بقلم زكية لعروسي, باريس
في المدن العادية، يموت الرجل فيشيعه أهله. أما في جمهوريات المعجزات السياسية، فإن الرجل إذا مات خرجت المدن كلها لتشييع نفسها. هكذا بدا المشهد في طهران. لم تكن النعوش هي التي تسير، بل كانت الأساطير تجر على عجلات، واللافتات ترتفع كأنها تريد أن تقنع السماء بما عجزت عن إقناع الأرض به. ملايين البشر، أو ملايين الأرقام، فالسلطات في مثل هذه المناسبات لا تعد الناس، وإنما تعد هيبتها.
وكان النعش مغطى بعلم البلاد، كأن الوطن كلّه صار غطاء لرجل واحد، بينما بقي ملايين الأحياء يبحثون عن غطاء لأسئلتهم. ومن حول النعش، وقفت طبقة الكهنة السياسيين، بعمائمهم التي تشبه الغيوم إذا رآها شاعر، وتشبه خوذات الجنود إذا رآها مؤرخ. كانوا يقرأون الأدعية بوجوه لا تعرف إن كانت تبكي فقيدا أم تؤدي واجبا بروتوكوليا لا يجوز التأخر عنه. ولو عاد الجاحظ من قبره، لربما قال: “ما رأيت قوما يجعلون من الموت منصبا يمارس بعد الوفاة.”
أما القادمون من خارج إيران، فكانوا حكاية أخرى. جاء ممثلو طالبان، وهم قوم كانوا بالأمس القريب خصوما مذهبيين، ثم علمتهم السياسة أن الأعداء يتبادلون الابتسامات إذا تشابهت المصالح. وقفوا بخشوع محسوب، كأنهم يقولون للعالم إن السياسة تستطيع أن تُصالح حتى الأشباح. وجاء وفد من باكستان، يحمل على كتفيه ثقل الجغرافيا أكثر مما يحمل ثقل العاطفة. فالدول المجاورة تعرف أن حضور الجنازات الكبرى ليس دوما بكاء على الميت، بل أحيانا هو تأمين لعلاقات الأحياء. أما رجال الحرس الثوري، فلم يكونوا ضيوفا، بل كانوا أصحاب المسرح. انتشروا في كل زاوية، يراقبون الدموع كما يراقب الصيارفة العملات. ففي الدول العقائدية تصبح الدموع أيضًا جزءًا من الأمن القومي، ويغدو التصفيق عبادة، والصمت شبهة، والحياد تهمة.

وكانت الوفود تتوالى، لا يحمل معظمها أكاليل الزهور، بل يحمل رسائل مشفرة. فكل مصافحة تقول أكثر مما تقوله البيانات الرسمية، وكل صورة جماعية تكتب بحبر المصالح لا بحبر المشاعر. والعجيب أن الجنازة لم تكن جنازة رجل، بل جنازة فكرة تحاول أن تثبت أنها لم تمت. فالسلطة، حين تخشى الشيخوخة، تستعير من الموت هيبة إضافية. تبني المنصات، وتكثر الرايات، وتضاعف مكبرات الصوت، لعل الضجيج ينتصر على الأسئلة. وكانت الكاميرات تتحرك كما يتحرك النحل حول زهرة نادرة، تبحث عن لقطة لرجل يبكي، أو امرأة ترفع صورة، أو طفل يلوح براية. فالصورة في عصرنا لا توثق الحدث، بل تصنعه.
وفي أطراف المشهد، وقف العالم يتفرج. بعضه رأى وفاء. وبعضه رأى دعاية. وبعضه لم ير إلا طوابير طويلة من البشر يسيرون خلف نعش، كما سار أسلافهم قبل قرون خلف ملوك وآلهة وأنصاف آلهة، ثم عادوا إلى بيوتهم ليكتشفوا أن الخبز لم يتحسن، وأن التاريخ لا يوزع تعويضات على المشيعين. وهكذا انتهى اليوم الأول من الموكب، ولم ينتهِ السؤال القديم: هل جاءت الوفود لتودع رجلا، أم لتبايع ظلّه؟ فالسلطة، في كثير من بقاع الأرض، لا تموت مع أصحابها، بل تغيّر ثيابها فقط، وتواصل السير في الموكب نفسه، بينما يتغير حاملو النعش، ويبقى النعش واحدا.
📲 Partager sur WhatsApp