مقامة البطاطا السياسية والحدود

بقلم زكية لعروسي، رئيسة التحرير-باريس

قال أبو الفتح الوجدي، وكان رجلا ابتلاه الله بحب الحكايات، فكان إذا جلس في مجلس لم يكد يسمع خبرا حتى جعل له ذيلا، ولا حكاية حتى جعل لها أختا، ولا كلمة حتى استخرج منها أبا وجدا وخالا وابن عم. وكان يقول: إن الكلام إذا لم يسترسل مات في مكانه، وإن الحكاية مثل دابة السوق، إن لم تترك لها زمامها مشت بك إلى غير ما تريد، وربما وصلت بك إلى مكان لم تكن تقصد، وكان ذلك أحسن لها ولك. قال: بلغني، وأنا جالس في سوق الخضر بوجدة، أن البطاطا قد دخلت في أمر لم تدخل فيه قبلها بصل ولا لفت ولا جزر، وأنها صارت تتنازع الناس فيها تنازع الفقهاء في مسألة لم ينزل بها نص، وأن حبة منها أصبحت تحمل من المعاني أكثر مما تحمل من النشا. وكان سوق الخضر يومئذ عالما قائما بذاته، له أخباره ومؤرخوه وشعراؤه، وله رجال إذا رأوا صندوقا من الطماطم عرفوا من أي جهة جاء قبل أن يسألوا صاحبه، وإذا رأوا بطيخة مشقوقة قالوا: هذه لا تصلح، ثم اختلفوا في علة عدم صلاحها، فهذا يقول: من البذر، وهذا يقول: من الماء، وهذا يقول: من صاحبها، ورابع لا يعرف شيئا ولكنّه يتكلم بثقة، وكان ذلك الرجل في السوق أعظمهم شأنا. أما الباعة فكانوا على مذاهب شتى: منهم من يبيع بالكيلو، ومنهم من يبيع بالنظر، ومنهم من يبيع باليمين والقسم، ومنهم من يبيعك الخضرة ثم يقسم لك أنه خسر فيها، حتى لو طلبت منه حبة بقدونس قال لك: والله يا سيدي، لو بعتها لك بدرهم لخرجت خاسرا. فتنظر إلى البقدونس فلا ترى فيه إلا بضع عيدان خضراء، وتتعجب كيف اجتمع فيه الربح والخسارة حتى صار صاحب الدكان أفقر منك بسببك. وكان بينهم شيخ أعرفه، اسمه أبو رمانة، لكثرة ما كان يجلس إلى جانب صناديق الفاكهة، وكان يقول:– السوق لا يعرف الحقيقة.

فقلت له يوما: وكيف لا يعرفها؟

قال: لأن الحقيقة لا تباع بالكيلو.

فقلت: وما الذي يباع بالكيلو؟

قال: ما تحتاجه.

قلت: وما الذي لا تحتاجه؟

قال: ما يقال عنه إنّه استراتيجي.

وكان أبو رمانة من أصحاب الحكم التي لا يفهمها الإنسان من أول مرة، ولا من الثانية، وربما احتاج إلى وجبة كاملة حتى يفهمها، ولذلك كان أهل السوق يهابونه. فلمّا جلست ذلك الصباح، مرّ بي رجل يحمل كيسا من البطاطا، فقلت: من أين هذه؟

قال: من حيث جاءت.

قلت: هذا جواب لا يجيب.

قال: ومن طلب منك جوابا؟

قلت: أنا.

قال: ولماذا؟

قلت: لأنني أريد أن أعرف.

قال: المعرفة يا سيدي هي أوّل باب للهم.

ثم مضى. وكان كلامه في ظاهره سخيفا، ولكنّه لم يكن كذلك في باطنه، فإن أكثر هموم الناس بدايته سؤال صغير: من أين جاءت؟ وإلى أين ذهبت؟ ولماذا ارتفع سعرها؟ ومن فعل هذا؟ ومن لم يفعل؟ وهل كان ينبغي أن يحدث؟ ولو لم يحدث، ماذا كان سيحدث؟ وهكذا يولد السؤال من السؤال، حتى يصبح للرجل في المسألة الواحدة عشرون رأسا، ولا يدري بأيها يفكر. ثم جاء رجل آخر فقال: لا تسأل عن البطاطا.

قلت: ولم؟

قال: لأن البطاطا لم تعد بطاطا.

فقلت: وما صارت؟

قال: مسألة.

قلت: ومن جعلها مسألة؟

فقال: أهل البلاغة و الكلام.

وكان هذا الرجل من أصحاب الكلام الكثير، فلمّا قال هذه الكلمة سكت، فعرفت أن وراءها قصة. قال: في بلادنا يا بني، إذا زادت حبة عن حاجة السوق، قالوا: إنتاج. وإذا نقصت، قالوا: أزمة. وإذا ارتفع ثمنها، قالوا: مضاربة. وإذا انخفض، قالوا: تدخل. وإذا بقيت في المخازن، قالوا: احتياطي. وإذا خرجت منها، قالوا: ضبط السوق. وإذا خرجت من الحدود، قالوا: تجارة. وإذا لم تخرج، قالوا: سيادة.

فقلت: وما هي في جميع الأحوال؟

قال: بطاطا.

فضحكت. فقال: اضحك، فإن الضحك في أول الأمر، ثم الفهم بعده، من علامات العقل.

قلت: وهل أنت من أهل العقل؟

قال: لا أدري، ولكنّني أبيع البطاطا.

فقلت: وهذا يكفي؟

قال: أكثر مما يكفي.

ثم أخذ الرجل يحدّثني عن المخازن، وقال: لقد صار للبطاطا بيت لا تدخله إلا بإذن، وتخرج منه بحساب، وتنام فيه على درجة معلومة، لا يرفعها الحر ولا يخفضها البرد، وكأنها بنت تاجر كبير.

فقلت: وهل البطاطا تعرف درجة الحرارة؟

قال: البطاطا لا تعرف، ولكن الذين يراقبونها يعرفون.

قلت: وما الفرق؟

قال: إن البطاطا لو عرفت، لربما خرجت من المخزن وحدها.

وهنا سكت الرجل قليلا، ثم قال: أتدري ما أعظم ما في التخزين؟

قلت: ماذا؟

قال: إنه يجعل الشيء موجودا وغير موجود في الوقت نفسه.

قلت: كيف؟

قال: هو موجود في المخزن، ولكنه غير موجود في المائدة.

فقلت: هذه حكمة.

قال: لا، هذه بطاطا سياسية.

ومن عجائب أهل الأسواق أنّهم إذا وجدوا شيئا لا يفهمونه، جعلوا له اسما طويلا، فإذا طال الإسم قصر السؤال. فإذا قيل لك: إدارة المخزون الاستراتيجي للمنتجات الفلاحية، ظننت أن الأمر يحتاج إلى جامعة. أما إذا قيل لك: أين البطاطا؟ فهذا سؤال لا يستطيع أحد الهرب منه. وقد جربت مرة أن أسأل رجلا من أهل الإدارة: أين البطاطا؟

فقال: توجد منظومة متكاملة لضمان التوازن.

قلت: لم أسألك عن المنظومة.

قال: لكن المنظومة هي التي تضمن البطاطا.

قلت: وأنا أريد البطاطا.

فنظر إلي كما ينظر الطبيب إلى مريض لا يفهم وصفته، ثم قال: يبدو أنك تفكر بطريقة مباشرة.

فقلت: نعم، وهذه مصيبتي.

وفي اليوم الثالث، رأيت البطاطا في المنام. وكانت هذه المرة حبّة عظيمة، حتى إنني خلتها جبلا، وكان على قمتها رجل صغير يحمل قلما، ويكتب عليها أرقاما. فقلت: من هذا؟

قالت: خبير.

قلت: وماذا يفعل؟

قالت: يقيسني.

قلت: ولماذا؟

قالت: حتى يعرف قيمتي.

قلت: وهل لا تعرفين قيمتك؟

قالت: أنا أعرف أنني بطاطا، وهذا يكفيني.

قلت: لكنه يريد رقما.

قالت:الناس يحبون الأرقام حين يعجزون عن معرفة الأشياء.

ثم قالت: كان أبي بطاطا.

قلت: وهل للبطاطا أب؟

قالت: لا تقاطعني.

فقلت: عفوا.

قالت: كان أبي بطاطا، وكان جدي بطاطا، ولم يكن أحد منهم استراتيجية.

قلت: وكيف صار الأمر؟

قالت: جاء يوم صار الناس فيه يتحدّثون عنّي كثيرا.

قلت: وهل كثرة الكلام تغيّر طبيعة الشيء؟

قالت: لا تغير الشيء، لكنها تغيّر نظرة الناس إليه.

فقلت: وهذه حكمة.

قالت: لا، هذه بطاطا أيضا.

ثم مشت بي في المنام إلى مخزن عظيم. وكان المخزن يشبه مدينة نائمة. صناديق فوق صناديق. وحبات فوق حبات. ورجال يمرّون بينها بملفّات. وآخرون يحملون أجهزة. وثالثون يسجّلون الأرقام. ورابعون يتحدثون عن الأولين. وكانت كل حبة بطاطا تحمل رقما. فقلت: لماذا؟

قالت: حتى لا تضيع.

فقلت: وهل تضيع البطاطا؟

قالت: لا.

قلت: – فلماذا تخافون عليها؟

قالت: – لأنّ الجار يغازلها.

فقلت: – ولكنهم يراقبونها.

قالت: نراقبها في المخزن، ولا نراها في القدر.

فقلت: يبدو أن القدر هو المشكلة.

قالت: بل المائدة.

ثم وصلنا إلى باب المخزن. وكان الباب عظيما، عليه قفل كبير. قلت: ما وراء هذا الباب؟

قالت: البطاطا.

قلت: وما خارج الباب؟

قالت: الناس.

فقلت: ولماذا لا تخرج؟

قالت: لأن الباب يخاف.

قلت: الباب يخاف؟

قالت: نعم.

قلت: ممن؟

قالت: من المسؤولية.

فقلت: وما مسؤولية الباب؟

قالت: إذا فتح، سئل لماذا فتح.

قلت: وإذا أغلق؟

قالت: سئل لماذا أغلق.

قلت: فماذا يفعل؟

قالت: يبقى بابا.

فقلت: هذه حكمة إدارية عظيمة.

ثم خرجنا من المخزن، فوجدنا رجلا واقفا عند الحدود. وكان الرجل يحمل خريطة مطوية. قال: إلى أين؟

قلت: إلى وجدة.

قال: ومعك ماذا؟

قلت: بطاطا.

فانتفض. وقال: بطاطا؟

قلت: نعم.

قال: ومن أين؟

قلت: من المخزن.

قال: ولماذا؟

قلت: لكي تؤكل.

فنظر إليّ طويلا، ثم قال: هذه إجابة غير مألوفة.

قلت: وما المألوف؟

قال: أن تذكر لي الأسباب.

فقلت: وما سبب البطاطا؟

قال: هذا ليس السؤال.

قلت: وما السؤال؟

قال: من سمح لها؟

فقلت: ومن سمح للجوع؟

فسكت. وكان سكوته أطول من اللازم، حتى خيّل لي أنّ السؤال عبر الحدود ولم يعد. وكانت الحدود يومئذ هادئة. لا تتكلم ولا تتحرك. فقلت لها: يا حدود، ما قصتك؟

قالت: لا قصة لي.

قلت: لكن الناس يتحدثون عنك.

قالت: الناس يتحدثون عن كل شيء.

قلت: حتى عن البطاطا.

قالت: خصوصا عن البطاطا.

قلت: وهل تمنعينها؟

قالت: أنا خط.

قلت: والخط ماذا يفعل؟

قالت: يبين.

قلت: ماذا يبين؟

قالت: أين تنتهي يد، وأين تبدأ يد أخرى.

فقلت: وهل البطاطا يد؟

قالت: لا.

قلت: إذن لماذا تخافون منها؟

قالت: لا أحد يخاف من البطاطا.

قلت: لكنّكم تعاملونها كأنّها مسألة.

قالت: الناس لا يخافون من الأشياء، بل من المعاني التي يضعونها فيها. وكان هذا جوابا لم أتوقعه من أحد. فسكت.

فقالت الحدود: لا تستغرب.

قلت: لماذا؟

قالت: أنتم صنعتموني، ثم حملتموني ما لا أطيق.

فلما استيقظت من النوم، وجدت أمي عند رأسي. قالت: قم.

قلت: لماذا؟

قالت: اذهب واشتر البطاطا.

قلت: وهل البطاطا موجودة؟

قالت: ماذا أعرف أنا؟

قلت:قد تكون استراتيجية.

فضربتني بالمنديل وقالت: لا تكن ثقيلا.

قلت: لكنني رأيت في المنام مخزنا.

قالت: اذهب إلى السوق.

قلت: ورأيت حدودا.

قالت: اذهب إلى السوق.

قلت: ورأيت خبيرا.

قالت: اذهب إلى السوق.

فقلت: وما رأيك في الاقتصاد؟

قالت إذا كان عندك مال، اشتر البطاطا. فعرفت أن الاقتصاد كلّه قد لخصته أمي في جملة واحدة. ذهبت إلى السوق. فوجدت أبا رمانة. قلت: هل عندك بطاطا؟

قال: عندي.

قلت: من أين جاءت؟

قال: من التراب.

قلت: أريد أن أعرف أكثر.

قال: زرعت.

قلت: ومن زرعها؟

قال: فلاح.

قلت: ومن باعها؟

قال: أنا.

قلت: ومن سيشتريها؟

قال: أنت.

قلت: وماذا بعد؟

قال: ستقشرها أمك.

قلت: وماذا بعد؟

قال: ستقليها.

قلت: وماذا بعد؟

قال: ستأكلونها.

ثم نظر إلي وقال: هل تريد أن نكمل إلى نهاية التاريخ؟

فضحكت.

فقال: يا بني، بعض الأشياء تفسد إذا أكثرنا في تفسيرها.

فاشتريت البطاطا. وكانت حبتين فقط. ولما عدت إلى البيت، وجدتها أمي تنتظر.

قالت: هل وجدت؟

قلت: وجدت.

قالت: كم؟

قلت: اثنتين.

قالت: يكفي.

فوضعت المقلاة. وقشرت البطاطا. وكانت القشرة تنزل عنها في شرائط طويلة، كأنها تخلع عنها كل الكلام الذي علق بها. ثم قطعتها. فصارت أصابع. ثم ألقتها في الزيت. فصارت ذهبا. وعندها فكرت: ما أغرب هذا العالم. كانت قبل قليل قضية سياسية . ثم صارت وجبة. وكانت قبل قليل استراتيجية. ثم صارت عشاء. وكانت قبل قليل موضوعا للخبراء. ثم صارت في طبق أمي. فقلت: لعل الأشياء لا تحتاج دائما إلى من ينقذها. لعلها تحتاج فقط إلى من يتركها تصل إلى مكانها. ومنذ ذلك اليوم، كلما سمعت سياسيا يتحدث عن البطاطا، أصغيت. فإن ذكر السوق، تذكرت المقلاة. وإن ذكر التخزين، تذكرت المخزن. وإن ذكر الحدود، تذكرت الخط. وإن ذكر الاقتصاد، تذكرت أمي. وإن ذكر الاستراتيجية، سألت في سري: أين البطاطا؟ ثم لا أنتظر الجواب.

فقد تعلمت أن السؤال البسيط قد يكون أحيانا أشد إحراجا من السؤال الكبير. لأن السؤال الكبير يستطيع أن يفتح له بابا من الكلام. أما السؤال الصغير، فليس له إلا جواب واحد: أين البطاطا؟ فإن كانت في المخزن، قلنا: مخزنة. وإن كانت في السوق، قلنا: معروضة. وإن كانت في الطريق، قلنا: عابرة. وإن كانت عند الحدود، قلنا: منتظرة. وإن كانت في القدر، سكت الجميع. لأن البطاطا، في نهاية المطاف، لا تريد أن تكون قضية. تريد أن تكون عشاء. وهذه، فيما أظن، غاية متواضعة جدا. لكنها من الغايات التي لا يستطيع كثرة الكلام أن يحققها. أما الجائع، فلا يحتاج إلى شرح طويل. يكفيه أن يجد البطاطا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *