حكومة تتذكّر المدرسة وتلاميذ يتذكّرون غضبهم

بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس

في المشهد الفرنسي الراهن، تبدو المدرسة كأنها عالقة بين بابين: باب يريد أن يُفتح سريعًا كي تعود الدروس إلى مجراها، وباب آخر يقف عنده تلاميذ يقولون إن العودة إلى المقاعد لا تكفي إذا ظلت الأسئلة التي دفعتهم إلى الشارع بلا جواب. ومن هنا تأتي دعوة رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو إلى استئناف الدروس، ابتداء من الإثنين، في كل المؤسسات التي تسمح الظروف الأمنية فيها بذلك. وهي دعوة يمكن فهمها، من زاوية الدولة، بوصفها محاولة لإعادة شيء من النظام إلى مؤسسة لا تستطيع أن تؤدي وظيفتها وهي محاصرة بالإغلاق والاحتجاج والاضطراب. لكن المدرسة ليست مجرد بناية لها أبواب، ولا الحصة الدراسية مجرد جرس يرنّ في الساعة الثامنة. وهنا تحديدا يبدأ الجزء الآخر من الحكاية. فالتلاميذ الذين نزلوا إلى الشارع ليسوا، في التحليل الجاد، مجرد أجساد شابة قررت أن تتشاجر مع المقاعد والسبورات. إن الاحتجاج، مهما اختلفنا مع وسائله، يمكن أن يكون أيضًا إشارة إلى شعور بأن المؤسسة التعليمية تعاني اختلالات لا يمكن إخفاؤها تحت سجادة الانضباط. وعندما يكون من بين المطالب معالجة الغياب الطويل للمدرسين، وشغل الوظائف الشاغرة، يصبح السؤال أكثر عمقا: هل يمكن أن نطلب من التلميذ أن يلتزم تماما بمؤسسة لا تملك دائما القدرة على أن تلتزم هي أيضًا بوعدها تجاهه؟ هذه ليست حجة لإغلاق المدارس. لكنها أيضًا ليست حجة لإغلاق أفواه المحتجين.

الحكومة: بين استعادة النظام والاعتراف بالمشكلة

من جهة الحكومة، هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها: التعليم لا يمكن أن يستمر إذا تحولت المؤسسات إلى مناطق توتر، وإذا أصبح الوصول إلى القسم رهينا بميزان الشارع. الدولة مسؤولة عن حماية التلاميذ والموظفين، وعن ضمان حق الذين يريدون الدراسة في أن يدرسوا. فليس كل تلميذ يحتج يريد بالضرورة أن يُغلق مدرسته، وليس كل من يعود إلى القسم قد تخلّى عن مطالبه. لهذا فإن دعوة لوكورنو إلى استئناف الدراسة ليست في ذاتها أمرا عبثيا أو مستفزا. الدولة لا تستطيع أن تدير مؤسسة عمومية بمنطق أن كل أزمة اجتماعية تمنحها تلقائيا حق تعطيل الخدمة التي يفترض أن تقدمها. لكن المشكلة تبدأ حين يصبح استئناف الدروس هو الجواب الوحيد. فإذا قالت الحكومة: «عودوا إلى مقاعدكم»، يستطيع التلميذ أن يسألها، بكل مشروعية: «وماذا عن المقعد الذي انتظر مدرسه ولم يجده؟ وماذا عن الساعات التي ضاعت؟ وماذا عن المناصب التي بقيت شاغرة؟» هنا يتحول الكرسي المدرسي إلى شاهد صغير على قضية أكبر.

التلاميذ أيضا أمام امتحان

غير أن التلاميذ ليسوا خارج دائرة المسؤولية. فالاحتجاج حق، لكن تعطيل التعليم ليس حقا مطلقا. والاعتراض على نقص المدرسين لا يصبح أقوى حين يحرم تلميذ آخر من درسه. وإذا كان الطالب يطالب بدولة أكثر عدلا، فإن عليه أيضا أن يقبل بفكرة بسيطة لكنها صعبة: أن العدالة لا تُبنى دائما بأكثر الوسائل إزعاجا للآخرين. هناك تلاميذ يريدون الدراسة، وهناك أسر تخشى أن تتحول الأزمة إلى خسارة تعليمية جديدة، وهناك مدرسون يجدون أنفسهم بين مطالب مشروعة وضغط ميداني لا علاقة لهم بصنعه. وهؤلاء جميعا جزء من المشهد. لذلك فإن تصوير التلاميذ جميعا باعتبارهم مشاغبين سيكون ظلما، كما أن تصويرهم جميعا باعتبارهم أبطالا رومانسيين في معركة مقدسة سيكون تبسيطا آخر. الاحتجاج ليس جريمة في ذاته، لكنه ليس معصوما من الخطأ أيضا.

المدرسة لا تحتاج إلى منتصر

المفارقة أن الدولة والتلاميذ قد يختلفون في الوسيلة، لكنهما يحتاجان في النهاية إلى الشيء نفسه: مدرسة تعمل. الحكومة تريد عودة الدروس لأنّها تريد استعادة انتظام المؤسسة. والتلاميذ يحتجون لأنّهم يريدون، في جانب من مطالبهم، أن تكون هذه المؤسسة جديرة بهذا الانتظام. هنا يمكن أن يلتقي الطرفان. فلا ينبغي للحكومة أن تنظر إلى التلميذ المحتج بوصفه خصما سياسيا صغيرا، ولا ينبغي للتلميذ أن ينظر إلى المدرسة باعتبارها ساحة معركة دائمة. المدرسة ليست ثكنة، لكنها ليست أرضا بلا قانون أيضا. والتلميذ ليس رقما ينبغي نقله من الشارع إلى الكرسي بأسرع ما يمكن، لكنه كذلك ليس صاحب سلطة مطلقة على مؤسسة عامة.

حين يصحو المسؤول متأخرا

ومع ذلك، تبقى ملاحظة سياسية مشروعة في المشهد: لماذا لا تظهر الإجابات الحكومية الواضحة إلا بعد أن تصل الأزمة إلى الشارع؟ فإذا كانت الحكومة مستعدة الآن لوضع خارطة طريق لمعالجة بعض المطالب، فلماذا احتاجت هذه المطالب إلى أن تصطدم بأبواب المدارس حتى تسمع؟ هنا تكمن إحدى مشكلات السياسة الحديثة: السلطة كثيرا ما تسمع صوت الجرس بعد أن يبدأ الحريق. والتلميذ، من جهته، قد يكتشف أن رفع صوته يلفت الانتباه، لكنه قد يكتشف أيضا أن الضجيج وحده لا يبني مدرسة. لذلك فإن الاختبار الحقيقي لا يقع في يوم استئناف الدراسة، بل بعده. هل ستتحول الوعود المتعلقة بالمدرسين الغائبين والمناصب الشاغرة إلى إجراءات ملموسة؟ وهل سيقبل المحتجون بأن تكون عودة الدراسة جزءا من الحل لا إعلانا عن نهاية الاحتجاج؟ إذا فعلت الحكومة ذلك، تكون قد فهمت الرسالة بدل أن تكتفي بإسكات مكبر الصوت. وإذا فعل التلاميذ ذلك، يكونون قد أثبتوا أن الاحتجاج ليس رغبة في تعطيل المدرسة، بل رغبة في إصلاحها. ليست المعركة بين الحكومة والتلاميذ بقدر ما هي معركة على معنى المدرسة نفسها. الدولة تقول: «عودوا إلى القسم». والتلاميذ يقولون: «اجعلوا القسم صالحا لأن نعود إليه». وبين الجملتين تقف المدرسة، مثل معلم عجوز يحمل دفتر الغياب في يد، وطبشورة في اليد الأخرى، وينتظر من الجميع أن يفهموا أن التعليم لا ينتصر فيه طرف على طرف. فإذا عادت الأجساد إلى المقاعد وبقيت أسباب الغضب في مكانها، فقد عادت المدرسة إلى شكلها فقط. أما إذا عاد التلاميذ، وعاد المدرسون، وعادت الثقة، فحينها فقط تكون الدراسة قد استأنفت فعلا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *