سبتة ومليلية… سؤال إسباني مؤجل
بقلم الإعلامي حيمري البشير- كوبنهاغن
في السياسة، لا تكفي الشعارات إذا لم تتحول إلى مواقف منسجمة. ولا يمكن لدولة أن تقدم نفسها بوصفها نصيرا للقانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها، ثم تتعامل مع ملفات إقليمية أخرى بمنطق التاريخ والقوة والأمر الواقع. هنا تحديدا تبرز قضية سبتة ومليلية والثغور والجزر المتنازع عليها بين المغرب وإسبانيا باعتبارها واحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقة بين البلدين. الموقف المغربي من هذه المناطق معروف، بينما تؤكد إسبانيا رسميا أن سبتة ومليلية جزء من سيادتها، وأنها لن تتخلى عنهما. وقد جددت الحكومة الإسبانية هذا الموقف بوضوح خلال سنة 2026، بما في ذلك على لسان رئيس الحكومة ووزير الخارجية. لكن السؤال الذي يستحق أن يطرح اليوم ليس فقط: من يتمسك بماذا؟ بل: إلى متى يمكن أن تظل قضايا التاريخ عائقا أمام بناء مستقبل مختلف بين بلدين يجمعهما الجغرافيا والمصالح الاقتصادية والتداخل الإنساني؟
لقد تغيرت أوروبا، وتغيرت معها مفاهيم الحدود والسيادة والتعاون. وأصبحت المصالح المشتركة، وحركة الأشخاص والبضائع، والشراكات الاقتصادية، والأمن المشترك، عناصر أساسية في صياغة العلاقات بين الدول. أما المغرب وإسبانيا، فهما لا يلتقيان فقط على ضفتي المتوسط، بل يواجهان معاً تحديات مشتركة تتعلق بالأمن والهجرة والتجارة والطاقة والاستثمار والتنمية. ومع ذلك، تظل قضية سبتة ومليلية حاضرة كجرح تاريخي لم يتمكن الطرفان من تحويله إلى ملف للحوار السياسي الهادئ. المفارقة أن الخطاب السياسي الأوروبي كثيرا ما يؤكد أن الاستعمار صفحة من الماضي، وأن العالم الحديث ينبغي أن يتجاوز منطق السيطرة الترابية والإرث الاستعماري. لكن حين يتعلق الأمر بالضفة الجنوبية للمتوسط، تبدو بعض الملفات أكثر استعصاء على المراجعة. وهنا تكمن أهمية السؤال المغربي: هل يمكن أن تستمر العلاقة بين الرباط ومدريد في بناء شراكة استراتيجية عميقة، بينما تظل قضية الأراضي محل نزاع تاريخي خارج دائرة النقاش الجاد؟
لا يتعلق الأمر بإعادة إنتاج خطاب المواجهة، ولا بالدعوة إلى صدام بين دولتين تجمعهما مصالح ضخمة، وإنما بالعكس تماما: المطلوب هو فتح أفق سياسي جديد يجعل الحوار بديلا عن الجمود. فالمغرب وإسبانيا ليسا دولتين بعيدتين عن بعضهما. إنهما جاران مباشران، ومصالحهما الاقتصادية متشابكة، والتعاون بينهما أصبح ضرورياً في ملفات كثيرة. وإذا كان البلدان قادرين على تنسيق مواقفهما في مجالات الأمن والهجرة والتجارة، وإذا كانا مقبلين مع البرتغال على استضافة كأس العالم 2030، فإن المنطق السياسي والعقل الاستراتيجي يدفعان إلى التفكير في المستقبل، لا إلى البقاء أسرى خلافات الماضي. وقد اختارت FIFA رسمياً المغرب وإسبانيا والبرتغال لاستضافة مونديال 2030. والأهم أن الموقف الإسباني نفسه يثبت أن قضية سبتة ومليلية ليست ملفاً هامشياً بالنسبة إلى مدريد. ففي أغسط2026 أكد وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس التزام حكومته بما تسميه إسبانيا سيادة البلاد ووحدتها الترابية، كما أعلن رئيس الحكومة بيدرو سانشيز أمام البرلمان أن حكومته لن تتخلى عن السيادة الإسبانية على المدينتين. وهذا يعني أن الخلاف ليس مجرد سوء تفاهم عابر، بل هو اختلاف عميق في تصور السيادة والتاريخ والحدود.
ومن هنا، فإن استمرار التعامل مع الملف بمنطق “لا نقاش في السيادة” من جهة، و“لا تنازل عن المطالبة” من جهة أخرى، لن يؤدي إلا إلى إبقاء القضية معلقة بين جيل وآخر. أما الحل، فلا يمكن أن يكون عبر لغة التهديد أو استدعاء القوة العسكرية، بل عبر شجاعة سياسية تفتح الباب أمام تسوية تاريخية تحفظ مصالح السكان، وتصون الكرامة الوطنية للطرفين، وتضع أسسا جديدة لعلاقة مغربية-إسبانية أكثر استقرارا. فالأمم الكبرى هي بقدرتها على تجاوز عقد التاريخ عندما تصبح تلك العقد عائقا أمام المستقبل. ولعل أعظم اختبار للعلاقة المغربية الإسبانية اليوم هو: هل يستطيع البلدان أن ينتقلا من إدارة الخلاف إلى صناعة الحل؟ إن طي صفحة الماضي لا يعني محو التاريخ، بل يعني تحويله من مصدر للتوتر إلى درس للمستقبل. وفي عالم يتجه نحو التكتلات الاقتصادية والشراكات العابرة للحدود، يبدو من المشروع أن يتساءل المغاربة والإسبان معا: لماذا لا تتحول منطقة جبل طارق والواجهة المتوسطية إلى فضاء للتعاون بدل أن تظل رمزاً للحدود التاريخية؟ ولماذا لا يصبح الربط البحري والبنية التحتية المشتركة، وصولا إلى مشاريع كبرى للربط بين ضفتي المتوسط، جزءا من رؤية طويلة المدى تجعل المغرب وإسبانيا شريكين في المستقبل بدل أن يبقيا أسيرين لملفات الماضي؟
إن استضافة المغرب وإسبانيا والبرتغال لمونديال 2030 يمكن أن تكون أكثر من مناسبة رياضية؛ يمكن أن تكون فرصة سياسية وأخلاقية لإطلاق صفحة جديدة في العلاقات بين ضفتي المتوسط. لكن الصفحة الجديدة تحتاج إلى إرادة سياسية. والمغرب، الذي يطرح قضية سبتة ومليلية وبقية الثغور باعتبارها جزءا من قضيته الترابية، يحتاج إلى أن يجد في الجهة المقابلة استعدادا حقيقيا للحوار حول المستقبل، لا مجرد إعادة إنتاج مواقف تاريخية ثابتة. أما إسبانيا، فإن الحفاظ على مصالحها مع المغرب لا ينبغي أن يُختزل في التعاون الأمني أو الاقتصادي، بل ينبغي أن يشمل أيضا امتلاك شجاعة سياسية تسمح بفتح الملفات التاريخية الأكثر حساسية، ولو تدريجيا. فالجغرافيا حكمت على البلدين بأن يكونا جارين، والتاريخ جعل بينهما صفحات مشتركة، والمصالح الاقتصادية فرضت عليهما التعاون. وما ينقص هذه العلاقة، ربما، هو الشجاعة الكافية لتحويل الخلاف من مصدر للتوتر إلى فرصة لصناعة تسوية تاريخية. سبتة ومليلية ليستا مجرد مدينتين على خريطة؛ إنهما اختبار لقدرة المغرب وإسبانيا على تجاوز منطق الماضي وبناء منطق المستقبل. والتاريخ لا يتغير بالقوة، لكنه يتغير عندما يمتلك السياسيون الشجاعة لقراءة المستقبل بعين مختلفة. فهل تكون سنة 2030، سنة المونديال المغربي-الإسباني-البرتغالي، بداية التفكير الجدي في طي صفحة عمرها قرون، وفتح صفحة جديدة عنوانها: حسن الجوار، المصالح المشتركة، والحوار حول القضايا العالقة؟

السؤال هو كيف؟ أمام تاريخ قديم، يشهد على ذاكرة استعمارية كتبت بخط الإسبان، وبجغرافيا تعرضت أجزاء منها الاغتصاب، وتاريخ حديث قاءم على اتفاقات اقتصادية بعيدة ان تكون للتعاون، فقط هي لمصالح اوروبا أساسا. ومع ذلك هناك لحظات ، مثل الأحداث الأخيرة، يتنفس فيها المكبوت التي يتكلم القوة والفكرية والاستهلاك!!! وهي من مفارقات لغة الدبلوماسية بمفاهيم قطعية.