بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
في عالم السياسة، هناك لحظات تصبح فيها الكلمات أشبه بقطع من معدن ساخن، لا تسقط على الأرض إلا بعد أن تحرق شيئا من الهواء. وحين يخرج وزير خارجية إيران عباس عراقجي ليعلن أن كل دولة “تشارك أو تتعاون أو تساعد” الولايات المتحدة في هجماتها ستتحمل المسؤولية، فإن التصريح لا يبدو مجرد جملة دبلوماسية في مؤتمر دولي، بل يبدو كرسالة محفورة على باب قلعة قديمة تقول للداخلين: إن الاقتراب من هذه النار له ثمن. في هذا الشرق الذي يشبه كتابا قديما كتبته إمبراطوريات كثيرة ثم مزقته الحروب، لا تسير الأزمات بخط مستقيم. إنها تتحرك مثل متاهة بورخيس، حيث كل باب يقود إلى باب آخر، وكل قرار يفتح احتمالات لا يعرف أحد نهايتها. لم تعد الحرب الحديثة مجرد مواجهة بين جيشين. لقد تحولت إلى شبكة من الظلال، حيث يمكن لدولة بعيدة أن تصبح جزءا من المعركة بمجرد قاعدة عسكرية، أو موقف سياسي، أو تعاون لوجستي. أصبحت الخريطة نفسها كائنا حيا، تتنفس وتغضب وتنتقم.
حين تقول طهران إن المسؤولية ستطال كل من يقدم دعما للهجمات الأميركية، فهي لا تتحدث فقط بلغة القانون الدولي، بل تستدعي أيضا لغة التاريخ. ففي ذاكرة الأمم، لا توجد كلمة اسمها “المشاركة” بلا تبعات. كانت الإمبراطوريات القديمة تعرف أن الحليف في الحرب يرث أحيانا غضب العدو كما يرث المنتصر الغنائم. ومنذ حروب روما إلى صراعات القرن العشرين، كان الاقتراب من نار القوى الكبرى يعني دائما احتمال الاحتراق. لكن التاريخ يعلمنا أيضا أن كل دولة تروي القصة من نافذتها الخاصة. واشنطن ترى في تحركاتها جزءا من معادلات الأمن والردع وحماية المصالح. وطهران تراها اعتداء على سيادتها ومحاولة لمحاصرة دورها. وبين الروايتين تقف منطقة كاملة تشبه سفينة في بحر عاصف، حيث لا يكفي أن تعرف اتجاه الريح، بل يجب أن تعرف أيضا من يمسك بالدفة. كان دوستويفسكي يكتب عن الإنسان الذي يعيش صراعا داخليا بين الخوف والكبرياء، بين الرغبة في الانتقام والرغبة في النجاة. وربما تنطبق هذه الفكرة على الدول أيضا.

فالأمم، مثل البشر، تحمل ذاكرتها وجراحها. لها كبرياؤها، وقلقها، وصورتها عن نفسها. وحين تشعر دولة ما أن وجودها مهدد، فإن ردها لا يكون دائما حسابيا باردا، بل قد يصبح مشحونا بتاريخ طويل من الإحساس بالخطر. لكن المأساة الكبرى أن الدول حين تدخل دائرة الغضب تصبح مثل شخصيات روايات كافكا: تتحرك داخل نظام معقد، تبحث عن مخرج، لكنها تجد أن الجدران ترتفع كلما اقتربت من الباب. إن أخطر ما في التصعيد الحالي ليس فقط احتمال توسع دائرة المواجهة، بل تغير طبيعة الحرب نفسها. لم تعد الجبهة خطا مرسوما على الأرض، بل شبكة تمتد من العواصم إلى الممرات البحرية، ومن غرف القرار إلى شاشات العالم. أصبحت الطائرات والصواريخ جزءا من صراع أكبر حول النفوذ، والهيبة، ومن يملك حق كتابة الرواية الأخيرة. في هذه اللحظة، يبدو الشرق الأوسط كمدينة أسطورية تحت سماء من نار. كل حجر فيها يحمل ذاكرة حرب قديمة، وكل شارع ينتظر أن يعرف هل سيكون شاهدا على ولادة مرحلة جديدة أم على تكرار مأساة قديمة.
الفيلسوف الألماني هيغل كان يرى أن التاريخ يتحرك عبر صراعات كبرى، لكن التاريخ لا يكتب فقط بانتصارات الجيوش، بل أيضا بثمن البشر الذين يعيشون تحت ظلالها. فخلف البيانات الرسمية هناك وجوه لا تظهر في المؤتمرات: عائلات تنتظر خبرا، ومدن تخشى الليل، وأطفال لا يعرفون لماذا أصبح صوت الطائرات جزءا من أحلامهم. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: القوى الكبرى تتحدث عن الردع، بينما الشعوب تبحث عن الأمان. القادة يتحدثون عن النفوذ، بينما الناس يريدون فقط يوما عاديا لا يحمل مفاجأة من السماء. إن تهديد إيران بالرد على كل من يساعد الولايات المتحدة يفتح صفحة جديدة في كتاب الصراع. قد يكون رسالة ردع، وقد يكون خطوة في لعبة الضغط المتبادل، لكنه يكشف حقيقة أعمق: العالم دخل مرحلة أصبحت فيها المسافات أقل أهمية من المواقف.
لم تعد الدول البعيدة بعيدة حقا. أصبح الكوكب كله غرفة واحدة، وكل شرارة يمكن أن تجد طريقها إلى الستائر. ويبقى السؤال الذي يطارد هذا القرن: هل تستطيع الدبلوماسية أن توقف شبحا خرج من القمقم؟ أم أن القوى المتصارعة ستواصل استدعاء وحوش التاريخ، حتى تجد نفسها أمام مرآة لا ترى فيها عدوا فقط، بل ترى مستقبلها أيضا؟ في نهاية المطاف، لا تنتصر الأمم حين تثبت قدرتها على إشعال النار، بل حين تثبت قدرتها على معرفة اللحظة التي يجب فيها إطفاؤها.
📲 Partager sur WhatsApp