بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس
في مدريد، لا تسقط الحكومات دائما من فوق المنصات. أحيانا تسقط من شقة صغيرة لا يستطيع صاحبها دفع إيجارها، أو من باب منزل عجوز في السابعة والثمانين، أو من طابور مهاجرين طويل يزحف نحو سياج سبتة، أو من سبعة أصوات برلمانية تجلس في برشلونة وتكتشف فجأة أنها تستطيع أن تجعل قصر مونكلوا يرتجف. وهذا بالضبط ما حدث لبيدرو سانشيز. في الخامس من أكتوبر، فتح رئيس الحكومة الإسبانية الباب الذي ظل يتركه مواربا، وقال للإسبان: اذهبوا إلى صناديق الاقتراع. انتخابات عامة مبكرة في التاسع والعشرين من نوفمبر، قبل موعدها الطبيعي بنحو سبعة أشهر. لم يكن القرار مجرد رد فعل على تصويت برلماني خاسر، بل اعترافا بأن آلة الحكم وصلت إلى تلك المنطقة الغامضة التي يصبح فيها البقاء في السلطة أقل أهمية من القدرة على الحكم.
سانشيز لم يذهب إلى الانتخابات فقط لأنه خسر التصويت على مرسومي السكن. لقد ذهب إليها لأنه اكتشف أن البرلمان الذي صنع منه ذات يوم سلما إلى السلطة صار الآن متاهة لا يستطيع عبورها. لقد سقط المرسومان بأصوات الحزب الشعبي وفوكس وجونتس، وهي صورة تكاد تكون سريالية: اليمين الإسباني التقليدي، واليمين الراديكالي، والقومية الكتالونية، يجتمعون في لحظة واحدة لإسقاط إجراءات تقول الحكومة إنها موجهة إلى أزمة السكن وحماية المستأجرين. في السياسة، ليست التحالفات دائما عناقا بين المتشابهين. أحيانا يجتمع المختلفون لأنهم يكرهون الباب نفسه. وهكذا أصبح السكن، فجأة، أكثر من سقف. أصبح سقفا سياسيا. فالبيت الذي لم يعد الشاب الإسباني قادرا على استئجاره، والبيت الذي يمكن أن يفقده المستأجر الضعيف، والبيت الذي تحول إلى أصل مالي تتنافس عليه الصناديق، كلها اجتمعت في كلمة واحدة: السكن.
ومنذ قضية ماريس كارمن أباسكال، المرأة البالغة 87 عاما التي تحولت قضيتها إلى شرارة احتجاجية، لم يعد السؤال الإسباني مجرد سؤال اقتصادي. لقد صار سؤالا فلسفيا: ما قيمة دولة ديمقراطية إذا كان المواطن لا يستطيع أن يجد فيها مكانا يضع فيه سريره؟ هنا فهم سانشيز شيئا بالغ الخطورة. السياسة لا تبدأ دائما من الدستور. أحيانا تبدأ من الإيجار. ولذلك حاول أن يحول هزيمته البرلمانية إلى معركة انتخابية أخلاقية: نحن نريد حماية المستأجرين، وهم أسقطوا الإجراءات. نحن نريد دولة للعدالة الاجتماعية، وهم يريدون العودة إلى منطق السوق. لكن المشكلة أن الناخب ليس دائما مخلوقا أخلاقيا كما تحبه الحملات الانتخابية. إنه مخلوق خائف. وقد يصوت ضد الحكومة لأنه يخاف من ارتفاع الإيجار، أو من الهجرة، أو من الجريمة، أو من التضخم، أو من تفكك الدولة، أو لأنه ببساطة تعب من حكومة تبدو عاجزة عن تمرير قوانينها.
وهنا تدخل سبتة إلى المشهد مثل ظل أسود طويل. سبتة ليست مجرد مدينة. إنها عقدة تاريخية معلقة على حافة المتوسط، حيث تتداخل الجغرافيا بالذاكرة الاستعمارية، والسيادة بالهجرة، والعلاقات المغربية الإسبانية بالأمن الأوروبي. وحين شهدت المدينة موجة عبور جماعي ضخمة في يوليوز، تحولت القضية من أزمة حدود إلى مادة انتخابية شديدة الاشتعال. المعارضة الإسبانية اتهمت الحكومة بالعجز، وذهبت أصوات فيها إلى الحديث عن حرب هجينة مرتبطة بالمغرب. لكن الرباط رفضت هذه الاتهامات، مؤكدة عدم تقديم أدلة تثبت تورط السلطات المغربية. وهنا ينبغي أن نتوقف. لأن أخطر شيء في السياسة الأوروبية المعاصرة هو أن تتحول الحدود إلى أسطورة. عندما يعجز السياسي عن تفسير أزمة اجتماعية معقدة، يبحث عن جسد خارجي يضع عليه خوف المجتمع. المهاجر يصبح رمزا. المغرب يصبح رمزا. سبتة تصبح رمزا. ثم تتحول الرموز إلى وقائع سياسية أقوى من الوقائع نفسها.
لكن سبتة، في العمق، تكشف مأزقا إسبانيا أكبر: إسبانيا لا تستطيع أن تفصل أمنها عن علاقتها بالمغرب، حتى عندما ترتفع الأصوات التي تريد أن تفعل ذلك. وهذه هي المفارقة. كلما اشتد الخطاب القومي الإسباني حول المغرب، ازدادت الحاجة العملية إلى المغرب. الهجرة تحتاج المغرب. الأمن يحتاج المغرب. مكافحة الشبكات الإجرامية تحتاج المغرب. الحدود الجنوبية لأوروبا تحتاج المغرب. والاقتصاد يحتاجه أيضا. إنها علاقة تشبه حبلين متشابكين: كل طرف يحاول أن يثبت أنه يستطيع العيش من دون الآخر، ثم يكتشف أن الحبل نفسه يشده إليه. ومن هنا نفهم لماذا سيكون لهذه الانتخابات الإسبانية ما هو أبعد من مدريد. إنها، بصورة أو بأخرى، ستصل إلى الرباط. ليس لأن المغرب موضوع في برنامج الانتخابات الإسبانية بالضرورة بوصفه القضية الأولى، بل لأن المغرب يقع عند نقطة التقاء ثلاث مسائل ستحدد مستقبل السياسة الإسبانية: الهجرة، الأمن، والصحراء. وهنا يظهر السؤال الذي سيؤرق الرباط أكثر من نتيجة أي استطلاع: ماذا سيحدث إذا انتقل الحكم إلى اليمين؟
سانشيز جعل منذ 2022 الاعتراف بمبادرة الحكم الذاتي المغربية أساسا لموقف إسبانيا من النزاع حول الصحراء. وهذا التحول أعاد ترتيب العلاقة المغربية الإسبانية بعد سنوات من التوتر. وفي المقابل، فإن أي حكومة يمينية جديدة قد تسعى إلى إعادة صياغة هذا الموقف، ولو لم يكن من السهل بالضرورة إلغاؤه بقرار سياسي بسيط. فالعلاقات الدولية لا تشبه السبورة المدرسية التي يستطيع الوزير أن يمحو منها جملة ويكتب أخرى. وهنا تكمن عبقرية الجغرافيا المغربية. فالرباط ليست دولة يمكن لمدريد أن تتعامل معها كما تتعامل مع قضية داخلية. إنها بوابة المتوسط. وبقدر ما تريد إسبانيا أن تكون جزءا من أوروبا، فإنها تعرف أنها تقف جغرافيا على عتبة إفريقيا. ومن الغريب أن السياسة الأوروبية كلما حاولت أن تجعل المتوسط خطا فاصلا، أعاد المغرب تعريفه كمنطقة اتصال. ولهذا فإن الانتخابات الإسبانية المقبلة لن تكون مجرد صراع بين سانشيز وفيخو، ولا بين الاشتراكيين والحزب الشعبي، ولا بين اليسار واليمين. ستكون أيضا صراعا على تعريف إسبانيا لنفسها. هل تريد أن تكون دولة أوروبية تتحدث من فوق المتوسط؟ أم دولة متوسطية تعرف أن نصف أمنها يأتي من الضفة الأخرى؟ هل تريد أن تنظر إلى المغرب باعتباره ملفا أمنيا؟ أم باعتباره شريكا استراتيجيا لا يمكن اختزال العلاقة معه في الهجرة والصحراء؟
وهنا يصبح موقف الحزب الشعبي من قضية الصحراء بالغ الأهمية. فالحديث عن العودة إلى الموقف الأممي يبدو، للوهلة الأولى، أكثر تحفظا من موقف سانشيز. لكنه في السياسة الخارجية ليس موقفا محايدا بالضرورة. فإعادة الملف إلى صيغة أكثر تقليدية قد تعني، عمليا، فتح مسافة مع الرباط. والمسافة في العلاقات المغربية الإسبانية ليست مترا على خريطة. إنها قد تكون قارب مهاجرين. أو اتفاقا أمنيا. أو استثمارا. أو أزمة دبلوماسية. أو قرارا أوروبيا. أو حتى كلمة تصدر من مجلس الأمن. لكن المفارقة الكبرى أن سانشيز نفسه لا يدخل هذه الانتخابات من موقع المنتصر. إنه يدخلها كسياسي يعرف أن لديه قدرة عجيبة على النجاة، لكنه يعرف أيضا أن النجاة ليست هي الحكم. لقد نجا من أزمات كثيرة. نجا من انهيارات داخل حزبه. نجا من أزمات برلمانية. نجا من تحالفات مستحيلة. نجا من فضائح وضغوط. لكن السياسة لها قانون غريب: الرجل الذي ينجو كثيرا يبدأ في الاعتقاد أنه لا يمكن أن يغرق. ثم يأتي البحر. وهذا البحر اسمه هذه المرة 29 نوفمبر. الاستطلاعات تمنح الحزب الشعبي موقعا متقدما، فيما يظل احتمال صعود اليمين مع فوكس حاضرا بقوة. لكن سانشيز يراهن على شيء يعرفه جيدا: أن الانتخابات الإسبانية لا تحسم دائما بمن يتقدم في الاستطلاع، وإنما بمن يستطيع أن يبني بعد الانتخابات أغلبية قابلة للحياة. وهذا هو سر الرجل. سانشيز لا يلعب فقط ضد خصمه. إنه يلعب ضد الحسابات الرياضية. قد يخسر المركز الأول ويظل رئيسا. وقد يفوز بالمركز الأول ويجد نفسه عاجزا عن تشكيل الحكومة. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: من سيفوز؟ بل: من يستطيع أن يحكم بعد الفوز؟
وهنا يعود جونتس إلى قلب المسرح مثل شبح كتالوني يعرف أن سبعة مقاعد يمكن أن تكون أثقل من مئات الأصوات. لقد أسقط جونتس مع الحزب الشعبي وفوكس مرسومي السكن، فأظهر مرة أخرى أن البرلمان المجزأ قادر على إسقاط الحكومة من دون أن يكون قادرا على إنتاج بديل عنها. وهذه إحدى أكثر مفارقات الديمقراطية البرلمانية غرابة: تستطيع أن تمنع السفينة من الإبحار، لكنك لا تستطيع بالضرورة أن تصنع سفينة أخرى. وهنا يبدو أن سانشيز اتخذ قراره الأكثر براغماتية: إذا كان البرلمان قد أصبح مستحيلا، فليعد السؤال إلى الشعب. إنها ليست بطولة. وليست استسلاما. إنها محاولة لإعادة توزيع أوراق اللعبة. سانشيز يريد أغلبية تقدمية أوسع، بعدما أثبتت التجربة أن حكومة أقلية تعتمد على أصوات متفرقة يمكن أن تتحول إلى رهينة لكل تصويت. واليسار نفسه يدخل الانتخابات أمام مشكلة أخرى: ضرورة توحيد صفوفه، إذ بدأت بالفعل التحركات لتشكيل إطار أوسع على يسار الاشتراكيين. لكن السؤال الذي يجب أن يزعج مدريد هو التالي: ماذا لو لم يكن الإسبان يريدون سانشيز ولا فيخو، وإنما يريدون الخروج من هذا العصر كله؟ من عصر الحكومات المعلقة. من عصر ابتزاز الأحزاب الصغيرة. من عصر التحالفات التي تبدأ في الصباح وتنتهي عند أول تصويت. من عصر السياسة التي تتحول فيها كل أزمة اجتماعية إلى حرب هوية. ومن عصر تصبح فيه الهجرة والصحراء وكتالونيا والسكن أجزاء من صندوق واحد اسمه الخوف.
هنا بالضبط يصبح المشهد الإسباني مرآة أوروبية. فأوروبا كلها تواجه السؤال ذاته تقريبا: ماذا تفعل الديمقراطية عندما تتسع مشكلات الناس أسرع من قدرة المؤسسات على حلها؟ السكن يرتفع. الهجرة ترتفع. اليمين يرتفع. القلق يرتفع. أما الثقة، فتسير في الاتجاه المعاكس. ولذلك فإن الانتخابات الإسبانية المقبلة قد تكون أقل أهمية بسبب الفائز فيها، وأكثر أهمية بسبب نوع المجتمع الذي ستكشفه. إذا فاز اليمين، فلن يكون ذلك مجرد انقلاب حكومي؛ سيكون إعلانا بأن إسبانيا تريد إعادة تعريف علاقتها بالهجرة، وبالحدود، وباليسار، وربما بالمغرب. وإذا نجا سانشيز، فلن يكون ذلك انتصارا لشخصه فقط؛ سيكون تفويضا جديدا لمشروع يقول إن إسبانيا تستطيع أن تواجه أزمة السكن والهجرة والاستقطاب من داخل نموذج اجتماعي تقدمي. لكن هناك احتمالا ثالثا أكثر إثارة: أن تفوز الانتخابات، ولا يفوز أحد. أن يصبح البرلمان مرآة مكسورة تعكس الجميع ولا تمنح أحدا وجها كاملا. وعندها ستكتشف إسبانيا أن المشكلة ليست سانشيز. وليست فيخو. وليست فوكس. وليست جونتس. المشكلة هي أن النظام الحزبي نفسه صار يعيش في زمن مختلف عن الزمن الذي صمم له.
وهنا يمكن فهم المغزى الأعمق لما يحدث في المغرب أيضا. فخروج الأحرار من الحكومة أو بقاؤه فيها، كما ستقرره المفاوضات السياسية، لا ينبغي أن يقرأ بمنطق من ربح الكرسي ومن خسره. فالسياسة المغربية، مثل الإسبانية، تدخل مرحلة يصبح فيها السؤال الحقيقي هو قدرة الأحزاب على إنتاج معنى سياسي، لا مجرد إنتاج أغلبية عددية. إذا خرج حزب إلى المعارضة، فليست تلك نهاية العالم. وإذا عاد حزب إلى الحكومة، فليست تلك شهادة براءة. الديمقراطية هي قدرة الأحزاب على جعل الاختلاف منتجا، و المعارضة رقابة لا انتقاما، والحكومة مسؤولية لا غنيمة. وهنا تصبح إسبانيا درسا للمغرب، كما يصبح المغرب درسا لإسبانيا. الدولة الحديثة لا تخاف من المعارضة. الدولة الحديثة تخاف من أن تصبح المعارضة بلا معنى، والحكومة بلا قدرة، والانتخابات بلا أفق. ولعل أجمل ما في السياسة أنها، في لحظاتها الكبرى، تكشف عن نفسها كفلسفة للزمن. سانشيز يقول للإسباني: اختر مستقبلك. لكن المستقبل ليس ورقة اقتراع. المستقبل هو ما سيحدث في اليوم التالي للانتخابات. من سيشكل الحكومة؟ من سيمسك ملف الهجرة؟ ماذا سيحدث في سبتة؟ ما مصير العلاقة مع الرباط؟ هل يبقى الحكم الذاتي المغربي هو أساس الموقف الإسباني؟ كيف ستدار أزمة السكن؟ هل تستطيع مدريد أن تعيد بناء أغلبية مستقرة؟ وهل يستطيع اليسار أن يتوحد قبل أن تلتهمه خلافاته؟ وهل يستطيع اليمين أن يحكم من دون أن يصبح فوكس هو ظله الثقيل؟ هذه هي الأسئلة التي ستخرج من صندوق الاقتراع مثل أشباح صغيرة.
ولهذا فإن التاسع والعشرين من نوفمبر لن يكون مجرد يوم انتخابي. سيكون يوما ستنظر فيه إسبانيا إلى نفسها، وربما لا تتعرف إليها. ففي السياسة، الانتخابات لا تغير الحكومات فقط. أحيانا تغير صورة الدولة عن ذاتها. وقد تكون إسبانيا الآن أمام تلك اللحظة بالذات: لحظة تكتشف فيها أن البيت الذي كانت تبحث عنه في أزمة السكن ليس البيت المادي وحده، وأن أزمة الحدود ليست أزمة حدود فقط، وأن المغرب ليس مجرد جار في الجنوب، وأن الصحراء ليست مجرد ملف دبلوماسي، وأن سبتة ليست مجرد مدينة محاصرة بالماء، وأن البرلمان ليس مجرد قاعة للتصويت. كل ذلك خيط واحد. والخيط يقود إلى سؤال واحد مخيف: أي إسبانيا ستخرج من الصندوق؟ إسبانيا التي تخاف من العالم؟ أم إسبانيا التي تعرف أن العالم، في النهاية، هو بيتها الكبير؟ وسيكون على المغرب أن يصغي جيدا إلى الإجابة. ليس خوفا من مدريد. بل لأن بعض العواصف لا تأتي من البحر. بعضها يبدأ في صندوق اقتراع صغير، ثم يعبر المتوسط، ويصل إلى الرباط قبل أن يدرك أحد أن الريح قد تغيرت.
