بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء
هناك أشياء في الجسد لا تعمل، بل تتآمر. نحن نظنّ أن التنفس فعل بسيط، حركة هواء تدخل وتخرج مثل مدّ صغير في شاطئ مجهول، لكن الحقيقة أكثر غرابة من كل الأساطير الطبية. فالأنف ليس نافذة للهواء، بل مملكة ليلية ذات حارسين يتناوبان الحكم في صمت، كأن داخل وجه الإنسان برلمانا خفيا لا ينام. كل ساعتين تقريبا، يخلع أحد المنخرين تاجه ويعلقه على كتف الآخر. لا صوت لهذا الانقلاب، ولا بيان عسكري، ولا نشيد وطني، ومع ذلك يتغير مصير الهواء الذي سيعبر إلى الرئتين. المنخر الأيمن يصبح شمسا صغيرة، والأيسر قمرا يتوارى، ثم تنعكس الأدوار كأن الكون كله يتدرّب داخلنا على فكرة التعاقب. أيّ غرابة هذه؟ أن يحمل الإنسان في وجهه فصلين يتناوبان مثل ممالك الطقس.
العلم يسمي هذا «الدورة الأنفية»، لكن الاسم العلمي يبدو فقيرًا أمام المشهد الحقيقي. تخيّل أن في عمق أنفك مدينة إسفنجية من الأوعية الدموية، تتضخم وتنكمش مثل رئات إضافية، وأن الدم نفسه يصعد إليها كأنه جيش من البنائين يرممون الأسوار بعد مرور العواصف. الهواء لا يمرّ فحسب، بل يترك وراءه خدوشا دقيقة، والأنف يرسل فرق الصيانة كل مرة ليعيد ترميم جدرانه المخملية. كأن المنخر الذي يتنفس كثيرا يعود آخر النهار متعبا، مغطى بغبار العالم: ذرات المدن، حبوب اللقاح، بقايا محركات السيارات، وشظايا أحاديث البشر. عندها يقول له الدّم: «نم قليلا، سأحرس الباب». وفي أثناء نومه، يستيقظ المنخر الآخر ليتولى الحراسة. أليس هذا أقرب إلى ملحمة أسطورية منه إلى وظيفة فسيولوجية؟

لكن الأعجب من ذلك أن قائد هذه المملكة ليس الأنف نفسه، بل منطقة صغيرة في الدماغ تدعى «الوطاء». هناك، في غرفة قيادة بحجم حبة لوز، يجلس ما يشبه مايسترو غير مرئي يوزع الأدوار بين المنخرين كما يوزع قائد الأوركسترا الأنغام بين الكمان والناي. وعندما يختل هذا القائد، يختل الإيقاع كلّه. يصبح الأنف مثل دولة فقدت حكومتها المركزية؛ منخر يصرّ على الهيمنة، وآخر يدخل في عزلة طويلة، فتضطرب موسيقى التنفس ويشعر الإنسان أنّ العالم ضاق من جهة واحدة فقط. كم هو مدهش أن يكون الاختناق أحيانا مجرّد خلاف إداري بين أنسجة صغيرة! الأطبّاء يقولون إنّ المنخر الأيمن يرتبط بحالة يقظة وتوتر، بينما الأيسر يميل إلى التّهدئة والاسترخاء. لو صحّ ذلك، فنحن نحمل في وجوهنا مفتاحين للحالة النفسية: واحد يفتح باب العاصفة، وآخر يفتح باب البحيرة. تخيّل, قارئي العزيز, أن أجسادنا تختار، دون استئذاننا، أيّ باب ستدخل منه إلى العالم: باب المحارب أم باب الناسك.
وربما لهذا السبب كان المتصوفة القدماء يراقبون أنفاسهم كما يراقب الفلكيون حركة النجوم. كانوا يدركون intuitively ما بدأ العلم يلمحه الآن: أن التنفس ليس مجرد تبادل غازات، بل تبديل حالات وجود. كل شهيق هو اقتراح جديد للوعي. وعندما نصاب بالزكام، لا يكون الأمر مجرد التهاب. إنّه تمرّد شامل داخل الإمبراطورية الأنفية. المخاط يتحوّل إلى طوفان، والأوعية الدّموية إلى أنهار هائجة، والحرّاس يتكدسون عند البوّابات حتى يختفي الممرّ تماما. تشعر حينها أنّ الهواء، ذلك الكائن الذي كنت تظنه متاحا للجميع، أصبح عملة نادرة. وفي الليل، عندما تستلقي على الوسادة، تتدخّل الجاذبيّة كوزير خارجية غير مرغوب فيه. الدم يهاجر نحو المنخر الأقرب إلى الوسادة، فيغلقه ببطء، بينما يفتح الآخر عينه مثل حارس مناوبة متأخرة. حتى وضعية النوم إذن ليست بريئة؛ إنّها تصويت صامت لصالح أحد المنخرين.

غير أن أكثر ما يحيّر في هذه القصة أن الإنسان يعيش عمره كله تقريبا وهو يجهل هذا المسرح الداخلي. يكتب الشعر، يبني المدن، يخوض الحروب، يحبّ ويكره، بينما في أعماقه يتبادل منخران نوبات العمل بانتظام كموظفين مثاليين في مؤسسة كونيّة. كم من القرارات العظيمة اتّخذت بينما كان المنخر الأيمن في السلطة؟ وكم من قصائد الحبّ ولدت حين كان الأيسر يوزع السّكينة على الجسد؟ لا أحد يعرف. لكنّ الفكرة وحدها تكفي لإرباك الفلسفة. فلعلّ أعظم ما يكشفه هذا السرّ الصغير هو أنّ الطبيعة لا تثق في الاستمرار المطلق. كلّ شيء عندها يعمل بنظام المناوبة: الليل والنهار، المدّ والجزر، اليقظة والنوم، وحتى المنخران. الاستمرار الحقيقي لا يتحقق بأن يعمل الشيء بلا توقف، بل بأن يعرف متى يتراجع ليفسح المجال لغيره.
وهكذا، يصبح الأنف معلما خفيا لفن البقاء: لا نتنفس بكل قوتنا دائما، ولا نحرس الباب وحدنا إلى الأبد، فحتّى الهواء يحتاج إلى عدالة في المرور. وفي المرة القادمة التي نشعر فيها’ قرائي الكرماء, أنّ إحدى فتحتي أنوفنا أكثر انفتاحا من الأخرى، لا نتسرع في الظنّ أننا مرضى. ربّما نكون فقط شاهدين على أقدم طقس ملكيّ في جسد الإنسان: لحظة انتقال العرش من منخر إلى آخر، بينما يواصل الكون دورانه الهائل خارجنا، وتواصل أنوفنا دورانها الأصغر داخلنا، في تناغم مذهل يجعل الوجه البشري أشبه بمجرة لها شمس وقمر يتبادلان الضوء إلى الأبد.
📲 Partager sur WhatsApp