أمريكا: دين سياسيّ يرتدي بدلة الدولة الحديثة

بقلم زكية لعروسي, باريس

في البداية، لم تكن أمريكا دولة فقط… كانت نبوءة. هكذا رآها الآباء المؤسسون، وهكذا ظلّ جزء من وعيها الجمعي يرى نفسه: شعبا خرج من بحر قديم، يحمل كتابا مقدّسا في يد، ودستورا في اليد الأخرى، ويسير نحو “أرض ميعاد” جديدة اسمها العالم الحديث. لكن ما الذي يحدث اليوم، بعد مئتين وخمسين سنة على تأسيس الولايات المتحدة؟ هل ما رأيناه في واشنطن مجرد احتفال ديني عابر؟ أم أننا أمام لحظة انكشاف فلسفي رهيبة، سقطت فيها الأقنعة الليبرالية عن وجه الإمبراطورية الأمريكية، فظهر ما كان مختبئا خلف اللغة الديمقراطية: دين سياسيّ يرتدي بدلة الدولة الحديثة؟

حين وقف القساوسة والإنجيليون ومسؤولو إدارة ترامب يصلّون في قلب العاصمة الأمريكية، لم يكن المشهد مجرد فولكلور ترامبي كما يحاول البعض تبسيطه. كان شيئا أقرب إلى لحظة إمبراطورية قديمة، كأنّ روما الوثنية عادت ترتدي صليبا ذهبيا وتجلس داخل البيت الأبيض. واشنطن، تلك المدينة التي بنيت على العقلانية الدستورية، بدت فجأة ككاتدرائية ضخمة. السياسيون صاروا كهنة. والكهنة صاروا مستشارين للأمن القومي. والإنجيل صار يجاور الصواريخ النووية في نفس الخزانة الحديدية. هنا تبدأ الحيرة الكبرى: كيف لدولة قدّمت نفسها للعالم باعتبارها النموذج الأعلى للعلمانية السياسية، أن تعود اليوم لتستدعي الربّ إلى قلب الدولة بهذه الفجاجة؟ وهل كانت أمريكا يوما علمانية حقا؟

في العمق، لم تكن الولايات المتحدة منفصلة عن الدين كما توهّم العالم. لقد كانت، منذ البداية، ابنة لاهوت بروتستانتي عميق. كان المستوطنون الأوائل يرون أنفسهم “شعب الله المختار الجديد”. حتى الديمقراطية الأمريكية نفسها لم تولد من فراغ فلسفي خالص، بل خرجت من رحم البروتستانتية الإنجليزية، حيث يمتزج الفرد بالله مباشرة دون وساطة الكنيسة، وحيث يصبح النجاح الاقتصادي علامة على الخلاص الإلهي. إنّ ما يحدث اليوم ليس انحرافا عن التاريخ الأمريكي… بل عودة إلى جوهره الدفين.

لقد فهم الإغريق، منذ أفلاطون، أنّ السياسة لا تستطيع العيش دون أسطورة. في “الجمهورية”، لم يكن الفيلسوف اليوناني يتحدث فقط عن القوانين، بل عن “الكذبة النبيلة”، تلك الحكاية المقدسة التي تحتاجها المدن كي تستمر. أما أرسطو، فقد رأى أن الدولة ليست مجرد عقد اجتماعي، بل كيان أخلاقي يبحث عن الخير الأعلى. واليوم، تبدو أمريكا وكأنها تعود إلى تلك الحقيقة القديمة: الديمقراطيات أيضا تحتاج إلى معابد. لكن المعابد الحديثة لا تبنى بالحجر فقط… بل بالشاشات، والخطب، والإعلام، والانتخابات، وصور الرؤساء وهم يصلّون.

إنّ الترامبية ليست مجرد تيار سياسي؛ إنها محاولة لإعادة سحر العالم الأمريكي بعد أن فقدت الإمبراطورية يقينها. فبعد الحروب، والانقسامات العرقية، وصعود الصين، وتآكل الحلم الأمريكي، ظهر الدين كملاذ أخير لإعادة صناعة “المعنى”. ولذلك، حين يقول وزير الدفاع الأمريكي إنّ على الأمة أن “تعيد تكريس الجمهورية لله والوطن”، فنحن أمام إعلان ميتافيزيقي:
أمريكا لم تعد تريد أن تكون دولة فقط… بل عقيدة. هنا يصبح السؤال العربي أكثر مرارة: أليست هذه هي الدول نفسها التي ظلّت لعقود تحاضر على الشرق حول ضرورة الفصل بين الدين والسياسة؟ أليست هي نفسها التي اعتبرت أي حضور ديني في المجال العام “تهديدا للديمقراطية” حين يتعلق الأمر بالعالم الإسلامي أو العربي؟

“حلال علينا… حرام عليكم.” تلك هي العبارة التي ترتفع من تحت رماد هذا المشهد. حين يمتزج الدين بالقومية في واشنطن يصبح ذلك “إحياء للقيم الحضارية”، أما حين يحدث في الشرق، فيتحول فجأة إلى “خطر أصولي”. إنّ الغرب لا يرفض تديين السياسة من حيث المبدأ، بل يرفض فقط أن يقوم به الآخر. وهنا ندخل الجانب الأكثر غرابة: الديمقراطية الغربية نفسها لم تعد تؤمن بنفسها بالكامل. لقد تحوّلت، كما يقول الفيلسوف الفرنسي جان بودريير، إلى محاكاة كبرى، إلى عرض مسرحيّ هائل تستهلك فيه الرموز أكثر مما تعاش الحقائق. وما احتفال واشنطن إلا مشهد من هذا المسرح الإمبراطوري، حيث تختلط القداسة بالإعلام، والروحانية بالبروباغندا، والربّ بالانتخابات.

كأنّ أمريكا، في عيدها الـ250، لم تكن تحتفل بتأسيس دولة… بل كانت تقيم قدّاسا أخيرا فوق أنقاض يقينها القديم. وفي مكان ما، كان أفلاطون يبتسم بسخرية بعيدة، لأن المدينة التي ادّعت أنها حاربت الأساطير، انتهت إلى صناعة أسطورتها الخاصة. أما العرب، وهم يشاهدون هذا المشهد المدهش، فيقفون كمن يرى مرآة مكسورة: كل ما قيل لهم عن الحداثة، والعلمانية، وحياد الدولة، يبدو الآن أقل صلابة مما ظنّوا. فالدول الكبرى، حين تخاف، تعود دائمًا إلى آلهتها القديمة. وهكذا، وسط الأناشيد والصلوات في واشنطن، لم يكن الاحتفال بمرور 250 سنة على تأسيس أمريكا مجرد ذكرى وطنية، بل بدا كأنّه رواية كتبها التاريخ بيد مرتجفة: إمبراطورية تحمل الإنجيل في يد، والدستور في اليد الأخرى، وتحاول أن تقنع العالم أنّ الاثنين شيء واحد.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “أمريكا: دين سياسيّ يرتدي بدلة الدولة الحديثة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *