حين تتحول الحدود من خنادق إلى جسور

رسالة البابا ليون الرابع عشر إلى أوروبا

بقلم ماركو باراكو, مراسل الورقاء بالفاتيكان-إيطاليا (صياغة زكية لعروسي)

ربما لا تحتاج أوروبا اليوم إلى اختراع مستقبل جديد بقدر ما تحتاج إلى أن تتذكر لماذا نجت من ماضيها. فالقارة التي اعتقدت، بعد حربين عالميتين، أنها دفنت إلى الأبد شبح الحدود الملطخة بالدماء، تستيقظ اليوم على واقع مختلف: الحرب عادت إلى أرضها، واللغة السياسية تزداد خشونة، والحدود التي كان يُراد لها أن تكون جسورًا بدأت تستعيد في الوعي الأوروبي معنى الحواجز والخوف. في هذا السياق، اكتسبت كلمات البابا ليون الرابع عشر في متز دلالة تتجاوز المناسبة الدينية والسياسية التي قيلت فيها. فعندما استعاد سيرة روبرت شومان وألكيد دي غاسبري، لم يكن يستحضر مجرد اسمين من أرشيف بناء أوروبا، بل كان يستدعي ذاكرة رجلين عرفا الحدود قبل أن يعرفا أوروبا.

وهذه ربما هي المفارقة الأكثر عمقًا في قصتهما: أولئك الذين عرفوا ثقل الحدود هم الذين حلموا بإزالتها من ذاكرة الحرب. لم يكن شومان ودي غاسبري أبناء عالم مستقر الهويات والسيادات. لقد نشآ في فضاء أوروبي كانت فيه الحدود قابلة للتحول، وكانت السيادة السياسية تستطيع أن تتغير فوق أرض لم تتحرك من مكانها. كان الإنسان قد يجد نفسه، من يوم إلى آخر، مواطنًا تحت راية أخرى، بينما تظل لغته وذاكرته وبيته وأرضه حيث كانت. كانت الحدود بالنسبة إليهما تجربة معيشة، لا خطًا مرسومًا على خريطة. ومن هنا ربما نفهم شيئا أساسيا في مشروعهما الأوروبي. فأوروبا التي ولدت بعد الحرب العالمية الثانية لم تكن مشروعًا لإلغاء الأمم، ولم تكن دعوة إلى محو التاريخ أو صهر الشعوب في هوية واحدة. كانت، قبل كل شيء، محاولة تاريخية لمنع الاختلاف من أن يتحول مرة أخرى إلى حرب.

لم يقل شومان للفرنسي إن يتوقف عن كونه فرنسيا، ولم يطلب دي غاسبري من الإيطالي أن يتخلى عن إيطاليته. الفكرة كانت أكثر صعوبة وأكثر واقعية: أن تستطيع الأمم أن تحافظ على ذاكرتها وهويتها ومصالحها، من دون أن تجعل من هذه العناصر وقودًا لصراع دائم. وهنا تحديدًا تكمن أهمية استدعاء البابا لهذه الذاكرة في متز. فالهوية التي لا تعرف إلا الانغلاق تتحول بسهولة إلى حصن. أما الهوية الواثقة من جذورها، فتستطيع أن تجعل من حدودها مكانا للقاء لا ساحة للعداء. لقد كان شومان، كما ذكّر ليون الرابع عشر، متأثرًا بتكوين مسيحي رسّخ لديه قيمة الإنسان وكرامته والعمل والمساواة، كما جعلته تجربته في منطقة عرفت تغير السيادات يدرك أهمية القانون الدولي واحترام الكلمة والالتزام بالعهود. وهنا تتحول الحدود من جغرافيا إلى أخلاق. فالذي عاش على تخوم الإمبراطوريات يعرف أن الدولة قوية، لكنها ليست أبدية؛ وأن الخرائط تتغير، وأن السلطة تتبدل، وأن ما يبقى في النهاية هو الإنسان وقدرته على العيش مع غيره.

أما دي غاسبري، فقد حمل هو الآخر أثر تلك أوروبا المتعددة التي عرفها في ترينتينو قبل أن يصبح أحد كبار رجال الدولة في إيطاليا. ولذلك لم تكن أوروبا في وعيه مجرد مشروع مؤسسات، بل كانت سؤالًا عن كيفية التوفيق بين الانتماء الوطني والانتماء الأوسع، بين حب الأرض والإيمان بأن الأرض لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة للكراهية. وهذا هو السؤال الذي يعود اليوم، بقوة مؤلمة. ماذا تفعل أوروبا بحدودها؟ ليست المسألة حدودا جغرافية فحسب. فهناك حدود جديدة تتكاثر داخل المجتمعات: بين الغني والفقير، بين المركز والأطراف، بين الثقافات، بين الأجيال، بين من يرى في الهجرة تحديا ومن يراها واقعا إنسانيا، وبين من يريد أوروبا أكثر انفتاحا ومن يريدها أكثر انغلاقا.

وفي عالم يزداد اضطرابا، يصبح إغراء الجدار كبيرا. الجدار يمنح شعورا سريعا بالأمان. أما الجسر فيحتاج إلى ثقة. الجدار يحدد من هو «نحن» ومن هو «الآخر». أما الجسر فيجبر الطرفين على النظر إلى بعضهما. ولهذا فإن رسالة متز ليست رسالة رومانسية عن أوروبا بلا حدود. إنها، على العكس، رسالة سياسية وأخلاقية عن المعنى الذي نعطيه للحدود. فالحدود قد تكون ضرورية للدول، كما أن الانتماء ضروري للإنسان. لكن الخطر يبدأ حين تتحول الحدود من تنظيم للاختلاف إلى تقديس للانقسام، وحين تصبح الهوية ذريعة لنفي الآخر بدل أن تكون إطارا لفهم الذات.

لقد فهم آباء أوروبا أن السلام لا يعني غياب الاختلاف، بل يعني بناء مؤسسات وثقافة سياسية تمنع الاختلاف من التحول إلى عنف. وهذه الفكرة، التي تبدو اليوم بسيطة، كانت في أعقاب الحرب العالمية الثانية فعلا من أفعال الشجاعة السياسية. كان من الأسهل أن تبقى أوروبا أسيرة ذاكرتها. كان من الأسهل أن يظل الفرنسي يتذكر الألم الذي ألحقه الألماني، وأن يظل الألماني أسيرًا لخوف الآخرين منه. كان من الأسهل أن تستمر القارة في عدّ خسائرها بدل أن تبدأ في بناء مستقبلها. لكن جيل شومان ودي غاسبري اختار طريقًا آخر: تحويل ذاكرة الحرب إلى مؤسسة للسلام.

وهنا تكمن إحدى أعظم المفارقات في التاريخ الأوروبي: لم تُبن أوروبا لأن الأوروبيين نسوا الحرب، بل لأنهم تذكروا الحرب بما يكفي كي لا يعيدوا إنتاجها. اليوم، حين تعود الحرب إلى القارة، تصبح تلك الذاكرة أكثر من مجرد تاريخ. إنها تحذير. فأوروبا التي بنت مشروعها على تحويل الحدود إلى فضاءات للتعاون لا تستطيع أن تنظر إلى العالم من خلال منطق الخنادق وحده. وإذا كانت تحتاج إلى حماية أمنها ومصالحها، فإن عليها في الوقت نفسه أن تتذكر أن الأمن الدائم لا يُبنى فقط بالقوة، بل أيضا بالقانون والحوار والقدرة على التفاوض. ولهذا اكتسبت كلمات ليون الرابع عشر في متز وزنا خاصا حين دعا إلى الحوار والصبر السياسي والشجاعة في التفاوض، وإلى القدرة على تجاوز بعض المصالح الجزئية من أجل خير أوسع هو السلام.

ليست هذه دعوة إلى السذاجة السياسية، ولا إلى إنكار الصراعات الواقعية. إنها تذكير بأن السياسة التي تفقد القدرة على الحوار تفقد، في لحظة ما، إحدى أهم أدوات منع الحرب. ولعل هذا هو المعنى الأعمق لاستدعاء شومان ودي غاسبري اليوم. فأوروبا لا تحتاج إلى أوروبا بلا حدود، بل إلى أوروبا لا تتحول فيها الحدود إلى جدران. لا تحتاج إلى إلغاء الهويات، بل إلى هويات قادرة على التعايش. لا تحتاج إلى محو الاختلاف، بل إلى ثقافة سياسية تجعل الاختلاف قابلا للإدارة، والتفاوض، والتعاون. إن الرجلين اللذين نشآ في مناطق حدودية علّما أوروبا، من حيث لا يدريان، درسًا يتجاوز زمنهما: أن الإنسان يستطيع أن يحب أرضه دون أن يكره أرض الآخر، وأن يتمسك بهويته دون أن يحولها إلى سلاح، وأن يكون وطنيًا وأوروبيا في آن واحد.

وربما هنا تحديدا تكمن قوة الرسالة التي حملها البابا من متز. فأوروبا لا تقف اليوم أمام سؤال: هل نريد الحدود أم لا؟ السؤال الأعمق هو: أي حدود نريد؟ حدود تحمي الإنسان أم تعزله؟ حدود تنظم العيش المشترك أم تغذي الخوف؟ حدود تكون عتبات للعبور أم خنادق للحرب؟ قبل عقود، دفع الأوروبيون ثمنا هائلا كي يتعلموا أن الحدود لا تحمي السلام عندما تتحول إلى متاريس. واليوم، ربما لا يكون التحدي هو إزالة الحدود، بل منعها من العودة إلى وظيفتها القديمة. لقد مات الملايين لأن الخرائط تحولت إلى ساحات صراع. ثم جاء جيل قرر أن يجعل من الخريطة نفسها مساحة للتعاون. تلك هي أوروبا التي تستحق أن تتذكرها.

فإذا كانت الحدود تستطيع أن تقسم الأرض، فإنها لا تستطيع أن تمنع الإنسان من اللقاء. وإذا كانت تستطيع أن تفصل الدول، فإنها لا تستطيع أن تمحو التاريخ المشترك للشعوب. وفي النهاية، ربما لا يكون الإرث الحقيقي لشومان ودي غاسبري هو المؤسسات التي ساعدا في ولادتها فحسب، بل تلك الفكرة البسيطة والعميقة التي حملتها تجربتهما: أن السلام لا يبدأ عندما تختفي الاختلافات، بل عندما نتعلم كيف نعيش معها دون أن نقتل بعضنا بسببها. وهنا، في زمن عودة الخوف وارتفاع الجدران، يصبح صوت متز تذكيرًا بما كادت أوروبا أن تنساه: ليس المطلوب أن نهدم كل الحدود، بل أن نمنعها من أن تصبح خنادق مرة أخرى. فالقارة التي عرفت كيف تحول خنادق الأمس إلى جسور، تستطيع – إن أرادت – أن تفعل ذلك مرة أخرى. والتاريخ لا يسألنا فقط عمّا ورثناه من حدود، بل عمّا قررنا أن نصنع بها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *