النملة التي تقرأ ما لا تراه العين

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

في المطبخ، حيث نظن أنْنا نعيش وحدنا، توجد أحيانا جمهورية كاملة لا نراها. مملكة دقيقة تمشي تحت مستوى النظر، لا وزراء فيها ولا أبواق ولا خرائط معلقة على الجدران، ومع ذلك تعرف كيف تستكشف، وكيف تختار، وكيف تبلغ، وكيف تحشد، وكيف تتراجع حين تنضب الغنيمة. يكفي أن تسقط فتاتة من الخبز على الأرض حتى تتحول هذه الفتاتة، في حساباتها، إلى خبر استراتيجي يستحق أن تنتقل به المعلومة من فرد إلى جماعة. نحن نسمي ذلك: ظهور النمل. أما النمل، فيبدو أنه يسميه شيئا آخر: اكتشاف فرصة. وهنا تبدأ الحكاية. فالذي يبدو لنا اقتحاما مفاجئا للمطبخ ليس اقتحاما في الحقيقة، بل خاتمة مرئية لعملية طويلة لا نرى منها إلا الفصل الأخير. ليست هناك جوقة سرية كانت تنتظر عند باب البيت لحظة سقوط الفتاتة، ولا جهاز مخابرات شم رائحة السكر من آخر الشارع. هناك ببساطة مستكشفة خرجت وحدها، تمشي في عالم هائل بالنسبة إلى جسدها، وتبحث. تبحث ثم تعثر. وحين تعثر، لا تحتفظ بالسر. وهذه ربما أول حكمة كبيرة تختبئ في جسد كائن صغير.

المفارقة الساحرة أن النمل لا يحتاج إلى أن يعرف مسبقا أين توجد المائدة كي يصل إليها. إنها فكرة تبدو بسيطة، لكنها في جوهرها واحدة من أكثر الأفكار عمقا في علم التنظيم: لا تحتاج الجماعة إلى عقل مركزي واحد كي تتصرف بذكاء. في مستعمرة النمل لا يوجد قائد يقف فوق صخرة ويقول: “اتجهوا يمينا، فقد وجدت السكر.” لا توجد غرفة عمليات. لا توجد خريطة معلقة على الجدار. ولا توجد نملة جنرال تحمل منظارا صغيرا وتصرخ: “أيها الجنود، الهدف على بعد سبعة سنتيمترات!” هناك فقط أفراد محدودو المعرفة، يتحركون وفقا لقواعد بسيطة، ثم يحدث شيء مدهش: ينشأ من البساطة الفردية تعقيد جماعي يكاد يشبه العقل.

وهنا تكمن واحدة من أكثر الأفكار إثارة في علم الأحياء الحديث: الذكاء ليس دائما شيئا يسكن داخل رأس واحد. أحيانا يسكن بين الرؤوس. بل أحيانا لا يكون له رأس أصلا. تخيل, قارئي العزيز, نملة سوداء من حدائق أوروبا، من نوع Lasius niger، وهي تتجول في محيط العش. لا تعرف أنْنا تركنا قطرة شراب سكري. ولا تعرف أن هذه القطرة ستصبح، بعد دقائق، مركزا صغيرا للحركة. ثم تعثر عليها. هنا يحدث شيء يشبه البرقية القديمة، لكن من دون ورق ولا حبر. تتغذى النملة، ثم تعود نحو العش، وعلى الطريق تترك وراءها إشارات كيميائية تستطيع قرون الاستشعار لدى النمل الآخر التقاطها. ليست رائحة عابرة وحسب. إنها رسالة. والأغرب أن الرسالة لا تقول: “هناك طعام.” بل يمكن أن تصبح، بفعل التكرار والتعزيز، أقرب إلى قول كامل: “هذا الطريق يستحق أن تسلكوه.” كل نملة تعثر على المورد وتعود، يمكن أن تزيد من وضوح الطريق. وكل نملة تتبعه وتجد الطعام يمكن أن تعزز المسار مرة أخرى. وهكذا لا تحتاج المستعمرة إلى اجتماع. يكفي أن تكرر النجاح نفسه. تلك هي عبقرية التراكم.

لو كان النمل بشريا، لربّما أقام مؤتمرا صحفيا عند أول فتاتة سكر. لكن النّملة لا تفعل ذلك. إنّها تفعل شيئا أكثر كفاءة: تحول تجربتها الخاصة إلى معلومة قابلة للاستعمال الجماعي. وهنا يمكن أن نفهم لماذا لا تكون كل لقمة جديرة بالطريقة نفسها من التعبئة. التجارب على النمل الأسود أظهرت أن حجم المورد يؤثر في سلوك الاستكشاف والتجنيد. عندما تكون المكافأة الغذائية وفيرة، تكون النملة أكثر ميلا إلى العودة بسرعة وترك مسار كيميائي، بينما يمكن للموارد الصغيرة أن تدفعها إلى مواصلة البحث بدلا من إعلان التعبئة العامة. وهذا مذهل. فالمستعمرة لا تتصرف فقط على أساس السؤال: “هل وجدت طعاما؟” بل على أساس سؤال أكثر ذكاء: “هل ما وجدته يستحق أن نخبر الجميع به؟” وهذه، لو تأملناها قليلا، ليست مسألة نملية فقط. إنها مسألة حضارية. فالمجتمعات البشرية أيضا تغرق حين تعامل كل معلومة على أنها مهمة، وكل فرصة على أنها ذهب، وكل خبر على أنه يستحق صفارات الإنذار. الذكاء ليس في اكتشاف كل شيء. الذكاء في معرفة ما الذي يستحق أن ينتشر.

ثم تبدأ المعجزة. تظهر نملة. ثم نملتان. ثم عشرات. ثم خط كامل يتحرك على الأرض كما لو أن أحدا رسمه بخيط غير مرئي. وهنا ترتكب أعيننا خطأ جميلا: نظن أنّ النّمل “يعرف” المكان. لكنّ المستعمرة لا تحتاج إلى معرفة جماعية مسبقة. الطريق نفسه هو الذي يصنع المعرفة. كل نملة تضيف شيئا إلى الطريق، والطريق يعيد توجيه النمل. إنها حلقة من المعلومات والسلوك. المعلومة تصنع الحركة. والحركة تقوي المعلومة. والمعلومة الأقوى تستدعي حركة أكثر. حتى تصبح الفتاتة الصغيرة، التي كانت قبل دقائق جسما غريبا على أرض المطبخ، أشبه بعاصمة اقتصادية مصغرة. هكذا تولد “الطرق السريعة” للنمل من لا شيء تقريبا. لا مهندس طرق. لا أسفلت. لا إشارات مرور. ولا شرطي يقف في المنتصف ويشير بعصاه. فقط كيمياء، وذاكرة، وتكرار، وانتقاء. ومع ذلك: شبكة.

في هذه اللحظة يستحضر العقل، على نحو يكاد يكون حتميا، ذلك المشهد القرآني البديع في سورة النمل، حين تقول النّملة: “يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون.” ليس المهم هنا أن نحول النص إلى كتاب بيولوجيا، ولا أن نحمل الآية ما لا تحتمل. لكن المشهد القرآني يمنحنا، منذ قرون، صورة أدبية مذهلة عن مجتمع النمل: جماعة، مساكن، تحذير، إدراك للخطر، وتواصل بين أفراد كائن صغير. ثم يأتي القرآن ليضع الإنسان أمام مفارقة عجيبة حين يقول: “فتبسم ضاحكا من قولها.” كأن المشهد كله يضع مرآة صغيرة أمام كبرياء الكائن الكبير. سليمان عليه السلام، بما أوتي من الملك والعلم والقدرة، يسمع ما لا يسمعه جيشه. والنملة، بهذا الحجم الذي قد تسحقه حبة رمل، تحمل في لحظة الخطر معلومة تخص الجماعة كلها. ليس في المشهد انتصار للنملة على الإنسان، ولا العكس. بل هناك شيء أكثر عمقا: العالم أكبر من مقاييسنا. وقد يكون الكائن الذي يبدو هامشيا بالنسبة إلينا صاحب نظام معقد لا نفهمه إلا بعد قرون من العلم.

علم الأحياء الحديث منح هذه الصورة لغة أخرى. المستعمرة ليست مجرد تجمع لنمل كثير. إنها نظام. والنظام هنا لا يعمل لأن كل نملة عبقرية. بل ربما يعمل لأن أيا من النمل لا يحتاج إلى أن يكون عبقريا. وهذه من أكثر الأفكار إزعاجا للغرور البشري. فنحن نحب أن نفسر النجاح بوجود عقل عظيم في القمة. رئيس عبقري. قائد أسطوري. مهندس خارق. لكن النمل يقترح علينا نموذجا آخر: ماذا لو كان الذكاء أحيانا نتيجة تفاعل ملايين القرارات الصغيرة، لا نتيجة قرار واحد عظيم؟ ماذا لو كان “العقل” الذي نراه في المستعمرة موزعا في المسارات، والروائح، والذاكرة، والاحتكاك، والتكرار؟ ماذا لو لم يكن هناك عقل للنمل بالمعنى الذي نتخيله، ومع ذلك كانت هناك عقلانية للمستعمرة؟

هنا يصبح النمل فيلسوفا صغيرا من دون أن يعرف الفلسفة. لكن الصورة أكثر تعقيدا من مجرد “شم الطعام”. النمل لا يتبع الفيرومونات كما يتبع الأعمى عصاه. الدراسات على Lasius niger أظهرت أن النمل يمكن أن يجمع بين المعلومات الكيميائية وبين الذاكرة المكانية والخبرة الفردية. في تجارب على مسارات تحتوي على تفرعات، ساعدت الفيرومونات في تقليل الأخطاء، لكن النمل المتمرس لم يكن أسيرا دائما للإشارة الكيميائية. يمكن للذاكرة المتكونة من التجربة السابقة أن تنافس إشارة الطريق الجديدة. وهنا تصبح النملة، فجأة، أكثر إثارة مما تبدو عليه في زاوية المطبخ. إنها لا تقول فقط: “اتبع الرائحة.” بل يمكن أن يكون سلوكها أقرب إلى: “الرائحة تقول شيئا، لكنني أتذكر شيئا آخر.” يا لها من جملة لو قالها فيلسوف بشري لاحتاج إلى فصل كامل من كتاب. النملة تقولها بساقين وقرني استشعار.

مطابخنا هي مختبر صغير لنظرية المعرفة النملية. فحين نترك قطعة بسكويت على الطاولة، إنّنا لا نرى سوى بسكويت. أما النملة فترى احتمالا. وهنا تختلف عينا الكائنين. نحن نرى الشيء. هي ترى قيمة الشيء. نحن نرى الفتات. هي ترى طاقة. نحن نرى قطرة. هي ترى موردا. نحن نرى حادثا عابرا. هي قد ترى فرصة لتغيير حركة المستعمرة. وهذه ليست مجرد استعارة أدبية. إنها تكشف اختلافا عميقا في معنى “المعلومة”. المعلومة ليست الشيء نفسه بالنسبة إلى كل كائن. السكر بالنسبة إلى الإنسان قد يكون متعة صغيرة. بالنسبة إلى المستعمرة، قد يكون وقودا لحركة جماعية. ولهذا كلما ازدادت جودة المورد، ازدادت احتمالات أن يصبح مركزا لتعبئة النمل. ثم يحدث الشيء الذي يجعل النظام أكثر جمالا. تختفي الفتاتة. تنظف الطاولة. يغيب السكر. يمر الوقت. ولا يعود الطريق يتلقى التعزيز نفسه. فتضعف إشارة المسار. وتبدأ حركة النمل في التحول.

وهنا نرى مرة أخرى أن المستعمرة ليست آلة غبية تسير إلى الأبد على الخط نفسه. النظام يعرف، بمعنى سلوكي، أن الطريق الذي لم يعد يقود إلى شيء يفقد قيمته. المعلومة التي لا تؤكدها التجربة تتلاشى.ة والطريق الذي لا ينتج يعود تدريجيا إلى مجرد أرض.هذه الفكرة وحدها تصلح درسا في الاقتصاد والسياسة والإعلام. فكل نظام ذكي يحتاج إلى آلية للتخلي عن المعلومات القديمة. وإلا تحول النجاح السابق إلى سجن. لكن لماذا تبدو لنا النملة غزوة؟ لأننا نرى النهاية ولا نرى المقدمة. نرى عشرات النملات في خط واحد. ولا نرى النملة الأولى التي خرجت وحدها. نرى الازدحام. ولا نرى الاستكشاف. نرى الطريق. ولا نرى آلاف المسارات الفاشلة التي لم تؤد إلى شيء. نرى النجاح وكأنه حدث فجأة. لكن الطبيعة نادرا ما تعمل بهذه الطريقة. ما يبدو لنا “انفجارا” هو في كثير من الأحيان تراكم هادئ لا تراه العين. النملة الأولى لا تعرف أنها ستصنع طريقا. والطريق لا يعرف أنه سيصبح شبكة. والشبكة لا تعرف أنها ستبدو لنا، بعد دقائق، كأنها جيش تلقى أمرا من قائد خفي. ليس هناك قائد خفي. وهذه هي الحيلة كلها.

ربما لهذا السبب اهتم علماء الحاسوب والروبوتات والرياضيات بالنمل. لأن ما تفعله المستعمرة يشبه، على نحو مدهش، بعض المبادئ التي نستعملها في فهم الشبكات والخوارزميات وحل المشكلات. لا نحتاج دائما إلى مركز يتحكم بكل شيء. يمكن لقواعد محلية بسيطة، إذا تفاعلت بما يكفي، أن تنتج نظاما شديد الكفاءة. وهذه الفكرة انتقلت من الحشرات إلى عالم التكنولوجيا: من طرق النمل إلى خوارزميات تستلهم سلوك المستعمرات في البحث عن المسارات الأفضل في الشبكات. كأن الإنسان، بعد أن أمضى قرونا وهو يظن نفسه سيد المعرفة، اضطر في النهاية إلى النظر تحت قدميه كي يتعلم شيئا عن المستقبل. وهنا المفارقة التي تستحق ابتسامة: نحن نبني أقمارا صناعية بمليارات الدولارات كي نبحث عن أفضل طريق للمعلومة، بينما قد تجد مستعمرة نمل أفضل طريق إلى السكر بقطرة من مادة كيميائية على الأرض. لا ينبغي أن نشعر بالإهانة. بل بالدهشة.

ربما لا تكمن عبقرية النمل في أنه “ذكي” كما نحن. بل في أنه لا يحتاج إلى ذكائنا…إنّها حكمة تمشي على ستة أرجل. المستعمرة لا تملك مشروعا فلسفيا عن المستقبل. ولا تناقش في مقهى النمل معنى الوجود. ولا تكتب مقالا عن أزمة الغذاء. ومع ذلك، حين تواجه مشكلة، ينتج نظامها من التفاعلات الصغيرة حلا يبدو أحيانا أكثر أناقة من حلولنا الثقيلة. هذه هي حكمة الطبيعة حين لا تتكلم. إنها لا تعطي محاضرة. إنها تضع مسارا. ثم تجعلنا نتبعه بعين مبهورة. ولعل أكثر ما يمكن أن نتعلمه من هذه الكائنات الدقيقة ليس كيف نعثر على الطعام، بل كيف نفهم الذكاء نفسه. فالذكاء قد لا يكون دائما القدرة على معرفة كل شيء. قد يكون القدرة على تحويل معرفة صغيرة إلى فائدة جماعية. وقد لا تكون القوة في أن يعرف الجميع كل شيء. بل في أن يعرف كل فرد ما يكفي ليؤدي دوره، ثم يترك للنظام كله أن يصنع من الجزئيات صورة لا يستطيع فرد واحد أن يراها. وهذا هو سر الفتاتة التي تتحول إلى “غزو”. ليست النملات قد شمت المطبخ كله. لقد شمت واحدة منها فرصة. ثم شاركتها. فصارت الفرصة معلومة. وصارت المعلومة طريقا. وصار الطريق جماعة. وصارت الجماعة، في دقائق، قوة تتحرك كما لو أن لها عقلا واحدا.

ربما هنا، يمكن للإنسان أن يبتسم للنملة كما ابتسم سليمان عليه السلام. لكن عليه قبل أن يضحك أن ينحني قليلا. فقد تكون تحت قدميه مدرسة كاملة في الذكاء الجماعي. وقد تكون حبة السكر التي ظنها تافهة هي، في جمهورية النمل، ما يشبه بالنسبة إلينا خبرا يغير وجه العالم. نحن نعيش فوق عالم لا نراه. وفي ذلك العالم الصغير، تمشي كائنات دقيقة على الأرض، وتكتب بأقدامها وقرون استشعارها خرائط لا حبر فيها. خرائط من الرائحة. خرائط من الذاكرة. خرائط من التعاون. وربما لهذا، حين نرى فجأة خطا من النمل يتجه نحو فتاتة في مطبخنا، لا ينبغي أن نقول فقط: “من أين عرفوا؟” السؤال الأكثر غرابة هو: كم من الأشياء العظيمة في هذا العالم لا نراها لأنّها أصغر من غرورنا؟

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “النملة التي تقرأ ما لا تراه العين

  1. الإنسان هو الكائن الذي اعتقد وهما، أنه سيد عالم الطبيعة، لما سجن نفسه داخل مملكة ” الأنا”, غير أنه سرعان ما اكتشف حدود أنانيته، لما أكتشف هو نفسه، العالم اللامتناهي في الصغر، ليؤسس فكرا مغايرا يعترف بحدود إدراكه، فكانت مفاهيم النسبية والاحتمال والصلاحية. ليتحلوز مفهوم الحقيقة بوصفها يقين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *