رسالة تهنئة من زكية لعروسي رئيسة جمعية الورقاء ورئيسة التحرير-باريس إلى السيدة ندى البقالي الحسني
ليس كلّ خبر يقرأ بالعين؛ بعض الأخبار تقرأ بالقلب، وبعضها يوقظ في الروح يقينا قديما بأنّ الزمن، مهما أبطأ، يعرف كيف يردّ الجميل إلى أهله. حين بلغني نبأ تولّيكم مسؤوليتكم الجديدة، لم أشعر أن امرأة صعدت درجة أخرى في سلّم الوظيفة، بل شعرت أن سلّما بأكمله وجد أخيرا من يستحق أن يعتليه. فالناس يظنون أن المناصب ترفع أصحابها، وما أكثر ما رأيت أصحابا يرفعون المناصب حتى تستحي من ضيقها، وتكبر بأسمائهم أكثر مما يكبرون بأسمائها.
هناك نساء يصفَّق لهنّ لأنّهن بلغن، وهناك نساء يصغى إليهنّ لأنّهن علّمن الوصول معنى آخر. وأحسبكم من الصنف الثاني؛ أولئك اللّواتي لا يركضن خلف الضوء، فيركض الضوء خلفهن، ولا يتوسّلن إلى المجد، لأن المجد يعرف طريقه إليهن من تلقاء نفسه. من امرأة إلى امرأة، أقولها بصدق لا يجامل: إنّ أكثر ما أفرحني في هذا النبأ ليس المنصب ذاته لتعيين الكفاءة المغربية ندى البقالي الحسني مديرة للدبلوماسية العامة والفاعلين غير الحكوميين, بل أنني رأيت الكفاءة وهي تستعيد حقّها في عالم كثيرا ما يخلط بين الوهم والحضور، وبين الواجهة والجوهر، وبين الشهرة والقيمة. رأيت الاجتهاد، بعد طول صبر، يقطف ثمرة لم تنضج بالمصادفة، بل بسنوات من الانضباط، والعمل، والإيمان الهادئ بأن الأثر أبقى من التصفيق. أؤمن أنّ النساء يشبهن الأنهار؛ لا يحدّد عمقهن بما يراه العابر على السطح، بل بما يختزنّه في القاع من حياة. وربّما لهذا السبب كانت المرأة القوية لا تعلن عن قوتها؛ فهي تعرف أنّ الشجرة لا تحدّث العصافير عن جذورها، وأنّ البحر لا يشرح للسفن سرّ مائه، وأنّ الشمس لا تكتب بيانا كل صباح لتثبت أنّها أشرقت.
فيكم أرى هذا المعنى. أرى امرأة لم تجعل من الأنوثة زينة تعلَّق على اللّغة، بل جعلتها أخلاقا في القيادة، ورقّة لا تناقض الحزم، وقوة لا تفسدها الرحمة، وثقة لا تحتاج إلى استعلاء. فالأنوثة، في أبهى تجلياتها، ليست نقيض الصّلابة، بل وجهها الأكثر إنسانية. ما أجمل المرأة حين تنجح دون أن تفقد دهشتها، وحين ترتقي دون أن تنسى الذين كانوا على الطريق، وحين تفتح بابا فلا تغلقه خلفها، بل تتركه مواربا لكل فتاة تؤمن أن السماء ليست سقفا، وإنّما أفق. ولطالما راودتني فكرة غريبة: لعلّ المناصب، مثل الكواكب، تبحث هي أيضا عمّن يدور في فلكه الناس. ولعلّها، حين تجد أصحاب الرسالة، تتخفف من هيبتها، وتجلس متواضعة على أكتافهم، لأنّ القيمة الحقيقية لا تسكن الكرسي، وإنما تسكن الإنسان.
أيّتها السيدة الكريمة…في البلاغة يسمّونها قلب المقامات؛ أمّا في الحياة فأسميها عدالة المعنى. أن يصبح اللّقب ضيفا على الإسم، لا أن يصبح الإسم ظلّا للقب. وأن يكون المنصب صفحة جديدة في كتاب الإنسان، لا عنوانا يبتلع الكتاب كله. ولذلك، حين أقول: هنيئا لكم، فإنني لا أهنّئكم لأنّكم بلغتم مكانا رفيعا؛ بل أهنّئ المكان لأنّه استقبل امرأة تعرف أن السلطة مسؤولية، وأن التمثيل شرف، وأن الدبلوماسية ليست هندسة المصالح وحدها، بل هندسة الجسور بين البشر، حيث تتقدّم الحكمة خطوة على الكلام، ويغدو الإصغاء أبلغ من الخطب.
ولأنني امرأة، فإنّ فرحي يحمل معنى آخر. إنّه فرح الأنثى حين ترى أنثى أخرى تنتصر للعلم على الصدفة، وللعمل على الادّعاء، وللصبر على العجلة. فرح لا يعرف الغيرة، لأن الأرواح الكبيرة لا تضيق بنجاح غيرها، بل تتّسع له كما تتّسع السماء للنجوم؛ كل نجمة تزيدها جمالا، لا ازدحاما. أحبّ أن أؤمن بأنّ النساء الحقيقيات لا يتنافسن على الضوء، بل يتعاونّ على توسيع مداه. فإذا أشرقت واحدة، رأت الأخريات في إشراقها وعدا، لا تهديدا. وهكذا يصبح نجاح امرأة رسالة صامتة إلى آلاف النساء: الطريق موجود، لكنه لا يفتح أبوابه إلا لمن يطرقها بالاجتهاد.
ولعلّ أجمل ما في رحلات النجاح أنّها لا تغيّر الإنسان إذا كان أصيلا، بل تكشف أصالته. فالمطر لا يصنع خصوبة الأرض، وإنّما يظهر ما كان فيها من بذور. وكذلك المناصب؛ لا تخلق المعادن، بل تكشفها. وأنتم، في ظنّي، من أولئك الذين تكشفهم المواقف أكثر مما تصنعهم. فامضوا كما عهدناكم؛ بهدوء الواثق، وبأناقة الفكرة، وبرحابة القلب، وبذلك الاتزان الذي يجعل الحضور أثرا لا استعراضا، والإنجاز سيرة لا شعارا.
هنيئا لكم…هنيئا للمرأة التي لم تتكئ على اللقب لتكبر، بل كبر اللقب حين اتكأ عليها. هنيئا للإسم الذي ظلّ وفيّا لقيمته وهو يصعد، فلم يغيّره العلو، ولم يخدعه البريق. وهنيئا لكل امرأة ستقرأ سيرتكم يوما، فتدرك أن المجد لا يورث، ولا يمنح هبة، وإنما يبنى، لبنة لبنة، بالصبر، والخلق، والمعرفة، والإخلاص. ومن قلب امرأةٍ تؤمن بأن العالم لا ينهض إلا حين تتصافح الكفاءة مع النزاهة، والذكاء مع التواضع، والنجاح مع الإنسانية… أبعث إليكم تهنئةً لا تحمل الورد، لأن الورد يذبل، بل تحمل الدعاء بأن يظل عطاؤكم مزهرًا، وأن تبقى خطاكم تكتب في دفاتر الوطن ما لا تستطيع الأوسمة أن تكتبه. فبعض النساء لا يمررن في الزمن…بل يتركن الزمن أكثر جمالً مما وجدنه.
📲 Partager sur WhatsApp