بقلم زكية لعروسي, باريس
كان المهدي، ثالث الخلفاء العباسيين الكبار، يعرف أن الإمبراطوريات لا تخاف الجيوش وحدها، وإنما تخاف الجملة إذا تعلّمت أن تفكر. ولهذا لم يكتف بسيوف الحرس، بل أنشأ – كما تروي كتب الأخبار – جهازا يفتش داخل الرؤوس قبل أن يفتش داخل البيوت. ولم يكن اسمه ديوان الضرائب، ولا ديوان البريد، ولا ديوان الجند، بل حمل اسما يكاد يكون أكثر رهبة من السيف نفسه: ديوان الزنادقة. وما أعجب الأسماء. فالدواوين تحفظ أسماء المواليد والجنود والأموال، أما هذا الديوان فكان يحصي الشكوك.
ليست الزندقة كلمة بسيطة كما يتخيل قارئ العصر الحديث. إنها من تلك الكلمات التي كبرت حتى ابتلعت معانيها. في أصلها الفارسي، ارتبطت بأتباع ماني، النبي الذي خرج من بلاد فارس في القرن الثالث الميلادي معلنا أنّ الكون ليس مملكة واحدة، بل حرب أزلية بين مملكتين: النور والظلمة. لم يكن الشر عند ماني حادثا ، بل جوهرا يقف في مواجهة الخير. والإنسان ليس سوى ساحة معركة تمشي على قدمين، نصفه يحن إلى الضوء، ونصفه الآخر يشده طين العالم إلى الأسفل. كانت المانوية ديانة كونية، تستعير من المسيحية، ومن الزرادشتية، ومن البوذية، ثم تصنع لنفسها ثوبا جديدا. ولذلك بدت، في نظر خصومها، كأنها مرآة مكسورة تعكس أديانا كثيرة في وقت واحد.
لكن حين دخلت الكلمة إلى العربية، لم تبق أسيرة هذا المعنى. كبرت… ثم تضخّمت…ثم تحوّلت إلى قفص. صار الزنديق هو المانوي. ثم صار كل من يخفي عقيدة غير معلنة. ثم صار كل من يكثر من السؤال. ثم صار كل من يختلف. ثم صار، أحيانا، كل من لا يروق للسلطة. وهكذا لم تعد الزندقة مذهبا بقدر ما أصبحت اسما للخطر. كان العصر العباسي الأول عصرا يفيض بالكتب كما يفيض النهر بعد المطر. وفي بغداد والبصرة والكوفة، كانت الفلسفة تدخل مع القوافل، والمنطق اليوناني يترجم، والديانات الفارسية تتنفّس من جديد، والجدل لا ينام. وكان الخليفة المهدي يرى أن الدولة التي فتحت نصف الدنيا لا يجوز أن تهزم داخل مجلس مناظرة. فبدأت المطاردة. لم يكن الصياد يلاحق الوحوش، بل يلاحق الأفكار. ولم تكن القيود توضع في الأيدي وحدها، بل في الكلمات أيضا.
ومن أشهر من ارتبط اسمه بهذه الحقبة بشار بن برد. كان ضريرا يرى ما لا يراه المبصرون. لسانه أمضى من السيوف، وسخريته أشد وقعًا من وقع الخيل. اتهم بالزندقة، واختلف المؤرخون في حقيقة معتقده، لكنهم اتفقوا على أن نهايته كانت دامية. كأن الدولة أرادت أن تقول للشعر نفسه: احذر أن يطول لسانك. ثم جاء صالح بن عبد القدوس، الحكيم الذي مزج الأخلاق بالفلسفة، فاتهم هو الآخر بالزندقة، وانتهى مقتولا في زمن المهدي. أما عبد الكريم بن أبي العوجاء، فكان من أشهر أصحاب الجدل العقائدي، وقد قُتل بعد اتهامه بالزندقة والإلحاد. وتبقى التفاصيل موضع نقاش بين المؤرخين، لكن الثابت أن تلك المرحلة شهدت حملة واسعة على من عدّوا زنادقة أو خارجين على العقيدة.
وكان القتل، في كثير من الروايات، يتم صبرا. أي أن الرجل لا يموت في ميدان حرب، بل يقاد مكبل اليدين، بعد محاكمة أو تحقيق، ثم ينتظر الموت وهو يرى السيف يقترب منه ببطء. أي قسوة أشد من أن يعرف الإنسان ساعة موته بالدقيقة؟ إن الحرب تمنح خصمها فرصة المقاومة. أما الدولة، حين تغضب، فإنها كانت تمنح خصمها فرصة الانتظار. والانتظار أحيانا أقسى من السيف. غير أن أكثر ما يثير الدهشة أن الزندقة لم تكن دائما عقيدة، بل كانت، في بعض الأحيان، عنوانا سياسيا. فالسلطة، كانت لا تكتفي بإعدام خصومها، بل تحرص على أن تمنحهم اسما يجعل الناس يصفقون لموتهم. مرة يكون الإسم: خائن. ومرة: مهرطق. ومرة: زنديق. الأسماء تتغير…أمّا الفكرة فتبقى واحدة. أن يصبح القضاء على الإنسان دفاعا عن الفضيلة.
ولعل المفارقة الكبرى أن كثيرا ممن لاحقوا الزنادقة كانوا يؤمنون أنهم يحمون الدّين، بينما يرى مؤرخون معاصرون أن التهمة اتسعت حتى شملت طيفا واسعا من المفكرين والشعراء وأصحاب الآراء غير المألوفة. وهكذا صار ديوان الزنادقة مرآة لعصره. ليس لأنه كشف الزنادقة… بل لأنه كشف خوف الدولة من الأفكار. فالسلطة تستطيع أن تهزم جيشا في يوم. أما فكرة واحدة، فلا تعرف متى ولدت، ولا أين تختبئ، ولا بأيّ اسم تعود. ولهذا كان السيف يسبق البرهان، وكانت التهمة تصل قبل السؤال، وكان الديوان يكتب أسماء الرجال، بينما كانت الأفكار تغادر القاعات من النوافذ، وتنجو. إن التاريخ لا يذكر عدد السيوف التي صدئت. لكنه لا ينسى أبدا الأسئلة التي حاولت السيوف إسكاتها.
📲 Partager sur WhatsApp