رسالة مفتوحة إلى الأمة الإسبانية كافة

سبتة ومليلية على محك التاريخ والقانون: من أجل حقيقة تاريخيةفي خدمة المستقبل الإسباني-المغربي

إلى جلالة الملك فيليبي السادس، وإلى مؤسسات مملكة إسبانيا، والمسؤولين السياسيين، والمؤرخين، والأكاديميين، والمثقفين، والشعب الإسباني عامة

بقلم الدكتور عيسى بابانا العلوي

مختص في العلوم السياسية، مؤرخ وأستاذ-باحث.

سيداتي وسادتي،

أصدقائي الإسبان الأعزاء،

توجد ظروف قد يصبح فيها صمت المؤرخ، في الوقت الذي يمتلك فيه المعارف والأدوات اللازمة لإنارة النقاش العام، شكلاً  من أشكال التخلي عن مسؤوليته الفكرية. وهناك أيضاً تصريحات، تتجاوز أبعادها السياسية المباشرة، لتستنطق ذاكرة الشعوب، وتُحيي خلافات الماضي، وتدعو إلى التساؤل حول العلاقات المعقدة بين التاريخ والقانون والواقع الإقليمي الموروث عبر القرون. فالتاريخ لا يمكن أن يكون ملكاً حصرياً لمن ورثوا معالمه أو أرشيفه أو رواياته السائدة. إنه ينصح لكل من يقبل إخضاعه للفحص النقدي للوقائع والوثائق والمنطق.

وفي مؤلفه السيرة الذاتية “ذاكرة ملك”، صرح الراحل الحسن الثاني بأن «التاريخ سيدّة جليلة لا تحتاج، والحمد لله، إلى وصيفات لمساحيق التجميل كي تبدو أجمل. فهي تظل دائماً التاريخ، وتعرف كيف تظهر بالشكل المناسب، في الوقت المناسب، والمكان المناسب». ولهذا السبب، سأدعوه ليظهر بالشكل المناسب، اليوم حيث يجب ذلك، في تاريخ سبتة ومليلية كما يجب أن يُروى.

تأتي زيارة جلالة الملك فيليبي السادس إلى سبتة، في 13 أكتوبر 2026، تلتها زيارة مليلية، في سقيا حساس للغاية من العلاقات الإسبانية-المغربية. فمن خلال تأكيده على أن المدنتين جزء لا يتجزأ من الواقع السياسي والوطني الإسباني، وأن سيادة إسبانيا ووحدتها الترابية «ليستا قابلتين للتفاوض أو النقاش»، عبر العاهل الإسباني عن موقف رسمي أحترم مداه المؤسساتي، لكني أطعن في طابعه النهائي عندما يزعم حسم مسألة تاريخية وقانونية تظل في صميم المطالبة المغربية، بقوة التصريح وحده.

إنني لا أرفع القلم لأطعن في حق سكان سبتة ومليلية في الكرامة والأمان واحترام قناعاتهم. كما أنني لا أجهل واقعهم اليومي ولا الروابط الإنسانية التي تجمعهم بالمجتمع الإسباني. ولست أسعى كذلك إلى إحداث قطيعة بين الشعبين المغربي والإسباني، اللذين ينبغي أن تشكل تقاربهما الجغرافي وتاريخهما المشترك ومصالحهما المشتركة سبباً إضافياً للتخاطب بوضوح وصراحة. إنني أرفع القلم لأني مؤرخ، ولأني مرتبط بحقيقة الوقائع؛ ولأنني أعتقد أن الإسبان هم أكثر حاجة اليوم، مقارنة بالأمس، لمعرفة التاريخ الحقيقي التاريخي-السياسي لسبتة ومليلية؛ ولأنني أعتبر أن القضايا الإقليمية لا يمكن إخضاعها دون تمحيص لفحص التاريخ والقانون؛ ولأنني ما زلت على يقين بأن صداقة حقيقية بين أمتين جارتين لا يمكن أن تقوم على نسيان خلافاتهما. لذلك، فإن هذه الرسالة موجهة لا ضد إسبانيا كشعب ولا ضد عاهلها كشخص. إنها موجهة إلى إسبانيا بأسرها، في تنوع  مؤسساتها وحساسياتها السياسية وتياراتها الفكرية. فمسألة تهم ذاكرة ومستقبل أمتين لا يمكن تركها للخطابات الرسمية وحدها، ولا للأهواء الحزبية أو القراءات المجتزأة للماضي. وأتمنى أن يُسمع هذا النداء كدعو للحقيقة التاريخية، والوضوح القانوني، والشجاعة السياسية.

المغربية الثابتة لسبتة ومليلية: ثمانية قرون من السيادة

من خلال التذرع برغبة الحفاظ على «علاقات حسن الجوار مع المملكة المغربية» مع وصف وجود الملكية الإسبانية بأنه واقع وطني «لا ينفصم»، يختار رأس الدولة الإسبانية معارضة لغة الصرامة السياسية بلغة الحقيقة التاريخية. إلا أن الدبلوماسية والقانون والضمير الفكري لا يمكنهم التكيف مع رؤية أحادية الجانب لـ «حسن الجوار» تتظاهر بتجاهل استمرار نزاع ترابي جوهري. إن مطالبة المغرب بـ «حسن طوية» مؤسس على احترام خط حدودي موروث عن الحقبة الاستعمارية، مع اجتزاز مطالبه السيادية المشروعة بجرة قلم، يشكل تناقضاً جيوستراتيجياً عميقاً. فالأزمات الهجرة المتكررة، بعيداً عن كونها مجرد حوادث أمنية خارجية، هي التمظهرات المادية والأعراض الحتمية لشذوذ جغرافي وتاريخي: ألا وهو استمرار حدود أوروبية على القارة الإفريقية.

إن الادعاء بأن السيادة الإسبانية هي «أمر بديهي» يهدف عمداً  إلى طمس قرون التاريخ التي سبقت الغزو الإيبيري. فلا يمكن بناء ثقة متبادلة مستدامة عبر إدامة الأمر الواقع الاستعراضي واختزال تعقيد نزاع عتيق في معادلة مراقبة أمنية بحتة. وأمام تأكيد إسبانية خالدة، تفرض الصرامة الأكاديمية التذكير بأن ذاكرة الأرض تفوق المعاهدات الظرفية، وأن تجذر سبتة ومليلية في الحضن المغربي هو حقيقة تسبق بقرون وجود تاج إسبانيا ذاته. فالحجة السياسية التي تسعى لفرض أمر واقع تحت ضغط الظرفية المعاصرة تصطدم ببديهية لا تقبل الجدل: مغربية سبتة ومليلية متأصلة في نشأة الدولة المغربية ذاتها. فالتاريخ لا يبدأ مع الغزو الأوروبي في القرن الخامس عشر، إذ إن قرابة تسعة قرون من الاستمرارية الترابية المغربية تسبق الغزوات الأوروبية. وهذه السيادة الأصيلة والمستمرة لم تُكسر إلا بموجات الاستعمار المتعاقبة. وعلاوة على ذلك، فإن استيلاء البرتغال على سبتة سنة 1415 تحت أنظار المرينيين العاجزة لم يقتصر على انتهاك الأرض المغربية فحسب، بل أجج شهوة إسبانيا المفترسة التي انقضت على مليلية سنة 1497. وقد بلغ هذا المسلسل من السلب ذروته سنة 1580: مستغلة صدمة الاتحاد الإيبيري – الذي وقع بعد سنتين فقط من الهزيمة التاريخية والمريرة للبرتغال أمام الجيوش المغربية في معركة  وادي المخازن (معركة الملوك الثلاثة). فطردت مدريد لشبونة للاستيلاء على سبتة. ومع ذلك، تطلب الأمر انتظار أفول الدولة السعدية وثمانية وثمانين عاماً من الأمر الواقع لكي يكرس معاهدة لشبونة لسنة 1668 رسمياً انتقال المدينة تحت نير التاج الإسباني. إذن، لم تصبح سبتة إسبانية بمجرد عمل غزو إسباني بسيط سنة 1580.

وبذلك، وبالعودة إلى الروابط التاريخية والترابية والاستراتيجية التي تربط مدن الشمال بالسلطة المغربية، لا يمكن مقاربة قضية الجيبين المغربيين بشكل جدی دون استحضار جذورهما، وبيئتهما السوسيولوجية-الثقافية، وإدماجهما في الفضاء السياسي للمغربي، وتطور السلطات التي مارست نفوذها على الساحل الشمالي الإفريقي. لكن ما أرفضه قبل كل شيء هو محاولة تحويل مدة التواجد إلى حقيقة تاريخية مطلقة، ثم تحويل هذه الحقيقة المفترضة إلى حجة تمنع أي تساؤل حول الجذور والشرعية الترابية المغربية. إن قِدم أي حيازة لا يعفي المؤرخ أبداً من فحص ظروف اكتسابها. كما أن استمرارية الإدارة لا تُلغي ذكرى الغزو. وقوة الزمن وحدها لا يمكن أن تكون دليلاً تاريخياً. أنا لا أزعم أن مؤرخي العالم أجمع قد تبنوا تفسيراً واحداً لكل فترة من هذا التاريخ. بل أؤكد أنه لا توجد دراسة جادة لسبتة  ومليلية يمكنها الاستغناء عن تاريخ المغرب، وسلالاته، ومطالبه، وجهوده للحفاظ على وحدته الترابية.

المقاومة المغربية: استمرارية تاريخية طالما تم تهميشها

منذ التوسع البرتغالي والإسباني على سواحل المغرب، حاول السلاطين المغاربة في أزمنة مختلفة مقاومة احتلال الأراضي التي اعتبروها جزءاً من تراثهم الوطني. فلم تستسلم الإمبراطورية الشريفة قط، جاعلة من المقاومة وتحرير سواحلها عقيدة دولة دائمة. إن الانتصار العسكري للسلطان العلوي القوي مولاي إسماعيل بتحرير طنجة سنة 1684 بعد ربع قرن من الاحتلال الإنجليزي – فضلاً عن استرجاع العرائش والمهدية – يشهد على أن المغرب لم ينح قط. وإذا كانت القرب الجغرافي الفوري لسبتة – الواقعة على بعد 45 كيلومتراً فقط خطاً مستقيماً من طنجة – يجعل منها أولوية مطلق، فإن الاختلال الجيوستراتيجي وحده في مواجهة القوى البحرية الأوروبية هو الذي شكل تاريخياً عائقاً أمام تحريرها النهائي. ومع ذلك، يسجل التاريخ الأكاديمي رصيداً بطولياً يضم أكثر من عشرة حصار وحملات عسكرية كبرى حافظت على ضغط مستمر على المحتل:

– الحصار الكبير لسبتة (1694-1727): حرب استنزاف قاسية دامت لأكثر من 30 سنة قادها مولاي إسماعيل، وتشكل أطول  حصار في التاريخ الحديث. غير أن الحصار لم يسفر عن استعادة المدينة، لا سيما لأن موقعها البحري سمح للحامية الإسبانية بتلقي التعزيزات والإمدادات.

– حصار مليلية (1697 و1774): هجمات واسعة النطاق، لا سيما في عهد السلطان مولاي محمد بن عبد الله، عبأت جيشاً ضخماً يضم 40 ألف مقاتل ومدفعية ثقيلة.

– هجمات مولاي عبد الله (1732) ومولاي يزيد (1790): قصف جبهوي منتظم يثبت الرفض المستمر للحماية الفعلية.

– حرب تطوان (1859-1860): مواجهة كبرى في عهد محمد الرابع، اندلعت بسبب مقاومة القبائل المحلية، مما يعكس تلاحماً تاماً بين الإرادة الشعبية والسلطة الملكية.

تستحق هذه الملاحم من الصمود والدفاع أن تُستحضر. فهي تُظهر أن تاريخ الساحل الشمالي للمغرب ليس قصة استسلام أبدي للوجود الأوروبي، بل هو تاريخ صمود واسترجاع ومثابرة سياسية. سيكون من الظلم تاريخياً اختزال هذه الإخفاقات في قبول مغربي مزعوم بالوضع. ففشل محاولة تحرير لا يعني التنازل عن مطلب؛ واستحالة هزيمة قوة محتلة لا تحول الغزو بأثر رجعي إلى موافقة. إنني لا أستحضر هذه الأحداث لتمجيد الحرب ولا للدعوة إلى المواجهة، بل أذكر بها لأنها تنتمي إلى  التاريخ، ويجب أن يُروى التاريخ بكل تفاصيله، حتى عندما يزعج الروايات الوطنية القائمة. كما أن الأمر لا يتعلق بادعاء أن كافة الحملات العسكرية المغربية كان لها نفس الأهداف، أو نفس النتائج، أو نفس المدلول القانوني. بل يتعلق بالاعتراف بحقيقة جوهرية: وهي أن السلاطين المغاربة لم يمحوا يوماً سبتة ومليلية من أفقهم السياسي.

أنا أفهم أن يرغب رئيس دولة في إبداء دعمه لسكان إقليم تديره بلاده، سيما إثر أحداث دراماتيكية. لكن من الضروري بنفس القدر الإقرار بأن زيارة ملكية، في فضاء تُنازع في سيادته دولة مجارة، تحمل حتماً بُعداً سياسياً ورمزياً. وفي السياق المغربي، يمكن أن تُفهم هذه الزيارة على أنها تأكيد أحادي الجانب للموقف الإسباني، بما قد يمس حساسيات تاريخية ووطنية متجذرة بعمق. أنا لا أدعي، بغير دليل، أنه جرى تنظيمها بقصد الاستفزاز المغربي، بل أرى بالأحرى أن المسؤولين السياسيين مطالبون بتقدير مدى تصريحاتهم وأفعالهم عندما تمس قضايا بالغة الحساسية. تحتل الملكية الإسبانية مكانة دستورية خاصة، تختلف عن تلك التي للحكومة والأحزاب السياسية. ولذلك سيكون من غير المبرر إسناد مسؤولية الزيارة أو كل تصريح صادر عنها لحزب  بعينه بغير أدلة دامغة. في المقابل، من المشروع مطالبة الفاعلين السياسيين، أغلبية ومعارضة، بعدم تحويل التوترات الترابية والهجرة إلى أدوات للمنافسة الحزبية.

إن كرامة السكان، وإدارة الهجرة، وأمن الحدود، والمسألة التاريخية للسيادة هي مواضيع منفصلة لا ينبغي الخلط بينها. فمعاناة ضحايا أزمة الهجرة تستدعي الاحترام والتعاطف؛ ولا يمكن اتخاذها ذريعة لإغلاق نقاش تاريخي ذي طبيعة أخرى. وبالمثل، لا ينبغي لصعوبات الهجرة أن تحول إلى ذريعة لاختزال العلاقات المغربية-الإسبانية في منطق الارتياب. فالبلدان بحاجة ماسة لبعضهما البعض في مجالات الأمن، والتجارة، وحركة الأشخاص، والتعاون الإقليمي، واستقرار مضيق جبل طارق. ولهذا السبب بالذات، ينبغي أن ترافق الحيطة الدبلوماسية صرامة المواقف الوطنية. من الممكن تماماً مساندة سكان سبتة ومليلية مع الاعتراف في نفس الوقت بأن المغرب يحمل مطلباً تاريخياً مشروعاً. ومن الممكن الدفاع عن المصالح الوطنية دون التخلي عن الحوار.

1975: مسعى دبلوماسي سابق للمسيرة الخضراء

إن أحد أهم عناصر هذا الملف غالباً ما يكون غير معروف بالقدر الكافي لدى الجمهور العريض: فقد بادر المغرب بخطوة دبلوماسية دولية تخص جيوبي الساحل الشمالي قبل المسيرة  الخضراء في نوفمبر 1975. ففي 27 يناير 1975، وجه الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة رسالة إلى رئيس اللجنة الخاصة المعنية بدحث تطبيق إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب الاستعمارية تتعلق بالوضع الاستعمار الذي اعتبر المغرب أنه ما زال قائماً على أجزاء من ترابه. وقد سُجل الوثيقة تحت مرجع A/AC.109/475. وفي هذه الخطوة، عرض المغرب سبتة ومليلية، وجزر الحصيمة، وصخري فيليز، وجزر إشفارين باعتبارها مخلفات للهيمنة الاستعمارية الإسبانية، والتمس فحص وضعها ضمن أعمال تصفية الاستعمار للأمم المتحدة. وفي 21 فبراير 1975، اعتمد مجلس وزراء منظمة الوحدة الإفريقية القرار CM/Res.389 (XXIV)، المعنون بـ «القرار المتعلق بالجيوب الاستعمارية على الساحل الشمالي للمغرب».

وأعرب هذا القرار عن تضامنه مع المملكة المغربية، وطالب لجنة الأمم المتحدة المختصة بالشروع في الإجراء الملائم، ووجه نداءً لإسبانيا للإسراع بمسار تصفية الاستعمار والشروع في مفاوضات مع المغرب. هذه الوثائق عبارة عن مستندات تاريخية ودبلوماسية قابلة للتحقق. وهي تثبت بوضوح أن المطلب المغربي رُفع إلى السرح  الدولية منذ مطلع سنة 1975، أي أشهر عديدة قبل المسيرة الخضراء. ونتيجة لذلك، صاغ المغرب مطلبه رسمياً، وعرض أسسه التاريخية والسياسية، وطلب فتح مسار دولي لتصفية الاستعمار. ولذلك سيكون من غير الدقيق تقديم الملف باعتباره مطلباً مرتجلاً أو وليد ظروف سياسية عابرة. فهو يندرج ضمن مسار دبلوماسي قابل للتحديد، وموثق، وسابق لأحداث نوفمبر 1975. ولهذا السبب تفرض الحقيقة التاريخية دراسة هذه الوثائق والاعتراف بمداها وعدم اختزالها في مجرد تصريحات عديمة الأهمية.

القانون الدولي: مسألة تستحق أفضل من الرفض القاطع

تستند إسبانيا إلى السيادة التي تمارسها على سبتة ومليلية، ووضعهما داخل نسقها الدستوري، وغيابهما عن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي التابعة للأمم المتحدة. غير أن هذا الواقع الفعلي لا يعفي من دراسة الحجج المغربية. إن غياب الإدراج على القائمة الأممية للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي لا يمكن بحال تحويله إلى حجة كونية تمنع أي نقاش تاريخي أو سياسي أو دبلوماسي حول وضع أي إقليم. فهو يشكل عنصراً هاماً في الإطار المؤسساتي الدولي، لكنه لا يجيب تلقائياً عن كافة الأسئلة التي قد يثيرها تاريخ حيازة ترابية، أو  مطالب دولة مجاورة، أو إمكانية مفاوضات ثنائية. والمقارنة مع هونغ كونغ تستحق، في هذا الصدد، دراسة متأنية. فلم يكن الإقليم مُدرجاً على قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي حين استرجاعه من قبل الصين سنة 1997 إثر مفاوضات بين لندن وبكين وفي إطار أدوات تعاقدية محددة. فلماذا ما صح للصين بخصوص هونغ كونغ لا يصح اليوم للمغرب بشأن سبتة ومليلية؟

وعلى كل حال، يذكرنا نموذج هونغ كونغ ببديهية دبلوماسية: فغياب إقليم عن قائمة دولية لا يجعل، في حد ذاته، أي تفاوض أمراً مستحيلاً. فالدول يمكنها اختيار دراسة مسألة ترابية عبر الحوار أو التفاوض أو الترتيبات المتفق عليها، بحسب الظروف والقانون الواجب التطبيق. ومن ثم، يظل التساؤل مشروعاً: لماذا ترفض إسبانيا دراسة أي نقاش مع المغرب بشأن هاتين المدنتين، في الوقت الذي يُفترض فيه أن تندرج العلاقات الثنائية في أفق استدامة وأن للبلدين مصلحة في الحفاظ على استقرار جوارهما؟ تلك هي المسألة الوجودية التي أطرحها على نفسي بصفتي عالم سياسة ومؤرخاً في آن واحد.

أنا لا أزعم أن المفاوضات تحسم نتائجها مسبقاً، ولا أنها تفرض على أحد الطرفين التخلي الفوري عن موقفه. فالتفاوض لا  يعني الاستسلام، والحوار لا يعني التنازل، ودراسة أي مطلب لا تعني قبوله مقدماً. وما ينبغي أن يكون قابلاً للتفاوض، كحد أدنى، هو مجرد إمكانية الكلام، وفحص الحجج، والبحث عن سبل سلمية للتفاهم. إن ميثاق الأمم المتحدة يكرس التسوية السلمية للنزاعات، ونحن نعلم ذلك. وهو لا يلزم الدول بتبني نفس القراءة للتاريخ، وهذا معلوم أيضاً، بل يفرض عليها السعي نحو وسائل سلمية لمعالجة خلافاتها بما يتوافق مع التزاماتها الدولية.

لذا، أطلب من المسؤولين الإسبان ألا يخلطوا بين تأكيد موقف وطني وبين إثبات طابعه الأبدي في كافة الأطر التاريخية والدبلوماسية. فالتصريح السياسي، مهما بلغ من رسمية، لا يمكنه أن يحل محل فحص الحجج. من عقيدة التقادم إلى حتمية تصفية الاستعمار: اللاتاريخية القانونية للجيوب في القرن الحادي والعشرين إلى جانب الشرعية التاريخية، يصطدم الوضع الحالي لسبتة ومليلية بشكل مباشر بالمبادئ الجوهرية للقانون الدولي الحديث. فمن خلال سعيها لتجميد مصير هذين الإقليمين تحت طابع الانتماء الأبدي، تقابل المؤسسات الإسبانية عقيدة بائدة – ألا وهي الأمر الواقع الاستعراضي والتقادم التاريخي – بالحق  غير القابل للتصرف للشعوب في وحدتها الترابية.

إن موقف مدريد، الذي يحاول إدماج هذين الجيبين ضمن «مجتمعات ذات حكم ذاتي» إسبانية تماماً مثل أندلسيا أو غاليسيا، يندرج ضمن خيال قانوني داخلي لا يمكنه إلزام النظام الدولي. فالجغرافيا السياسية لها صارمتها الخاصة: سبتة ومليلية ليست امتدادات طبيعية لشبه الجزيرة الإيبيرية، بل زوائد استعمارية مغروسة في القارة الإفريقية. ومن منظور ميثاق الأمم المتحدة والقرار الشهير 1514 (XV) للجمعية العامة للأمم المتحدة، لا يمكن تمزيق الوحدة الترابية لدولة ما كلياً أو جزئياً من خلال إبقاء مراكز استعمارية. والحجة القائلة بأن هذه الأراضي أُقنيت قبل ميلاد القانون الدولي الحديث لا تبرر استمراريتها، بل تؤكد بالحرى طابعها المتخلف زمنياً.

ومن المناسب التذكير أمام المجتمع العلمي والسياسي الإسباني بالمبدأ القانوني الأساسي المتمثل في عدم شرعية الاحتلال المتقادم: إذ إن أي احتلال، مهما طال أمده، لا يمكنه أن يحول وضع ظلم أصلي إلى حق سيادي مشروع، طالما أن الدولة المغصوبة لم تتوقف أبداً عن التعبير عن معارضتها. والمغرب، عبر المعاهدات، والسلاح، والدبلوماسية، طالما نازع في هذا الوجود الأجنبي على جناحه الشمالي. وفي عصر العولمة والشراكات الاستراتيجية الأورو-إفريقية،  يشكل الحفاظ على هذه الحدود المحصنة، المحولة إلى مناطق عسكرية وانقسام بشري، شذذاً نسقياً. فلا يمكن عقلانية الدعوة إلى بروز فضاء للرخاء المشترك في المتوسط بينما يتمسك المرء بالركام القانوني لمعاهدة لشبونة لسنة 1668 أو وادي راش لسنة 1860، المبرمتين تحت تهديد المدفعية. فليس الغاية من القانون الدولي الحديث إدامة التفاوتات الاستعمارية، بل توفير الإطار السلمي لحلها بالحوار والاعتراف بالسيادات المشروعة.

التناقض العقائدي لمدريد: المرآة المشوهة لجبل طارق

من المستحيل تحليل الموقف الإسباني من سبتة ومليلية بمعزل عن خطابه الخاص المتعلق بملف جبل طارق. وهنا يكمن التناقض الجيوسياسي والعقائدي الصارخ، الذي لا يمكن لمثقفي وقانونيي الضفتين تجاهله. منذ إبرام معاهدة أوتريخت سنة 1713، لم تتوقف مدريد عن المطالبة أمام المجتمع الدولي والأمم المتحدة باسترجاع صخرة جبل طارق، باسم مبدأ الوحدة الترابية. وأمام اللجنة الخاصة لتصفية الاستعمار التابعة للأمم المتحدة (لجنة الأربعة والعشرين)، تدافع الدبلوماسية الإسبانية بحزم وثبات عن موقف واضح: السيادة البريطانية على جبل طارق تشكل خرقاً لا تاريخياً للوحدة الجغرافية لإسبانيا وبقايا استعمارية غير  مقبولة في القرن الحادي والعشرين. وتؤكد مدريد بقوة هناك أن حق تقرير المصير لسكان جبل طارق لا يمكن أن يعلو على حق الدولة الإسبانية في استعادة تكاملها الترابي. ومع ذلك، بمجرد أن يتجه النظر نحو الضفة الجنوبية للمتوسط، تنهار هذه العقيدة التي تدافع عنها إسبانيا بشراسة تحت وطأة معايير مزدوجة لا تبرير لها. فكيف للتاج والمؤسسات الإسبانية أن تؤكد في نيويورك أن الوجود البريطاني في جبل طارق هو بتر استعماري لترابها، وفي نفس الوقت تدعي في سبتة ومليلية أن إبقاء جيوب أوروبية على أرض إفريقية هو واقع «غير قابل للنقاش أو التفاوض»؟

إن الحجج التي تسوقها مدريد لتبرير إسبانية سبتة ومليلية – كالتمرير التاريخي، والمعاهدات القديمة، أو الخصوصية الدستورية المحلية – مستنسخة بحذافيرها من تلك التي تستخدمها لندن لتكريس سيادتها على الصخرة في مواجهة المطالب الإسبانية. وبحرمانها للمغرب من حق الوحدة الترابية الذي تطالب به لنفسها أمام المملكة المتحدة، تدخل إسبانيا في مأزق مفاهيمي. إن سياسة الكيل بمكيالين هذه تضعف مصداقية خطابها الدبلوماسي وتؤكد أن الموقف الإسباني لا يقوم على عقيدة قانونية كونية، بل على مجرد الدفاع عن امتياز متخلف موروث عن الماضي.

من أجل حوار الحقيقة: تجاوز اللاتاريخية لبناء المستقبل

يتفق التاريخ والقانون والجغرافيا على حقيقة واحدة لا مفر منها: الوضع الراهن لسبتة ومليلية غير قابل للاستمرار عند عتبة القرن الحادي والعشرين. فادعاء تجميد هذين الجيبين في سيادة أحادية وحصرية يعني الحكم على العلاقات المغربية-الإسبانية بالاحتكاك الدائم وسوء التفاهم المتبادل. ولا يمكن بناء «حسن جوار» حقيقي على إنكار الحقائق التاريخية ولا على لا تناظر المبادئ القانونية. إن إجماع المؤرخين قطعي: لا تستطيع إسبانيا محو ثمانية قرون من السيادة المغربية الأصيلة بمجرد تصريحات أحادية. فجيوب سبتة ومليلية لا يمكن سلخها عن التاريخ؛ فهي تظل الآثار اللا تاريخية لعقبة استعمارية ولت، ومرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمصير ووحدة تراب المملكة المغربية الأبدي. ولهذا السبب موجه هذا النداء لضمير وعقل كافة القوى الحية في إسبانيا، لأن الوثيقة التي تحمله تحوز أهمية تتجاوز تاريخ تحريرها.

إلى الحكومة الإسبانية وأحزاب المعارضة السياسية:

أشير إلى أن عظمة أمة ما لا تُقاس بقدرتها على إدامة امتيازات استعمارية موروثة عن حقبة أخرى بالقوة، بل بشجاعتها السياسية لحل الخلافات التاريخية عبر الحوار البناء. فالمغرب وإسبانيا، كفاعلين رئيسيين في الاستقرار الأورو-متوسطي،  يستحقان أفضل من إدارة أمنية قصيرة الأمد. لقد أوان الأوان لفتح فضاء مفاوضات صادق بشأن مستقبل هذه الأقاليم، على غرار خلايا التفكير التي اقترحها يوماً جلالة الملك الراحل الحسن الثاني.

إلى المثقفين والباحثين والقانونيين والأكاديميين والصحفيين – عبر إسبانيا الفكرية والضمير الأخلاقي الأوروبي – ممن يعتبرون أن المعرفة التاريخية ينبغي ألا تحبس داخل حدود الذاكرة الوطنية، أطلب منهم التحلي بالكرم الأخلاقي لفحص ملف سبتة ومليلية بكل تعقيداته. اطبعوا على الأرشيف الدبلوماسي، وثائق الأمم المتحدة، قرارات منظمة الوحدة الإفريقية، حوليات السلالات المغربية، الدراسات المخصصة للغزوات الإيبيرية، والأبحاث المتعلقة بالعلاقات بين المغرب وشبه الجزيرة الإيبيرية.

لا تختزلوا المطلب المغربي في تعبير عن قومية معاصرة. فهو يمتلك تاريخاً ووثائق دبلوماسية وبعداً ترابياً يمكن نقاشه أو الاعتراض عليه أو الدفاع عنه، ولكن لا يمكن تجاهله بجدية. فتاريخ أوروبا ذاته يعلمنا أن الحدود، والسيادات، والاحتلالات الاستعمارية، والممتلكات الترابية شهدت تحولات عديدة. فأقاليم أدارتها قوة ما لفترات طويلة غيرت وضعها؛ وتمت تسوية نزاعات عبر مفاوضات؛ وسمحت اتفاقات بتجاوز  صراعات ظن الجميع أنها مستعصية على الحل. وعليه، لا يوجد أي مبرر فكري لاستبعاد سبتة ومليلية من الفحص النقدي لمجرد أن وضعهما الحالي مندمج بإحكام في النظام المؤسساتي الإسباني. يجب الإصغاء لارتباط السكان ببيئتهم الاجتماعية والسياسية، ولكن لا يمكن لهذا الارتباط وحده أن يشكل رداً كافياً على كافة التساؤلات التاريخية والقانونية التي يثيرها المغرب. فالواقع الإداري للمدينتين والنزاع التاريخي المرتبط بهما يجب مقاربتهما باحترام، دون أن يطمس أحدهما الآخر.

إلى مؤرخي البلدين، أوجه نداءً من أجل مقارنة علمية للمصادر والتأويلات. وباعتباركم حراساً للمنهج النقدي والحقيقة الوثائقية، تقع على عاتقكم المسؤولية العلمية لتفكيك الروايات الوطنية الإقصائية. فالاعتراف بقرون السيادة المغربية الثمانية السابقة للاحتلال والإقرار بالتناقض العقائدي الواضح مع ملف جبل طارق ليس اعترافاً بالضعف، بل هو عمل نظافة فكرية ضروري لإرساء أسس فضاء أكاديمي مشترك وهادئ.

ولزملائي الإسبان خصوصاً أقول هذا: الصداقة الفكرية بين شعبينا لا تقاس بقدرتنا على تجنب المواضيع الحساسة، بل تقاس بشجاعتنا في مقاربتها بلا تزوير، ولا احتقار، ولا خوف من التناقض. وأدعوهم لتجاوز الروايات التي تقدم الوجود الإسباني كبديهية أبدية، محولة موقفاً قطرياً إلى حقيقة كونية لا تقبل الجدل. ومثل هذه المقاربة لا تخدم التاريخ العلمي ولا التقريب بين بلدينا. إلى الشعب الإسباني، أطلب منه اعتبار أن إعلان الطابع «غير القابل للتفاوض» لسبتة ومليلية لا يمكنه أن يعوض الحوار الذي تحتاجه بلادنا. وأطلب تبعا لذلك عدم الخلط بين نقد موقف دولة وعداء تجاه أمة ضاربة في التاريخ مثل المملكة المغربية. فالحدود المحصنة والأسلاك الشائكة وعسكرة سبتة ومليلية لا تعكس نبل ثقافتكم ولا تطلعات أوروبا حديثة متجهة نحو التنمية المشتركة مع إفريقيا. فالأمن والرخاء المشترك لن يولدا من الفصل المصطنع، بل من الاعتراف المتبادل بالسيادات والاحترام الدقيق للوحدة الترابية لكل طرف. فالتاريخ يمضي بلا هوادة والمخلفات الاستعمارية تنتهي دوماً بالانحناء أمام حق الأرض وعدالة الزمن. لإسبانيا والمغرب مصير جغرافي واستراتيجي مشترك. وباختيار درب الحقيقة التاريخية والشجاعة الدبلوماسية بدل طريق الأمر الواقع، ستكرم أمتانا ماضيهما وتمنحان الأجيال القادمة نموذجاً لتحالف تاريخي متحرر نهائياً من رواسب الماضي.

وإلى المغرب، وطني، أتمنى أن تواصل الدفاع عن مطلبها بخصوص سبتة ومليلية والجزر المجاورة مستندة إلى البحث، والتوثيق، والصرام القانونية، والثبات الدبلوماسي. فالهدف ليس فرض الصمت على أحد الطرفين ولا ادعاء أن رسالة مفتوحة قادرة وحدها على حل نزاع قديم. بل الهدف هو التذكير بأن أي موقف رسمي ينبغي ألا يعفي الأمم من جهد السعي نحو الحقيقة. لا تقاس قوة الدولة بقدرتها على الدفاع عن موقف فحسب، بل تقاس أيضاً بقدرتها على مواجهة الأسئلة التي يطرحها هذا الموقف. من ثم، أتمنى أن تتلقى هذه الرسالة لا كإساءة أو تدخل، بل كدعوة للتأمل. وليكمل المؤرخون الإسبان والمغاربة أبحاثهم بلا رقابة ذاتية. وليجتنب المسؤولون السياسيون في البلدين المزايدات. وليحافظ الدبلوماسيون على قنوات الحوار مفتوحة. وليتمكن شعبانا من استشراف مستقبلهما المشترك بلا إدانة لتكرار صمت وسوء فهم الماضي بلا نهاية. وما زلت على يقين من أن الصداقة بين المغرب وإسبانيا لا يجب أن تُبنى ضد التاريخ، بل معه؛ ولا على محو الخلافات، بل على فحصها بتبصر.

يرتبط المغرب وإسبانيا بالجغرافيا، والتاريخ، والتبادلات البشرية والاقتصادية الهامة، والمسؤوليات المشتركة في جوارهما المتوسطي. فتعاونهما ضروري، والحفاظ على هذا التعاون يستحق جهوداً صادقة من الجانبين. لكن متانة علاقة ثنائية لا تكمن في طمس الخلافات، بل تعتمد على قدرة البلدين على الاعتراف بها، ومعالجتها بتبصر، وتفادي تحولها إلى بؤر دائمة للريبة. إن المطلب المغربي بشأن سبتة ومليلية يجب ألا يُستغل لتغذية العداء بين الشعوب، كما لا ينبغي رميه في غياهب النسيان بدعوى صداقة رُسمت حدودها مسبقاً. فالصداقة الحقيقية لا تطلب من أحد الشريكين التخلي عن ذاكرته لطمأنة الآخر.

إنني لا أطالب لا بقطيعة ولا بتصعيد، بل أطلب بكل بساطة الاعتراف بالتاريخ كمجال مشروع للتفكير، وتحريك القانون بدقة، وبقاء الدبلوماسية مفتوحة لدراسة الخلافات. وباسم هذه القناعة أرفع قلمي. فالتاريخ لا يمتلكه حصرياً لا منتصرو الأمس ولا مؤسسات اليوم، بل هو ملك للبحث، والحوار، وضمير الشعوب. وتفضلوا، سيداتي وسادتي، بقبول أسمى عبارات التقدير الفكري وتعلقي بمستقبل إسباني-مغربي مؤسس على الحقيقة،  والاحترام، والحوار.

الرباط، في 14 أكتوبر 2026

د. عيسى بابانا العلوي

مختص في العلوم السياسية مؤرخ وأستاذ-باحث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *