بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
في القديم كانت الجيوش تبحث عن القلاع، وعن الجسور، وعن مخازن السلاح، وعن الموانئ التي إذا سقطت سقط معها شيء من جسد الدولة. أما في الحروب الحديثة فقد اكتشف الإنسان شيئا أكثر غرابة: يمكن أن تقصف مطبعة. يمكن أن تحرق كتابا. يمكن أن تجعل من ورق مدرسي هدفا عسكريا. وهنا تبدأ الحكاية التي تبدو في ظاهرها عبثية: أكثر من مليون ومئتي ألف كتاب مدرسي أوكراني تتحول إلى رماد قبيل بداية السنة الدراسية، فيما يذهب ملايين الأطفال إلى مدارس بعضها تحت الأرض، وبعضها خلف شاشات، وبعضها في مدن لم يعد فيها من المدرسة سوى جدار مثقوب وسبورة تنتظر يدا تعود لتكتب عليها. السؤال الذي يطفو من بين هذا الرماد ليس: لماذا قصفت الكتب؟ بل: لماذا يخاف بوتين من الكتب؟
قد يبدو السؤال ساذجا. فالكتاب لا يطلق صاروخا. والدفتر لا يحمل بندقية. والقلم لا يعرف كيف يفجر جسرا. لكن السلطة التي تريد إنسانا مطيعا لا تخاف كثيرا من عضلاته، بقدر ما تخاف من عقله حين يبدأ بالعمل من تلقاء نفسه. الطفل الذي يحفظ قد يكون مفيدا. أما الطفل الذي يسأل، فذلك مشروع قلق. وهنا يصبح الكتاب المدرسي، في لحظة الحرب، شيئا أكبر من كتاب. يصبح جهازا صغيرا لتكوين العقل. صفحات مرتبة بعناية، خرائط، تواريخ، قصائد، مسائل رياضية، حكايات، أسئلة في نهاية الدرس. كل ذلك يبدو بريئا. لكن وراء البراءة يوجد شيء شديد الخطورة على كل سلطة تخاف النقد: طفل يتعلم أن العالم يمكن أن يفهم، وأن التاريخ ليس قدرا مقدسا، وأن السؤال ليس جريمة، وأن الحقيقة ليست دائما ما يقوله صاحب القوة.
المدرسة هي المكان الذي يكتشف فيه الإنسان للمرة الأولى أن هناك عالما خارج البيت. ثم يكتشف أن هناك عالما خارج السلطة. ثم، في أحسن الأحوال، يكتشف أن حتى ما تعلمه في المدرسة يمكن أن يسأل عنه. وهنا تبدأ الحرية. ليست الحرية في أن تقول ما تشاء فقط. الحرية الأولى هي أن تتعلم كيف تفكر في ما يقال لك. ولهذا لم تكن المدارس في التاريخ مجرد أبنية. كانت دائما مصانع للمستقبل. من يسيطر على المدرسة لا يسيطر فقط على صباح الأطفال. إنه يحاول أن يضع يده على السنوات القادمة. الطفل الذي يجلس اليوم إلى دفتره سيصبح بعد عشرين عاما صحفيا أو طبيبا أو قاضيا أو موظفا أو جنديا أو أستاذا أو ناخبا أو مسؤولا. ومن يحدد ما الذي سيتعلمه هذا الطفل، وما الذي سينساه، وما الذي سيعتبره بطوليا وما الذي سيعتبره خيانة، لا يكتب الحاضر فقط. إنه يكتب المسودة الأولى للمستقبل.
