشرة. فمنذ عام 2015، بنت طهران شبكة واسعة من العلاقات العسكرية والأمنية مع النظام السوري السابق، وشكلت سورية حلقة أساسية في منظومة النفوذ الممتدة من إيران عبر العراق وسوريا وصولا إلى لبنان. وكانت أهمية سورية بالنسبة لإيران تتجاوز بعدها الجغرافي؛ فقد وفرت عمقا استراتيجيا، وممرات لنقل السلاح، ومساحات لنشر القوات والمجموعات المسلحة المتحالفة مع طهران. ومع سقوط نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، تعرض هذا البناء لانهيار سريع. وبغض النظر عن حجم الأرقام المتداولة حول عدد المقاتلين والقواعد، فإن الحقيقة الاستراتيجية الأهم تتمثل في أن إيران فقدت البيئة السياسية التي سمحت لها ببناء نفوذ عسكري واسع ومستدام داخل سورية.

وهذا تحول بالغ الأهمية بالنسبة إلى حزب الله أيضا، لأن الجغرافيا السورية كانت تمثل جزءا أساسيا من شبكة الإمداد التي ربطت إيران بلبنان. غير أن إيران لم تفقد كل أوراقها. فالعراق لا يزال يمثل بالنسبة إليها مساحة نفوذ بالغة الأهمية، كما أن قدرتها الصاروخية، وشبكة علاقاتها مع فصائل مسلحة في المنطقة، وقدراتها النووية المتقدمة، تمنحها أدوات ردع وتأثير لا يمكن اختزالها في خسارة الساحة السورية. ولهذا، فإن التحول الحقيقي ليس في أن إيران أصبحت بلا أوراق، وإنما في أن كلفة استخدام تلك الأوراق ارتفعت، وتراجعت قدرتها على العمل عبر ممر بري متصل حتى البحر المتوسط.

رابعا: من محورين متصارعين إلى ثلاثة مراكز قوة

تكشف التطورات السورية عن بداية تشكل مشهد إقليمي أكثر تعقيدا من المعادلة التقليدية القائمة على مواجهة إسرائيل وإيران.يمكن، بصورة تحليلية، تحديد ثلاثة اتجاهات رئيسية:

1- المحور التركي-العربي الصاعد

تسعى تركيا إلى بناء نفوذ طويل الأمد في سورية الجديدة، مستفيدة من موقعها الجغرافي، وعلاقاتها السياسية والاقتصادية، وصلاتها بالمؤسسات العسكرية والأمنية السورية. وتتقاطع المصالح التركية مع مصالح عدد من الدول العربية، ولا سيما في مواجهة خطر عودة التنظيمات الجهادية، ومنع تقسيم سوريا، وإعادة بناء مؤسسات الدولة. لكن وصف هذا التكتل بأنه «محور موحد» سيكون سابقاً لأوانه؛ فأنقرة والرياض والدوحة ودمشق قد تتقاطع مصالحها في ملفات، لكنها لا تتطابق بالضرورة في جميع الملفات. الأصح هو الحديث عن فضاء تركي-عربي آخذ في التشكل حول سورية الجديدة.

2- المحور الأمريكي-الإسرائيلي وإعادة حساب المخاطر

تجد إسرائيل نفسها أمام شرق أوسط مختلف. فهي تمتلك تفوقا عسكريا واضحا، لكنها لم تعد قادرة على افتراض أن البيئة السورية ستبقى مجزأة إلى قوى محلية متنافسة تسمح لها بحرية أكبر في الحركة. كما أن واشنطن، من جهتها، تبدو أمام معادلة جديدة: كيف تحافظ على مصالحها في مكافحة الإرهاب، وحماية حلفائها، ومراقبة إيران، من دون الانخراط مجددا في حرب برية طويلة؟ وبالتالي، قد نشهد انتقالا من نموذج «الشريك المحلي على الأرض» إلى نموذج أكثر اعتمادا على القوة الجوية والاستخبارات والتحالفات الإقليمية والقواعد العسكرية المحدودة.

3- إيران: من التمدد إلى إدارة الخسائر

أما إيران، فتواجه مرحلة مختلفة. فبعد سنوات من التوسع الإقليمي، أصبحت الأولوية بالنسبة إليها الحفاظ على ما تبقى من شبكة نفوذها، ولا سيما في العراق، وإعادة بناء قدراتها الردعية، ومنع خصومها من تحويل خسارة سوريا إلى حصار استراتيجي شامل. ومن هنا تزداد أهمية الملف النووي بالنسبة إلى طهران. فإذا تراجعت قدرتها على استخدام الجغرافيا السورية واللبنانية كعمق استراتيجي، يصبح امتلاك قدرة ردع استراتيجية أكثر أهمية في حساباتها.

خامسا: هل نحن أمام شرق أوسط «تركي-إيراني»؟

الاستنتاج بأن الشرق الأوسط لم يعد «عربيا-إسرائيليا» وإنما أصبح «تركيا-إيرانيا» يلتقط بالفعل جانبا مهما من التحول، لكنه يحتاج إلى قدر من التحفظ. فالمشهد الإقليمي الجديد لا يلغي إسرائيل، ولا يقلل من الدور الأمريكي، ولا يجعل الصراع التركي-الإيراني بديلا كاملا عن الصراع العربي-الإسرائيلي. الأصح أن المنطقة تنتقل من نظام تنافس ثنائي أو شبه ثنائي إلى نظام متعدد المراكز. تركيا تتقدم في سوريا. إيران تحاول الحفاظ على العراق واستعادة المبادرة. إسرائيل تسعى إلى منع تشكل أي قوة إقليمية قادرة على تهديد تفوقها. والولايات المتحدة تحاول الحفاظ على نفوذها بأقل تكلفة عسكرية ممكنة. أما الدول العربية، فلم تعد مجرد ساحات للصراع بين هذه القوى، بل أصبحت أطرافاً تسعى بصورة متزايدة إلى صياغة أجنداتها الخاصة.

الحرب المقبلة قد لا تكون حيث نتوقع

لقد أظهرت السنوات الأخيرة أن الشرق الأوسط لا يتحرك وفق خط مستقيم، وأن التحالفات التي تبدو ثابتة يمكن أن تتغير بسرعة عندما تتغير موازين القوة على الأرض. إن دمج «قسد» في الدولة السورية، إذا اكتمل فعليا، سيكون أكثر من مجرد تسوية سورية داخلية. فهو قد يعيد تعريف العلاقة بين دمشق وأنقرة، ويحد من قدرة إيران على استخدام سوريا كجسر استراتيجي، ويجبر إسرائيل على إعادة حساب خياراتها في الجبهة الشمالية والشرقية، كما يفرض على الولايات المتحدة إعادة تقييم شكل وجودها في المنطقة. ومن هذه الزاوية، فإن التحول الأهم ليس أن طرفاً واحداً «انتصر» وطرفاً آخر «خسر»، وإنما أن قواعد اللعبة نفسها تتغير. إسرائيل لا تفقد قوتها العسكرية، لكنّها تفقد بعض أدوات النفوذ غير المباشر. إيران لا تفقد نفوذها الإقليمي، لكنّها تفقد أحد أهم أعمدته الجغرافية. تركيا لا تصبح القوة المهيمنة تلقائياً، لكنها تصبح لاعباً لا يمكن تجاوز مصالحه في سوريا. والولايات المتحدة لا تنسحب من الشرق الأوسط، لكنها تعيد توزيع أدوات حضورها. وعليه، فإن السؤال الاستراتيجي في السنوات المقبلة لن يكون فقط: من يسيطر على سوريا؟ بل سيكون: من يملك القدرة على التأثير في سورية من دون أن يضطر إلى السيطرة عليها؟ وهنا تحديدا قد تتحدد ملامح الشرق الأوسط الجديد.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *