بقلم زكية لعروسي, مديرة جريدة الورقاء
توجد أماكن لا يجرؤ الزمن على دخولها إلا حافيا. المقابر واحدة منها. فهي ليست أرضا للأموات كما يظن الأحياء، بل مكتبات حجرية تحفظ الهمسات التي عجز الهواء عن حملها. وكل شاهد قبر ليس صخرة صامتة، بل نافذة صغيرة يطل منها الغياب على العالم كل مساء. غير أن مقبرة مايدلينغ في فيينا قررت أن تعيد كتابة وظيفتها. لم تعد تكتفي بحراسة الموت، بل فتحت أبوابها للحياة. زرعت أشجارا جديدة، واستقبلت الطيور والحيوانات الصغيرة، ثم ذهبت أبعد من ذلك حين رسمت مسارات للمشي، ونصبت أجهزة رياضية لكبار السن، وكأنها قررت أن تجعل القلب ينبض فوق المكان الذي اعتاد استقبال القلوب المتوقفة.
عند تلك اللحظة ارتبكت الحدود. لم يعد أحد يعرف أين ينتهي الحداد وأين تبدأ النزهة. صار العجوز الذي يمارس تمارينه الصباحية يمر بمحاذاة شاهد قبر، فيبدو كما لو أنّه يتبادل الأنفاس مع شخص رحل منذ قرن. وصارت الأشجار الفتية ترفع أغصانها فوق الرخام، كأنّها أصابع خضراء تحاول إيقاظ أسماء نامت طويلا تحت التراب. احتج المحافظون، وقالوا إن للموت هيبته. وربّما كانوا على حق. لكنّ الحياة بدت وكأنّها تبتسم في هدوء، ثم تواصل السير من دون أن تدخل في جدال. فهي تعرف منذ الخليقة أنّ الموت ليس خصمها، بل شقيقها الأكبر، وأنّ الإثنين يقتسمان الجسد نفسه كما تتقاسم النّار والرّماد الحكاية ذاتها.
في المقبرة لم تعد الأشجار تنمو من الأرض وحدها، بل من الذاكرة أيضا. وكل ورقة خضراء بدت رسالة كتبها ميت ولم يجد ساعي بريد يحملها إلاّ الريح. أمّا العصافير فقد راحت تحط فوق الشواهد، لا لتغني، بل لتراجع أسماء الذين نسيتهم المدن، وكأنها موظفات صغيرات في أرشيف السماء. هناك، لم تعد المقاعد الحجرية تنتظر الزوار، بل تنتظر الزمن نفسه. يجلس عليها الصباح قليلا قبل أن يواصل رحلته، بينما يمر المساء وهو يحمل على كتفيه معطفا من الظلال. وحتى الشمس، حين تتسلل بين الأغصان، تبدو كأنها طبيب عجوز يفحص نبض المقبرة كلّ يوم ليتأكد أنّ الصمت ما زال على قيد الحياة. ولعلّ أكثر ما يثير الدهشة أن الأجهزة الرياضية نفسها تبدو وقد اكتسبت روحا خفية. فكلّما أمسك بها شيخ ليمد ذراعيه، تحرّكت في داخل الحديد ذاكرة لا يراها أحد. كأنّ المعدن يحتفظ ببصمات الذين عبروا المكان قبل عقود، فيصبح التمرين حوارا صامتا بين عضلات ما زالت تقاوم الفناء، وعظام استسلمت له منذ زمن بعيد.
المقابر ليست مخازن للموتى، بل حدائق يزرع فيها الزمن بذوره السوداء. وكلّ قبر ليس نهاية إنسان، بل باب صغير يؤدي إلى مكتبة لا تستطيع العين قراءتها. وربما لهذا السبب بدا مشروع فيينا غريبا إلى هذا الحد. فهو لم يحاول أن يوقظ الموتى، بل حاول أن يقنع الأحياء بأن الحياة نفسها ليست سوى زيارة قصيرة داخل مقبرة كونية لا نعرف أين تبدأ ولا أين تنتهي. وحين يغادر آخر زائر، وتخلو الممرّات من الخطوات، يقال إنّ الأشجار تنحني قليلا، وإنّ الشواهد تتبادل أماكنها في الظلام، وإنّ الريح تمشي ببطء بين القبور وهي تحمل مصباحا لا يضيء الطريق، بل يضيء الذكريات. عندئذ فقط يدرك الليل أن المقبرة لم تكن يوما مدينة للموت، بل كانت المدينة الوحيدة التي تعلمت كيف تجعل الحياة والغياب يتصافحان من دون أن يكسر أحدهما يد الآخر.
📲 Partager sur WhatsApp