وهنا يصبح تدمير الكتاب أكثر من تدمير ورق. إنها لا تحرق الأشياء التي في الكتاب. إنّها محاولة إحراق احتمالاتها. تحاول أن تمنع فكرة من الوصول إلى رأس طفل. وهذا ربما هو السبب في أن الاستبداد يخاف التعليم المستقل أكثر مما يخاف الفوضى. الفوضى يمكن السيطرة عليها. أما العقل الذي تعلم أن يسأل، فليس له زر إيقاف. أمي خيرة كانت ستفهم هذه الحكاية بطريقتها الخاصة. كانت ستقول: “اللي بغا يربي ولد على قد يدو، ما يخليهش يقرا بزاف.” ثم تسكت قليلا. وربما تضيف: “حيت الكتاب كيخلي الولد يسول.” وها هنا تبلغ الحكمة الشعبية، من دون أن تقصد، قلب الفلسفة السياسية. فالسلطة التي تريد الطاعة لا تحب السؤال. السؤال أول حجر صغير في حذاء اليقين. والطفل الذي يسأل “لماذا؟” يمكن أن يكون مزعجا أكثر من رجل غاضب يحمل حجرا. لأن الحجر يسقط. أما السؤال، إذا دخل الرأس، فقد يبقى أربعين سنة. “لماذا؟” لماذا حدثت الحرب؟ لماذا تغيرت الخريطة؟ لماذا يقول كتاب شيئا ويقول كتاب آخر شيئا مختلفا؟ لماذا يجب أن أصدق هذه الرواية دون تلك؟ لماذا يكون تاريخ شعب مقدسا وتاريخ شعب آخر قابلا للمحو؟ لماذا تصبح لغة ما ممنوعة؟ لماذا يجب أن أتعلم أن أكره إنسانا لمجرد أنه ولد في الجهة الأخرى من الحدود؟
هذه الأسئلة هي التي تجعل التعليم خطرا على الدعاية. الدعاية تريد جوابا جاهزا. التعليم الجيد يعطيك الأدوات التي تمكنك من اكتشاف أن الجواب الجاهز قد يكون ناقصا. وهذا فرق هائل. الكتاب الدعائي يقول لك: هكذا حدثت الأشياء. الكتاب الجيد يقول لك: هكذا تروي بعض المصادر ما حدث، والآن اذهب وفكر. الأول يريد منك أن تحفظ. الثاني يريد منك أن تفهم. والفهم، في السياسة، قد يكون أكثر إزعاجا من المعارضة الصريحة. لأن المعارض يمكن أن تمنعه. أما الشخص الذي تعلم كيف يشك في رواية واحدة ويبحث عن رواية ثانية، فقد لا تعرف أين ستجده غدا. من هنا نفهم لماذا تصبح اللغة نفسها ساحة حرب. حين نمنع لغة، لا نمنع الكلمات فقط. نحن نمنع ذاكرة. وحين نفرض منهاجا، لا نفرض دروسا فقط. إنّنا نعيد ترتيب الذاكرة. وحين نحذف تاريخا من كتاب، لا نمحو الماضي. إنّنا تحاول أن تمحو الطريقة التي سيتخيل بها طفل المستقبل ماضيه. والتاريخ، في نهاية الأمر، ليس مجرد ما حدث. إنه أيضا ما يروى عما حدث. ومن يملك الرواية يملك جزءا هائلا من سلطة الذاكرة.
لكن هناك مفارقة لا تحبها الحروب. كل محاولة لمحو ثقافة قد تنتج أحيانا عكس ما أرادته القوة. حين يشعر شعب أن لغته مهددة، قد يتعلق بها أكثر. حين تحرق الكتب، قد تصبح الكتب أكثر قداسة. حين تمنع قصيدة، قد تحفظها الأمهات في الذاكرة. حين تدمر مطبعة، قد تتحول كل ورقة إلى مقاومة. وهذا هو الجانب الذي لا تفهمه الصواريخ بسهولة. الصاروخ يستطيع أن يهدم بناية. لكنه لا يعرف كيف يهدم فكرة إذا كانت الفكرة قد خرجت من الكتاب واستقرت في عقل إنسان. يمكن أن نحرق ألف كتاب. لكن ماذا نفعل بالطفل الذي قرأ الكتاب قبل أن تحرقه؟
هذه هي المعضلة. إن الأفكار لا تسكن الورق. الورق مجرد محطة. الفكرة الحقيقية تنتقل من الصفحة إلى الرأس، ومن الرأس إلى الكلام، ومن الكلام إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى الطفل التالي. ولهذا كان التعليم دائما أخطر مما يبدو. قد نغير المنهج. لكن ماذا نفعل بالأسئلة التي بدأت تنمو خارج المنهج؟ هنا يصبح التعليم شبيها بالماء. يمكننا أن نسد قناة. لكن الماء يبحث عن شق آخر. وهذا هو السبب في أن صور الأطفال الأوكرانيين وهم يتعلمون تحت الأرض تحمل معنى يتجاوز المشهد نفسه. المدرسة تحت الأرض ليست فقط مكانا يحمي الأطفال من القصف. إنها صورة فلسفية عن شعب يحاول أن يحمي مستقبله تحت طبقات الخراب. فوقهم الحرب. وتحتهم درس في الرياضيات. فوقهم الصاروخ. وتحتهم كتاب. فوقهم تاريخ يحاول أن يفرض نفسه بالقوة. وتحتهم أطفال يتعلمون أن لهم الحق في أن يصنعوا روايتهم الخاصة. كأن الحضارة في لحظة نادرة اختصرت نفسها في مشهد واحد: طفل يفتح دفترا بينما العالم من فوقه يهتز. ما أروع هذا التناقض. وما أشد قسوته.
في التراث الشعبي نقول: “العلم نور”. وقد تبدو العبارة مستهلكة لكثرة ما قيلت. لكن بعض العبارات لا تصبح ضعيفة من كثرة ترديدها. العلم نور لأن الجهل ليس مجرد غياب للمعلومات. الجهل يمكن أن يكون غرفة مظلمة يستطيع فيها شخص آخر أن يريك الطريق الذي يريده هو. أما المعرفة فتشعل المصباح. لا تخبرك دائما أين تذهب. لكنها تجعلك ترى الخيارات. ربما لهذا يجب أن نتوقف عن النظر إلى الكتاب المدرسي باعتباره شيئا محايدا. الكتاب المدرسي ليس بريئا تماما. في كل كتاب تاريخ سؤال ضمني عن من نحن. في كل خريطة سؤال عن حدودنا. في كل قصيدة سؤال عن لغتنا. في كل درس مدني سؤال عن شكل الاحتلال. وفي كل حكاية يتعلم الطفل من خلالها معنى الخير والشر، توجد بداية فلسفة أخلاقية. لذلك تتصارع الدول على المناهج كما تتصارع على الأرض. الأرض تعطينا مساحة. لكن المنهج يعطينا إنسانا. والمشكلة أن الأرض يمكن أن نستعيدها في معاهدة. أما الإنسان الذي تغير وعيه، فلا يعود بسهولة إلى النسخة السابقة منه. هذا ما يجعل الحرب على التعليم حربا طويلة المدى.
ربما لهذا يبدو احتراق الكتب مشهدا أكثر رعبا مما توحي به صورته. الورق خفيف. الرماد خفيف. لكن ما كان على الورق ليس خفيفا. هناك ذاكرة. هناك لغة. هناك أسئلة. هناك أطفال. هناك مستقبل كامل كان يمكن أن يبدأ من صفحة. وحين تحرق سلطة كتابا، قد تتخيل أنها أحرقت صفحة من الماضي. لكنها قد تكون، من حيث لا تدري، قد أشعلت في عقول الناس رغبة أكبر في القراءة. لذلك، في الحرب الطويلة بين السيف والقلم، لا ينبغي أن نسأل دائما من ينتصر في اللحظة الأولى. السيف أسرع. القلم أبطأ. لكن السيف يفرض الصمت، بينما القلم يعلم الصامت كيف يتكلم. وهنا، ربما، يكمن السر الذي يجعل دفتر طفل أخطر أحيانا من ترسانة كاملة. لأن الترسانة تستطيع أن تدمر بيتا. أما التعليم فيستطيع أن يبني إنسانا لا يقبل أن يهدم بيته مرة أخرى. وربما كانت أمي خيرة ستقولها ببساطة، وهي تقلب صفحات كتاب قديم بيدها: “حرقو الكتاب؟ الله يعاونهم على اللي قراه.” ثم تبتسم. لأنها تعرف، كما تعرف الأمهات بالفطرة، أن الطفل الذي تعلم أن يقرأ لم يعد ملكا كاملا لمن يريد أن يربيه على ما يشاء. لقد صار له عالم داخلي. وهذا العالم، إذا اتسع، لا تستطيع الطائرات الوصول إليه.
📲 Partager sur WhatsApp