بلاغة البطاطا

رسالة عاجلة إلى فخامة رئيس جزيرة البطاطا

بقلم زكية لعروسي، رئيسة التحرير-باريس

يا فخامة الرئيس


أكتب إليكم من وجدة، لا باعتباري خبيرة في الاقتصاد، ولا وزيرة سابقة للفلاحة، ولا حتى حبة بطاطا لها خبرة في شؤون التخزين والتبريد، وإنما باعتباري ابنة أمهات عجائز، بلغ بهن العمر مبلغا لم يعد يسمح لهن بالانتظار أمام الحدود كي يعرفن: هل ستدخل البطاطا أم ستبقى فيالجزيرة تتأمل مصيرها الوطني داخل غرف التبريد؟ لقد سمعتُ خطابكم عن البطاطا، فارتجفتُ. لا، ليس خوفا من البطاطا. فالإنسان الوجدي لا يخاف البطاطا؛ البطاطا تخاف منه، منذ أن تعلّم الإنسان أن يقليها في الزيت، ويضع عليها الملح والكمون، ثم يلتهمها وهو يشرح لأبنائه فلسفة الجوع.

لكنني ارتجفتُ لأنّني اكتشفت، للمرة الأولى في تاريخ الفكر الاقتصادي، أن مستقبل العلاقات بين الدول قد يكون معلقا من عنق حبة بطاطا. لقد كان العالم، يا فخامة الرئيس، يظن أن العلاقات الدولية تُدار بالبترول، والغاز، والقمح، والموانئ، والحدود، والمعاهدات، ومجلس الأمن. فإذا بنا نكتشف أن كل ذلك كلام قديم. العالم الجديد تحكمه البطاطا. بطاطا تدخل، وبطاطا تخرج، وبطاطا تُخزّن، وبطاطا تنتظر، وبطاطا تتربص، وبطاطا لها مخزون استراتيجي، وبطاطا لها كرامة وطنية، وبطاطا يبدو أنها أصبحت أكثر سيادة من بعض الدول. وهنا، يا فخامة الرئيس، بدأتُ أفهم سر الحضارة الحديثة.

فأنتم لم تعودوا رئيسا للجمهورية فقط. أنتم، حفظكم الله، دخلتم مرحلة جديدة من تاريخ العلوم: مرحلة هندسة البطاطا. أصبح الرئيس يعرف متى تُزرع البطاطا، ومتى تُقلع، ومتى تُخزّن، ومتى تُفرج عنها، ومتى يُمنع استيرادها، ومتى يُضبط سعرها. وبقي على العالم أن ينتظر من فخامتكم اكتشافا آخر: أن البطاطا ليست نباتا، وإنّما كائن اقتصادي ذو سيادة، له دستور، ووزارة داخلية، واحتياط استراتيجي، وربّما حساب مصرفي في سويسرا. وأنا، يا فخامة الرئيس، لا أعترض. بل أطالب بالمزيد. نريد مؤتمرا دوليا للبطاطا. نريد قمة عربية للبطاطا. نريد مجلس أمن خاصا بالبطاطا. نريد مندوبا دائما للبطاطا لدى الأمم المتحدة. وإذا أمكن، نريد أن تصبح البطاطا عضوا مراقبا في الاتحاد الإفريقي. فما دام العالم قد وصل إلى هذه المرحلة من الرقي، فلماذا لا؟

لكن عندي مشكلة صغيرة. مشكلة صغيرة جدا. إنها وجدة. وجدة، يا فخامة الرئيس، مدينة لا تعرف كيف تتعامل مع القرارات التاريخية التي تتخذها البطاطا في جزيرتكم. نحن هنا، في هذه الجهة الشرقية القصية من الخريطة، لا نملك مخزونا استراتيجيا من البطاطا، ولا غرفة عمليات لمتابعة حركتها، ولاأقمارا صناعية ترصد تحركاتها وهي تتجه نحو الحدود. لدينا فقط أمهات. وأمهاتنا،يا فخامة الرئيس، لا يفهمن في الجغرافيا السياسية للبطاطا. لا يعرفن لماذا يمكن لبرميل من النفط أن يعبر التاريخ، بينما تتوقف حبة بطاطا عند الحدود. ولا يعرفن لماذا إذا اجتمعت الحكومات حول العالم على طاولة، أمكن أن تتحدث عن الغاز، والحديد، والقمح، والطاقة، والأمن، والمياه، ثم تأتي البطاطا فتقلب الطاولة على الجميع وتقول: أنا هنا.

يا فخامة الرئيس،

بلغني أنّكم اكتشفتم أن التّخزين مهم. وهذه، في الحقيقة، لحظة فلسفية عظيمة. كان الناس يظنون أن التخزين وظيفة المستودعات. فإذا به فلسفة دولة. كان أرسطو يتحدث عن العلة الأولى. وكان أفلاطون يبحث عن المدينة الفاضلة. وكان الجاحظ يطارد الحيوان في كتب الأدب. أما نحن، فقد جاء زماننا ليبحث عن البطاطا الفاضلة. بطاطا لا تستورد. بطاطا لا تغادر. بطاطا تُخزّن. بطاطا تُراقب. بطاطا تُحصى. بطاطا إذا ارتفع سعرها اجتمع الوزراء. وإذا انخفض إنتاجها اجتمع الخبراء. وإذا اختفت من الأسواق اجتمع الاقتصاد. وإذا ظهرت في وجدة، اجتمع التاريخ. يا له من زمن! وأما نحن في وجدة، فلدينا حكاية أخرى. نحن لا نريد أن نتدخل في اقتصاد الجزيرة. ولا نريد أن نزعج السياسات الزراعية. ولا نريد أن نمد أيدينا إلى مخازن البطاطا. نحن فقط نسأل سؤالا متواضعا جدا: هل يمكن أن تتركوا لنا حبتين؟ حبتين فقط.واحدة لأمي الطاووس. وواحدة لأم أمي خيرة. أما أنا فسأصبر. أنا مثقفة. وأعرف أن المثقف يستطيع أن يعيش بلا بطاطا، شرط أن يكون لديه نص أدبي عنها.

يا فخامة الرئيس،

لقد قلتُم إنّكم لن تضطروا إلى استيراد البطاطا، وإنّكم تريدون ضبط أسعارها. وقد ذكرت الصحافة في جزيرة البطاطا هذا الكلام في أبريل 2025، في سياق حديثكم عن ضبط السوق والمنتجات الفلاحية. وأنا لا أناقشكم في ذلك. بل أهنّئكم. فمنذ أن دخلت البطاطا قصر الرئاسة، لم يعد الاقتصاد بحاجة إلى مؤشرات معقدة. لا نحتاج إلى الناتج الداخلي الخام. ولا إلى ميزان المدفوعات. ولا إلى التضخم. يكفي أن نسأل: كم حبة بطاطا بقيت؟ إذا بقيت الحبات، فالاقتصاد بخير. إذا نقصت الحبات، فهناك أزمة. إذا اختفت الحبات، فابحثوا عن الجيران. وهنا تبدأ الحكاية التي تجعلني، أنا الوجدية، أشعر بأنّني متهمة في قضية لا أعرف عنها شيئا. فإذا نقصت البطاطا فيجزيرتكم، ربما تكون هناك أسباب كثيرة. المناخ. الإنتاج. التوزيع. التخزين. الأسعار. السوق. المضاربة. الزراعة. الاقتصاد. وربما، في آخر القائمة، يظهر ذلك الجار الشرقي المغربي، جالسا في مقهى بوجدة، ممسكا بفنجان شاي، وهو يقول: “والله حتى أنا ما عندي ما ندير.” لكن يبدو أن التاريخ الاقتصادي الجديد لا يحتاج إلى أدلة. يكفي أن تكون قريبا من البطاطا حتى تصبح متهما بها. وهكذا قد يصبح الوجدي غدا مطلوبا لدى محكمة البطاطا الدولية. التهمة: استنشاق رائحة البطاطا عبر الحدود. الأدلّة: حبّة بطاطا مشبوهة عُثر عليها قرب بركان. والشاهد: بائع خضر قال إنّه رأى شيئا يشبه البطاطا. والخبير: أستاذ جامعي متخصص في العلاقات الدولية للدرنات. والحكم: مؤبد مع الأشغال الشاقة في مستودع تبريد.

يا فخامة الرئيس،

أناشدكم باسم أمهات وجدة. أمهاتنا لا يطلبن منكم نفطا. ولا غازا. ولا ذهبا. ولا حتى فلسفة اقتصادية. أمهاتنا يطلبن بطاطا. وإن كانت البطاطا قد أصبحت قضية سيادية لا يجوز أن تخرج منأرض جزيرة البطاطا، فنحن نحترم السيادة. لكنّنا نطلب منكم، من باب الأخوة والجيرة والتاريخ والجغرافيا: دعوا بعض البطاطا تتنفس. افتحوا لها نافذة. قولوا لها: اذهبي إلى وجدة. هناك أمهات ينتظرنك. هناك طاجين لم يُطبخ. هناك مائدة حزينة. هناك طفل ينظر إلى أمه ويسألها: “ماما، واش البطاطا ولات ممنوعة؟” فتجيبه الأم: “لا يا ولدي، البطاطا موجودة.” فيسأل: “فين؟” فتقول: “في جزيرة البطاطا

وهكذا، يا فخامة الرئيس، اكتشفنا أن أعظم إنجاز في الاقتصاد الحديث ليس إنتاج الثروة، وإنّما تخزينها. وهذه فلسفة عميقة جدا. فالثروة التي لا تُرى هي ثروة. والبطاطا التي لا تصل إلى السوق هي استراتيجية. والبطاطا التي تنام في غرف التبريد تصبح أمنا قوميّا. والبطاطا التي تصل إلى وجدة تصبح، لا قدر الله، مؤامرة اقتصادية. أما أنا فسأبقى هنا. سأجلس بجانب أمي خيرة وأمي الطاووس. سأضع أمامهما طبقا فارغا. وسننتظر معا تلك اللحظة التاريخية التي تتصالح فيها السياسة مع المعدة، والاقتصاد مع المائدة، والجغرافيا مع الجيران. وعندما تصل أوّل حبّة بطاطا من جزيرة البطاطا إلى وجدة، لن نأكلها. سنضعها في المتحف. سنكتب تحتها: “هذه ليست بطاطا. هذه قطعة من التاريخ الدبلوماسي. عبرت الحدود، وهزمت الجغرافيا، ونجت من الاقتصاد، ووصلت إلى وجدة.” ثم، بعد أن نلتقط لها صورة تذكارية، سنقليها. فبعض الأشياء، يا فخامة الرئيس، لا ينبغي أن تبقى في المتاحف. خصوصا منها البطاطا.

One thought on “بلاغة البطاطا

  1. ذكرني أفق المقال في ما ذهب إليه كافكا: في الأنظمة الديكتاتورية يعيش المواطن وكأنه متهم بارتكاب جريمة هو بريء منها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *