حين يصبح الصندوق الانتخابي آخر ما يتعرض للهجوم

بقلم د. عبد الرحمان مكاوي-باريس

لم تعد الحرب الانتخابية تبدأ أمام صندوق الاقتراع، بل قبل ذلك بكثير؛ في شاشة هاتف، وفي رسالة تصل عند منتصف الليل، وفي موقع يشبه موقعا رسميا إلى حد يجعل العين تتردد قبل أن تشك. لقد انتقل التهديد من محاولة تغيير النتيجة إلى محاولة تغيير إدراك الناخب للنتيجة ولمن يحق له أن يثق به. هذه هي العقيدة الجديدة للحرب الرقمية: لا حاجة إلى اقتحام غرفة الفرز إذا أمكن اقتحام الغرفة التي يتشكل فيها رأي الناخب. تقرير حديث لـCheck Point حول انتخابات التجديد النصفي الأميركية لعام 2026 يضع الإصبع على هذا التحول: التهديد الأرجح لا يتمثل في العبث المباشر بأجهزة التصويت، وإنما في التصيد، وانتحال العلامات والمواقع، وسرقة بيانات الدخول، واستغلال النطاقات الانتخابية المزيفة. وقد رصد التقرير آلاف النطاقات المسجلة حديثا بكلمات مثل «election» و«vote»، فضلاً عن آلاف بيانات الاعتماد المرتبطة بمنصتي التمويل السياسيتين ActBlue وWinRed. كما يشير إلى أن 82% من الملفات الخبيثة التي رصدها تقرير الأمن السيبراني لعام 2026 وصلت عبر البريد الإلكتروني.

الأرقام هنا ليست مجرد إحصاءات تقنية. إنها تكشف فلسفة جديدة للهجوم: الهجوم الأرخص هو الذي يجعل الضحية تقوم بالباقي بنفسها. يكفي رابط واحد، وحساب مزيف، وصورة مقنعة، وصوت يشبه صوت مرشح، لكي تتحول الخدعة إلى آلاف النسخ من نفسها. والذكاء الاصطناعي لا يخترع هذه الحرب، لكنه يمنحها محركا أسرع: إنتاج المحتوى، تقليد الأصوات والوجوه، وصناعة شخصيات ومواقع وحكايات مصطنعة أصبح أقل كلفة وأكثر سرعة. وما شهدته فرنسا في الانتخابات البلدية في مارس 2026 يوضح كيف تتخذ هذه الحرب شكلا أكثر تعقيدا. فقد أعلنت VIGINUM اكتشاف أربع عمليات تدخل رقمي أجنبي، فيما وثقت عملية «Rokh Solis» منظومة من المواقع والحسابات على TikTok وInstagram وX وFacebook، اتسم بعضها بمؤشرات عدم أصالة وتنسيق في النشر. ولم يكن الهدف بالضرورة اختراق الصندوق؛ بل التأثير في المجال المعلوماتي، وتشويه خصوم سياسيين، واستثمار سرعة الشبكات قبل أن تلحق بها آليات التحقق.

وهنا بالضبط ينبغي أن ينظر المغرب إلى المسألة لا باعتبارها احتمالا مستوردا من تجارب الآخرين، بل باعتبارها تحولاً في طبيعة البيئة الانتخابية نفسها. فالمغرب يدخل استحقاق 23 سبتمبر في عالم لم يعد فيه «الخبر الكاذب» مجرد منشور عابر. قد يكون موقعا يحمل اسما قريبا من موقع رسمي، أو تسجيلا صوتيا مركبا، أو صورة لمرشح لم يقل ما نُسب إليه، أو وثيقة مزورة تنتشر داخل مجموعات مغلقة قبل أن تصل إلى الصحافة. وقد يتحول محتوى محلي جدا إلى أداة تأثير سياسي وطنية إذا التقطته الخوارزميات وأعادت تدويره. ولذلك فإن أخطر سيناريو ليس بالضرورة حملة تضليل ضخمة ومرئية، بل عملية صغيرة شديدة الدقة: دائرة انتخابية، مرشح بعينه، حيّ محدد، واقعة محلية، ثم رواية مصممة خصيصا لتلك البيئة. هنا يصبح التضليل «فائق المحلية»؛ لا يحتاج إلى إقناع ملايين الناس، بل إلى إرباك بضعة آلاف في المكان واللحظة المناسبين. والتشريع المغربي بدأ، بدوره، في التعامل مع هذه البيئة الجديدة. فالقانون التنظيمي رقم 53.25 المغير للقانون التنظيمي 27.11 المتعلق بمجلس النواب أضاف مقتضيات للمادة 51 المكررة تعاقب، ضمن حالات محددة، بث أو توزيع تركيبات لأقوال أو صور الأشخاص دون موافقتهم، وكذلك نشر الأخبار الزائفة أو الادعاءات والوقائع الكاذبة أو المستندات المختلقة أو المدلسة بقصد المساس بالحياة الخاصة للناخبين أو المترشحين أو التشهير بهم، بما في ذلك عبر شبكات التواصل وأدوات الذكاء الاصطناعي والمنصات والتطبيقات الإلكترونية.

لكن القانون وحده لا يستطيع أن يخوض معركة تحدث في ثوان. المعضلة المغربية المقبلة هي في زمن الاستجابة: كم تحتاج المؤسسة لكي تتحقق من تسجيل مزيف؟ وكم يحتاج التسجيل لكي يصل إلى مئة ألف هاتف؟ في هذه المعركة، قد تكون الحقيقة صحيحة، لكنها تصل متأخرة؛ وقد يكون الكذب مختلقاً، لكنه يصل في الوقت المثالي. وهذا هو جوهر الحرب المعلوماتية: ليس المطلوب دائما أن تجعل الناس يصدقون الكذبة، بل أن تجعلهم يشكون في الحقيقة إلى الدرجة التي يصبح فيها التصديق مستحيلا. وتؤكد تجربة عالمية أوسع حجم التحول. فقد رصدت Surfshark حالات تزوير انتخابي عميق مرتبطة بالانتخابات في 38 دولة، مع مجموع سكاني يبلغ نحو 3.8 مليار نسمة، كما وجدت أن وسائل التواصل الاجتماعي ظهرت في 92% من الحالات التي درستها، بينما ظهرت تطبيقات المراسلة، ومنها واتساب، في 32%. وهذه أرقام تقيس حالات موثقة أو مرصودة، لا عدد الأشخاص الذين صدقوا المحتوى أو تأثروا به، وهو تمييز بالغ الأهمية.

من هنا، فإن حماية انتخابات 23 سبتمبر لا ينبغي أن تختزل في حماية الأنظمة المعلوماتية التي تحصي الأصوات. المطلوب حماية السلسلة الكاملة للثقة الانتخابية: من النطاق الإلكتروني إلى الحساب الرسمي، ومن المرشح إلى صورته وصوته، ومن غرفة الأخبار إلى هاتف الناخب. المواجهة الأكثر فاعلية تبدأ بمراقبة النطاقات والمواقع المنتحلة، وتوثيق الحسابات الرسمية للمرشحين، وإنشاء آليات سريعة للتحقق من المواد الصوتية والمرئية، ورفع منسوب الثقافة الرقمية لدى الجمهور، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الانتخابية والأمن السيبراني والإعلام والمنصات الرقمية. فالانتخابات في العصر الاصطناعي قد لا تُسرق من صندوقها. قد تسرق قبل ذلك، من ثقة الناخب في عينيه وأذنيه وعقله. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: أخطر سلاح انتخابي في 2026 قد لا يكون برنامجا خبيثا يخترق جهازا، بل جملة تبدو حقيقية إلى الحد الذي يجعل ملايين الناس يتداولونها قبل أن يسأل أحد: من قالها؟ ومن صنعها؟ ولماذا الآن؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *